الليل الأمريكي الطويل../ د. عبدالخالق عبدالله

أعدم صدام حسين شنقا لكن حبل مشنقة العراق يضيق حول عنق الرئيس الامريكي جورج بوش ويزيد من همومه ومتاعبه مع مطلع كل يوم جديد من أيام عام 2007. عدد القتلى بين القوات الامريكية في العراق بلغ اكثر من 3000 جندي ليتجاوز الحاجز النفسي الصعب الذي لا يمكن تحمله طويلاً.

وعدد الجرحى بين القوات الامريكية تجاوز 23 الف جريح، جراح معظمهم مستديمة. كما اقتربت نفقات الحرب على العراق من حاجز 500 مليار دولار لتشكل استنزافا ماليا لا يمكن حتى لدولة عظمى وغنية كالولايات المتحدة تحمله طويلا خاصة وان الكونجرس الامريكي الديمقراطي لم يعد بمزاج لدعم مغامرات بوش في العراق.

ربما يشعر جورج بوش بالارتياح من اعدام صدام حسين لكن الرئيس الامريكي سيلطم حظه العاثر في العراق حتى آخر لحظة من عمره السياسي، وسيظل في حيرة ما بعدها حيرة تجاه اسباب انهيار المشروع الامريكي في العراق وهل يمكن بناء استراتيجية جديدة وكيف يمكن انقاذ هيبة رئاسته ومكانة دولته: هل المطلوب البقاء طويلا وزيادة عدد القوات الامريكية العاملة في العراق كجزء من الاستراتيجية الجديدة ام المطلوب الانسحاب فورا ووضع نهاية للحرب كما يطالب اعضاء الحزب الديمقراطي الذين عادوا بقوة وبزعامة امرأة حديدية للسيطرة على الكونجرس الامريكي بمجلسيه النواب والشيوح؟ هل ينبغي دعم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي اكد انحيازه الطائفي اثناء مراسم اعدام صدام حسين والذي لم يعد يحظى بثقة العراقيين ام المطلوب استبدال الحكومة العراقية المهزوزة بأخرى أكثر قدرة على ادارة العراق وتوحيد مناطقه وطوائفه المتناحرة؟ هل تستطيع الولايات المتحدة المحافظة على وحدة العراق أم اصبح من الضروري التعامل مع حقيقة انه لا يوجد عراق واحد بل عراق شيعي وآخر سني وثالث كردي؟ ثم هل المطلوب فتح حوار استراتيجي مع دول الجوار كما يدعو الى ذلك تقرير جيمس بيكر أم تصعيد المواجهة السياسية مع ايران والوصول بها الى المواجهة العسكرية لوقف تمددها الاقليمي كما ينادي بذلك من تبقى من المحافظين الجدد في ادارة بوش المحاصرة من الكونجرس والمطوقة بمشنقة العراق.

فجأة انقلب السحر على الساحر واصبحت كافة الخيارات المتاحة امام بوش صعبة ومؤلمة وكافة الاستراتيجيات غير واقعية. قرارات بوش غير مقنعة واقتراحات الكونجرس الديمقراطي غير عملية واطروحات الدبلوماسي المخضرم جيمس بيكر غير ملزمة 80% من الشعب الامريكي يؤيدون ما جاء في تقرير جيمس بيكر بضرورة سحب القوات الامريكية بحلول عام 2008 واكثر من 70% يطالبون الكونغرس الديمقراطي الجديد بالضغط على الرئيس الامريكي الجمهوري لوضع خطة لسحب القوات الامريكية خلال ستة اشهر و95% من العراقيين يعتقدون ان العراق أسوأ حالا على الصعيد الامني في ظل الاحتلال مما كان عليه خلال حكم صدام حسين.

لا جديد لدى الرئيس الامريكي الحائر، فبعد اكثر من شهرين من المراجعة لا يجد بوش الحائر سوى التضحية ببعض رموز ادارته وتغيير عدد من القيادات الامنية والعسكرية وارسال حوالي 20 الف جندي اضافي الى العراق من اجل التغطية على فشله السياسي وعجزه العسكري واستعادة بعض من هيبته بعد ان اكدت استطلاعات الرأي ان 86% من الشعب الامريكي لم يعد يثق برئيسه ويحمله شخصيا تبعات غزو العراق.

بمثل هذا الحكم الصارم والانهيار التام في شعبيته يمر جورج بوش بواحدة من أسوأ لحظات رئاسته التي دخلت عدها التنازلي وأوشكت على الانتهاء فعليا قبل ان تنتهي رسميا.

