استراتيجية بوش: لا مغامرة ضد طهران ودمشق../ ليلى الرحباني*

أثارت الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش أخيراً، الكثير من المناقشات والانتقادات في الولايات المتحدة الأميركية، حيث وحّدت هذه الاستراتيجية الديموقراطيين والجمهوريين في انتقادها، واستُقبلت بمعارضة شديدة من الأغلبية «الديموقراطية» في الكونغرس لتمتد الى صفوف بعض أعضاء الحزب الجمهوري الذين أبدوا تحفظاً على خطة بوش العراقية الجديدة، فقد قال السيناتور الجمهوري تشاك هيغل «ان استراتيجية بوش تمثّل خطأ فادحاً هو الأخطر في السياسة الخارجية لهذه البلاد منذ فيتنام».

وتأتي هذه الانتقادات والرفض الشعبي لهذه الخطة لتزيد عزلة الرئيس بوش وصقوره المحافظين، تلك العزلة التي بدأت تباشيرها تظهر على أثر انتخابات الكونغرس النصفية، وحيث كان الملف العراقي السبب الأبرز في الهزيمة التي مني بها الجمهوريون في مجلسي الكونغرس والشيوخ، وقد ذهب بعض المحللين الى تشبيه عزلة الرئيس بوش اليوم بعزلة البيت الأبيض عندما كان يحتله الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، إبان حرب فيتنام، حينها قام نيكسون بخطوة «الهروب الى الأمام» نفسها التي قام بها بوش، فعندما شعر بالهزيمة في فيتنام، قرر توسيع الحرب وقصف كمبوديا...

ما الجديد في استراتيجية بوش؟
الجديد أن الرئيس بوش أتى بسياسته الجديدة ليبدد الآمال التي راودت بعض صقور الإدارة الأميركية في إمكانية القيام بعمل عسكري ضد سوريا وايران، والتي تزايدت في ضوء التهديدات المبطنة التي أرسلها بوش وغيره من المسؤولين الأميركيين الى ايران والتي رافقها إرسال حاملة الطائرات «أيزنهاور» الى مياه الخليج ونشر صواريخ باتريوت. لكن أتى خطاب بوش واستراتيجيته المعلنة، ليزيل تلك الأوهام على الرغم من تضمنه عبارات تصعيدية أهمها «... إننا سنعيق الهجمات على قواتنا، وسنعيق الدعم الآتي من ايران وسوريا، وسنقتفي أثر الشبكات التي توفر لأعدائنا في العراق الأسلحة المتقدمة والتدريب حتى نعثر عليها وندمرها». كيف ذلك؟

أولاً، كيف يمكن زيادة حوالى 20 ألف جندي على القوات الاميركية في العراق التي لا تكاد تستطيع أن تضبط الأمن بشكل كافٍ في بلد يزيد عدد سكانه على ستة وعشرين مليون نسمة، أن تشكل دوراً استراتيجياً مهماً ومقلقاً للجارتين: ايران وسوريا؟ هذا إذا ما أضفنا الضوء الأخضر الاميركي للزيارة التي قام بها الرئيس العراقي جلال طالباني على رأس وفد رفيع الى سوريا، والتي أكد فيها أن «العراقيين يريدون تحطيم الطوق الذي فرضته القوى الاستعمارية على تقارب البلدين، شاكراً السوريين على رعايتهم قوى المعارضة العراقية لسنوات طويلة».

إذاً، ان الزيادة الخجولة لأعداد القوات لا توحي باستراتيجية جديدة بل تشير الى نوع من المراوحة أو «استمرار الحال على ما هي عليه»، وهو ما حذر منه تقرير بيكر ــ هاملتون في شأن العراق، وتأتي لتقضي على كل أمل للأميركيين في سحب جنودهم من العراق بعد فترة زمنية معينة كما أوصت اللجنة. وبالإضافة الى العدد المحدود للقوات الاضافية تعترض استراتيجية بوش الجديدة الكثير من المعوقات، أهمها عدم قبول السكان المحليين بالاحتلال، وهذا أمر مرهق لأي قوة عسكرية موجودة في بيئة غير صديقة، وعدم استعداد نوري المالكي أو عدم قدرته على تنفيذ المطالب الاميركية وخاصة لجهة قمع المتمردين السنّة والشيعة على حد سواء.

