في زمن آخر كنا لعبة في يد الكبار!../ جميل مطر*

يزداد عدد القائلين إنه تحقق أخيراً لإسرائيل أغلى أهدافها حين انفرط عقد العرب ونشبت فيهم الفتنة. ويزداد أيضاً عدد القائلين إن ضمان أمن إسرائيل واستقرار المنطقة أساسه التوصل إلى عقد سياسي وتاريخي بين إسرائيل والدول الإسلامية السنية. أنمشي في ركاب هؤلاء، أم نتوقف لوقف الانهيارات والتصدي لنذر كارثة قد تفوق في فداحتها كارثتي الحربين العالميتين الأولى والثانية؟

وبالفعل توقفنا. لم نتوقف لنصد السيل ونوقف الانهيارات، ولكن توقفنا عن بذل أي جهد أو محاولة جادة لاستطلاع ما هو آت ووضع خيارات وإعداد القيادات اللازمة. انشغلنا، كل بنفسه، بينما انشغل الآخرون، على أطراف الإقليم العربي، بنا وبغيرنا من دون أن يهملوا شؤونهم الداخلية. نرى الأتراك وقد بدأوا يتحركون وإن بحذر شديد في محيطهم، ونحن جزء من هذا المحيط. ولا يخفون في كتاباتهم والتحليلات التي تقوم بها مراكز البحث عندهم قلقهم الشديد من تدهور الأوضاع في كثير من الدول العربية والفراغ المخيف في قيادة النظام العربي، والتردي البشع في إدارة النزاعات بين العرب وبعضهم بعضاً، وبين العرب وخصومهم. ليتنا نقرأ باهتمام وهدوء ما يفكر به الأتراك.

وما ينشغل به الأتراك تفكيراً وينفذونه في حركة بطيئة وحريصة يفكر به الإيرانيون ويندفعون نحوه بترتيب محكم وتنظيم جيد وديبلوماسية نشطة وقادرة وتعبئة محلية وإقليمية متميزة. أدرك الإيرانيون أن العرب عموماً، وليس السنة العرب فقط، في ورطة بسبب فجوات القدرة والتخطيط والسلاح بينهم وبين الإسرائيليين. وأدركوا أن العرب السنة محشورون في خانة الدفاع عن النفس منذ تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك، بدليل أن أغلب حكومات المنطقة قضت السنوات الأخيرة تدافع عن أنظمتها السياسية الناقصة الديموقراطية أمام حملة بوش، وتدافع عن مناهج التعليم الديني أمام الحملة الشرسة التي قادها العلمانيون المتشددون والأصوليون المسيحيون واليهود في الغرب ضد الإسلام. واستمرت بعض الحكومات العربية تفقد أرصدة من شعبيتها عندما استجابت لضغوط خارجية فضغطت بدورها على فريق فلسطيني ليخضع لإسرائيل وأميركا أو على الأقل يسايرهما، وعلى فريق لبناني ليتنازل عن سلاحه من دون أن تفعل شيئاً ملموساً يطمئن هذا الفريق أو ذاك إلى أن إسرائيل ستتوقف عن ممارسة الإرهاب والتوسع والاغتيال.

يجب أن نعترف أن عدداً من الدول العربية وقع خلال السنوات الأخيرة في أخطاء غير بسيطة وغير قليلة، توجد صعوبة في اختيار أبرزها. أخطأ بعضها حين اندرج في الخطة الأميركية الإسرائيلية لحصار إيران، وهو يعلم أن لهذه الخطة هدفاً لا أظن أنه يصب في مصلحة هذه الدول العربية. كذلك يدرك هذا البعض من الدول العربية خطورة أن ينتهي مسار أي عملية تدخل في إيران إلى النهاية التي انتهى عندها مسار التدخل في العراق فيجري تدمير إيران تماماً كما حصل في العراق. صارت إيران البند الأول في اهتمامات السياسة الخارجية لدول عربية متعددة، وفي الوقت نفسه بندا أول في السياسة الخارجية الإسرائيلية، وبين أهم بنود السياسة الخارجية الأميركية. تساوى الاهتمام بإيران، رغم عدم توافر التطابق ولا حتى التشابه، في مصالح أطراف المواجهة معها كافة. ولذلك تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل طبعاً، منذ مدة على انفراط اللحمة الإسلامية قبل شن حرب ضد إيران، تجازفان بنشوب حرب أو حروب مذهبية بين المسلمين العرب تمنع توحدهم مع مسلمي إيران وباكستان وأفغانستان في مواجهة حرب أميركية وإسرائيلية ضد إيران، وتجازفان باحتمال أشد خطورة، وهو أن تتحول الأطراف العربية إلى ساحات لمواجهات نووية وصاروخية لا عهد لها بها ولا تمتلك القدرات اللازمة لخوضها.

وتتأكد أولوية المواجهة المقبلة مع إيران في قائمة الاهتمامات الاستراتيجية لاسرائيل من قراءة تقارير مراكز البحوث الإسرائيلية المتخصصة في مجال الدفاع والحرب. فمثلاً وفي تقرير أخير عن الميزان الاستراتيجي في الشرق الأوسط (2005 - 2006)، صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الذي يضم مركز يافا للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب، يبدو التفاؤل الإسرائيلي بالمستقبل واضحاً في مناقشة العلاقة مع سورية، إذ يؤكد التقرير على انكشاف حال الضعف الاستراتيجي لسورية والاحتمال القوي لعودتها إلى المفاوضات مع إسرائيل، وينصح التقرير بمنح «الرئيس السوري بشار الاسد فرصة لإثبات حسن نياته تجاه إسرائيل». وعن فلسطين يقول التقرير إنها تنزلق «نحو الفوضى وبسرعة». ويشير إلى أن «حماس» لن تتنازل أو تخضع بسهولة أو من دون معركة، ولكن «حماس» في رأي واضعي التقرير في حاجة إلى فترة هدوء مع إسرائيل ولا يمنعها عن ذلك سوى عجزها «عن فرض سيطرتها على المتطرفين» الذين يهاجمون إسرائيل.