يعيش الرئيس الامريكي هاجس كيف دخل العراق وتعيش الولايات المتحدة هم الخروج من العراق. صحيح ان الولايات المتحدة ما زالت تملك موارد مالية وعسكرية وتقنية ضخمة كل الضخامة، وصحيح ايضا ان واشنطن هي العاصمة السياسية للعالم بأسره، لكن رغم ضخامة مواردها وقدراتها الا ان الدولة العظمى الوحيدة في العالم تستقبل عام 2007 وهي مهزومة في العراق ومثقلة بالمسؤوليات والتحديات الداخلية والخارجية. فالولايات المتحدة منقسمة على نفسها في الداخل وتمددت بأكثر مما ينبغي لها ان تتمدد في الخارج، واخذت تنتقل من أزمة الى اخرى دون ان تتمكن من حل أي منها.

إن اكثر ما تعاني منه الولايات المتحدة حاليا هو غطرسة القوة وغياب التركيز علاوة على حكم رئيس احمق في الوقت الذي عليها ان تتخذ قرارات صعبة في العراق واخرى اكثر صعوبة في ايران وثالثة في غاية الصعوبة تجاه بقية الازمات العالمية المستعصية. فأمام الولايات المتحدة وهي تستقبل عام 2007 الملف النووي الايراني والوضع السياسي اللبناني والقضية الفلسطينية والحرب الممتدة على الارهاب ومتابعة نشاطات القاعدة في الصومال وطالبان في افغانستان. ثم هناك التمرد اللاتيني في عقر دارها والذي يقوده الرئيس شافيز علاوة على التحدي الكوري الشمالي والبروز الاقتصادي الصيني المتنامي والصعود السياسي الروسي وقضية دارفور في السودان وفوق هذا وذاك الهزيمة في العراق التي اصبحت الشغل الشاغل ليس للرئيس الامريكي المزنوق فحسب بل والكونغرس والصحافة والمجتمع الامريكي الحائر.

عندما تعيش القوة العظمى الوحيدة في العالم حالة هزيمة وحيرة ويفقد رئيسها الاحساس بما يجب عمله وأي قرار يتخذه وفي أي اتجاه يتجه، يكون العالم بأسره في خطر. قوة عظمى حائرة هي بنفس خطورة قوة عظمى متغطرسة: كلتاهما خطر على الامن والاستقرار العالميين. لا يوجد ما هو أسوا من قوة عظمى متغطرسة سوى قوة عظمى حائرة ورئيس دولة عظمى ضائع.

لا يمكن للعالم ان يثق في قوة عظمى حائرة ولا يمكنه احترام رئيس دولة عظمى لا يعرف “كوعه من بوعه”. الاحترام لامريكا في تراجع مستمر في كافة انحاء العالم بين الاصدقاء والاعداء على السواء، بسبب ادائها الضعيف في العراق ولجوئها المفرط للقوة منذ احداث 11 سبتمبر/ أيلول الدامية. 78% من الشعب الامريكي يعتقد ان الاحترام للولايات المتحدة في ادنى مستوياته بسبب الحرب على العراق. لكن الولايات المتحدة تستطيع ان تعيش من دون احترام، فهي شاء العالم أم أبى مازالت القوة العظمى الوحيدة من دون منافس.

لذلك فإن ما هو أسوأ من تراجع الاحترام هو تراجع الخوف من الولايات المتحدة. فالهزيمة في العراق التي تزداد وضوحا يوما بعد يوم تشير الى ان قوة الدولة العظمى ليست بالقوة المطلقة ولم تعد تهديداتها مقنعة واصبح بإمكان الاعداء تجاهلها كما تفعل كوريا الشمالية وايران وفنزويلا والسودان وسوريا وحتى حزب الله وحماس وايمن الظواهري الذي ازدادت اطلالاته الصوتية مؤخرا. عندما يتراجع الخوف من امريكا يصبح اعداؤها اكثر جرأة والاصدقاء اقل ثقة كما تصبح واشنطن اكثر خطورة ورئيسها اكثر تهورا واندفاعا لاستخدام القوة والمغامرات العسكرية وافتعال المعارك الجانبية لتأكيد قوة وهيبة الردع والتغطية على الضعف واسترجاع ما يمكن استرجاعه من ثقة الحلفاء واحترام الاصدقاء.

الضياع والارتباك والتشويش في اعلى مستوياتها في الداخل الامريكي اما الاحترام والثقة والخوف من الولايات المتحدة فهي في ادنى مستوياتها في الخارج الامريكي. هكذا دولة عظمى لا تصبح خطرة وعالة على نفسها بل هي اكثر خطورة وعالة ومصيبة على العالم الذي يرغب في الامن ويبحث عن الاستقرار ويتطلع للهدوء لكن عليه ان يعيش في ظل ليل امريكي طويل وممتد بامتداد عام 2007 واكثر.

"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018