منذ البداية، كان الأمر الأصعب في تقرير لجنة دراسة العراق بالنسبة إلى بوش وفريقه هو القبول بفتح حوار مباشر مع ما سماه سابقاً دول «محور الشر» وهما سوريا وايران، حيث اقترح التقرير عرض الحوافز عليهما مقابل المساهمة في استقرار العراق والقبول بالمطالب الاميركية، وهنا الصعوبة الكبرى!! الصعوبة تكمن في أن الاميركيين، إذا أرادوا المفاوضة، عليهم أن يقوموا بذلك من موقع قوة لا من موقع ضعف كما هو موقفهم في العراق اليوم بعد الخسائر البشرية الهائلة وازدياد الضغط الداخلي في أميركا. لذلك لا تستطيع الولايات المتحدة وهي القوة العظمى في العالم، أن تفاوض من دون «عصي» ترفعها في وجه أعدائها، إذ يظهر للعلن أنه لم يعد لدى الأميركيين سوى «الجزر» لعرضه على جارتي العراق، من هنا كانت خطوة بوش في الهروب الى الأمام، وتصعيد الضغوط على الدولتين من خلال التهديد الكلامي والعسكري لتحسين شروط التفاوض، ومن ثم فتح قنوات غير مباشرة للحوار.

الأمر اللافت في خطاب بوش «قلقه» من السأم الذي أصاب «هؤلاء الملايين من الناس الذين ينشدون لأبنائهم مستقبلاً يسود فيه السلام... من أفغانستان الى لبنان وصولاً الى الأراضي الفلسطينية، وتخوّفهم من إمكان انسحاب الأميركيين من العراق»، لكن ما لم يقله بوش وأخفاه بين السطور أن قلقه ليس على الشعوب، بل على «وكلائه» الحكام الذين نصّبهم في هذه البلدان، والذين يواجهون رفضاً شعبياً متعاظماً في معظم البلدان التي أوردها في خطابه، وهذا يعني أن المأزق الذي تعانيه الادارة الاميركية والمشروع الاميركي للشرق الأوسط لا يكمن في العراق فحسب، بل يمتد من أفغانستان الى لبنان مروراً بفلسطين. والمأزق اللبناني لا يقل أهمية بالنسبة إلى الأميركيين عن المأزق العراقي، إذ تفيد بعض التقارير أن الادارة الاميركية تريد القضاء على حزب الله في لبنان، وهو ما عجزت الحملة العسكرية الاسرائيلية عن القيام به، لذلك أعدت خطة بناءً على توصية أحد صقور المحافظين الجدد «إليوت أبرامس»، تقوم على إمداد عسكري ولوجستي لقوى الأمن الداخلي التابعة لفريق السنيورة، وممارسة الضغوط على العماد ميشال عون لفك تفاهمه والتخلي عن حزب الله لعزله ثم القضاء عليه.

«المسؤولية عن الأخطاء هي مسؤوليتي أنا»، هذا ما أعلنه الرئيس بوش في خطوة شجاعة، تُظهر أنه لا يهدف من خطته الجديدة الانتصار في الحرب أو على الأقل بات مقتنعاً بعدم قدرته على الانتصار، لذلك لا يبدو أنه قد يقدم على مغامرة أخرى لإسقاط النظامين السوري والايراني بالقوة، بل أراد من خلال خطته المعلنة «حفظ ماء الوجه»، والتعويض على الحزب الجمهوري الخسائر التي لحقته في الانتخابات النصفية للكونغرس من جراء سياسات البيت الأبيض، ولكي يستطيع الانتصار في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهذا تماماً ما فعله الثنائي نيكسون وكيسنجر خلال حرب فيتنام وقبل انتخابات عام 1972.

وهنا لا بد من الإشارة الى تقويم مستشار الرئيس الأسبق للأمن القومي بريجنسكي لخطة بوش الجديدة، الذي يقول: «يبدو المنهج بصورة عامة خاوياً من الناحية التكتيكية، وغير مفيد من الناحية الاستراتيجية...


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018