وعن لبنان يعترف التقرير بأن الحرب أصابت بالضرر البالغ قدرة الردع الإسرائيلية وكشفت «عن أوجه الضعف في قوات الدفاع وفي عملية صنع القرار السياسي»... ويضيف التقرير أنه وإن كان «حزب الله» استعاد قوته وما فقده من سلاح، إلا أن المتوقع في إسرائيل أن تشهد الحدود مع لبنان هدوءاً لأن «حزب الله» سيركز جهوده في المرحلة القادمة على «تثبيت مواقعه في الداخل».

ويقول التقرير إن كل التهديدات لأمن الشرق الأوسط واستقراره ازدادت سوءاً وخطورة خلال العام المنصرم كنتيجة «لعدم التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية» ولكن أيضاً بسبب عدم تحقيق إنجازات مهمة في الحرب العالمية ضد الإرهاب والتشدد الإسلامي وفشل أميركا في تحقيق استقرار في العراق، ولفت نظري أن واضعي التقرير يعترفون بأن هذا الفشل أساء إلى سمعة أميركا في أنحاء الشرق الأوسط كافة، ويؤكدون أنه «لا مصلحة لإسرائيل في استمرار الوجود الأميركي في العراق»، إذ أنه لا يوجد أمل في استقرار عراقي في الأمد المنظور. ويبدو منطقياً أن يكون هذا هو الرأي السائد في إسرائيل بعد أن تحقق هدف المحافظين الجدد من شن حرب هدفها إزالة «آخر تهديد لإسرائيل في المنطقة العربية». وبعد أن صار العرب، معظم العرب أو كلهم، لا يمثلون تهديداً يذكر.

بمعنى آخر يعتقد واضعو التقرير أنه لا تهديد لإسرائيل في الأجل القريب من جانب سورية أو «حزب الله» في لبنان أو العراق، ولا تهديد من الأردن ومصر لأن الفجوة العسكرية مستمرة في الاتساع ولصمود اتفاقيتي الصلح بين هذين البلدين واسرائيل. ولا تهديد من جانب الخليج والمغرب العربيين. التهديد الوحيد لإسرائيل قادم من إيران، ولدى إسرائيل شكوك قوية حول فرص نجاح إجراءات المقاطعة الدولية فضلاً عن اعتقادها أن الزمن يلعب لصالح إيران، وأنه إن لم يحدث تدخل عسكري تصبح قضية حصول إيران على القدرة النووية العسكرية مسألة وقت لا أكثر.

لذلك يبدو أن الصراع المتوقع نشوبه، والذي بدأت نذره بالفعل بين الشيعة والسنة في الشرق الأوسط، وبخاصة بين العرب الشيعة والعرب السنة في الإقليم العربي، فرصة لا تعوض، وهو أيضاً هدف لإسرائيل للبدء فوراً في تحسين علاقاتها بدول عربية مهمة. وقد جاء في التقرير: «إن نجاح حلف من هذا النوع يعتمد على قدرة الطرفين، إسرائيل والعرب السنة، على تطويع الرأي العام في الأغلبية السنية وكسبه إلى صف هذا الحلف ضد الشيعة عموماً وإيران خصوصاً. إنه الهدف الذي يستحق، وفقاً للرأي المتنامي إسرائيلياً وعربياً، التسريع بتحسين بعض أوضاع الفلسطينيين لإيهام الشعوب العربية أن هذا «الحلف السني» الإسرائيلي قادر على الإنجاز وإقامة نظام «شرق أوسط معتدل» حسب المواصفات التي وضعتها كوندوليزا رايس وتؤكد عليها في كل مناسبة».

يجب أن نعترف وبأسف لا شك فيه، بأن الكرة في ملعب الشرق الأوسط يتبادلها لاعبان إقليميان: إيران وإسرائيل، وأن أدوار بقية الأطراف مثل العرب وربما الولايات المتحدة، تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لأصول وتفاصيل المواجهة العنصرية الناشبة بين إيران وإسرائيل. في هذه المواجهة، الشبيهة باللعبة الأشهر في فن المفاوضات، وهي لعبة «الدجاجة»، تحتفظ إيران بالعراق، وما يحتويه العراق كالقوات الأميركية رهينة، وتحتفظ إسرائيل بالفلسطينيين وعرب الجوار والنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط رهينة، وينطلق الطرفان الإيراني والإسرائيلي بأقصى سرعة وبكل إمكاناتهما وبالرهينتين في حوزتهما نحو تصادم. واللاعبان في هذه اللعبة الافتراضية أمام احتمالين، أن يقع التصادم وبالتالي ينتهي اللاعبان مع رهائنهما، أو يخرج أحدهما قبل التصادم بلحظات ويدفع ثمن خروجه مع حلفائه ورهائنه باهظاً. في الحالتين، وإن لم يتوقف اللاعبان عن لعبتهما سيدفع العرب، كرهائن في هذه اللعبة ثمناً في حجم الكارثة.

كانت شؤون العرب وأقدارهم على امتداد عقود، لعبة يتسلى بها الكبار قبل أن يدور عليها الزمن ويجور فتصبح لعبة يلتهي بها الصغار.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018