حرب أخرى.. دمار آخر.. وفقدان أكبر للاستقرار../ د. بشير نافع

لم يعد من الممكن تجاهل دوي قرع طبول الحرب في المشرق العربي ـ الإسلامي. فهناك حرب أخرى يجري الإعداد لها، وبوتيرة متسارعة. والهدف هذه المرة هو إيران. الرئيس الامريكي يعلن استراتيجية جديدة في العراق، ولكن ما تستبطنه الخطة ليس محاولة امريكية إضافية للخروج من الإخفاق الفادح في العراق وحسب، بل وبدء التحضيرات للحرب على إيران.

ما أعلنه الرئيس من نشر بطاريات الصواريخ الامريكية المضادة للصواريخ في دول صديقة بالمنطقة ، وإرسال حاملة طائرات إلى الخليج للمرة الأولى منذ احتلال العراق، لا يمكن ولا يجب فهمه باعتباره جزءا من أو دعماً لخطة جديدة تستهدف إقرار الأمن في العراق. لا مواجهة الميليشيات في بغداد ولا مواجهة المقاومة تستدعي نشر صواريخ باتريوت وحشد حاملات طائرات. هذه استعدادات لحرب أخرى.

وإلى جانب الحشد العسكري، تتحرك وزيرة الخارجية الامريكية حركة واسعة في المنطقة العربية. في المساق الفلسطيني، وبعد سنوات من التصعيد وعام طويل من حصار الحكومة الفلسطينية وإفساح المجال للآلة العسكرية الإسرائيلية للفتك بالفلسطينيين، تحاول الدبلوماسية الامريكية تهدئة الأوضاع، بل والعودة إلى خارطة الطريق، حتى بدون الاستجابة للمطلب الإسرائيلي القديم بنزع سلاح قوى المقاومة. ليس ثمة تغيير جوهري في السياسة الامريكية تجاه سلطة أبي مازن أو حكومة هنية. ما يجري هو مجرد محاولة لإخراج الملف الفلسطيني من جدول الاهتمامات العربية الشعبية والسياسية، لأن هناك هدفاً أكثر حيوية لابد من إنجازه. ولقاءات السيدة رايس في العواصم العربية الرئيسة، ومن ثم عقد اجتماع الكويت لوزراء دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن، لا يجب ان تقرأ باعتبارها دبلوماسية جلب التأييد العربي للخطة الامريكية الجديدة في العراق. الوضع في العراق لا يتطلب تشكيل جبهة من دول الاعتدال العربية . إن كان العراق هو الهدف، فقد كان من الممكن صدور تصريحات عربية رسمية من مصادر عليا لتأييد الخطة الامريكية، لا سيما ان ما تعرف بـ دول الاعتدال لم تخف منذ زمن طويل معارضتها انسحاباً امريكياً سريعاً من العراق، ورغبتها في أن تقوم واشنطن بمعالجة الكارثة التي صنعتها في هذا البلد العربي بالغ الحساسية والتأثير. الحقيقة ان لقاءات رايس العربية، بما في ذلك لقاء الكويت متعدد الأطراف، قصد به الحصول على تأييد عربي لخطة الحرب على إيران، لا خطة العراق.

وحتى ما بات يجري في العراق نفسه يؤشر أكثر باتجاه طهران لا بغداد. تصريحات وزير الدفاع الامريكي التي تتهم سياسات إيران بالعدوانية وتتعهد ان تجعل من العراق حاجزاً أمام طموحات التوسع الإيرانية؛ التحرشات الامريكية المتزايدة بالمبعوثين الإيرانيين في العراق؛ الضغوط المتصاعدة على ميليشيات الصدر، كما على المالكي والإئتلاف الشيعي؛ والاتصالات الامريكية المتعددة بقوى المقاومة، والمستهدفة التوصل إلى بعض التهدئة، تؤشر جميعها إلى تحضيرات امريكية سياسية وأمنية واستراتيجية لحرب على إيران.

ولكن المسألة الأخطر في هذا الصدد هو بلاشك التصعيد العربي ـ الإسلامي تجاه إيران، والذي تعتبر أنباء وتقاريرالتوتر الطائفي احدى أبرز مظاهره. وربما يحسن ان نتذكر ان النظام العراقي السابق ورئيسه الراحل صدام حسين قد اختفيا في شكل شبه كامل من الخارطة الإعلامية العربية والعالمية بعد 1993. وما ان بدأت الاستعدادات الامريكية ـ البريطانية لغزو العراق في 2002، حتى عاد العراق ورئيسه ليحتلا موقعاً إعلامياً بارزاً. عادت جهود شيطنة الرئيس الراحل، الاتهامات بالديكتاتورية والاستبداد، وارتكاب النظام المجازر ضد شعبه، وذلك ضمن حملة دعائية واسعة. كان الهدف بوضوح هو عزل العراق ونظامه على المستوي الشعبي العربي والإسلامي، تمهيداً للحرب والغزو والاحتلال. وما يحدث الآن فيما يتعلق بإيران يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن أجواء 2002 الإعلامية المتعلقة بالعراق. والهدف هو بالتأكيد عزل إيران عن محيطها العربي ـ الإسلامي. المشكلة في الوضع الحالي ان إيران ارتكبت العديد من الأخطاء التي تسهل خطة العزل.

التوتر الطائفي الذي يشهده المجال العربي - الإسلامي هو واقع ملموس؛ وبالرغم من الإشارات المتكررة هنا وهناك إلى روايات تاريخية قديمة، أو إلى لبنان، أو أوضاع الشيعة في السعودية والسنة في إيران، فالحقيقة ان العراق هو مصدر وبؤرة وحاضنة هذا التوتر الطائفي. ثمة قتل وإرهاب تقوم به قوي من الطرفين، وجهود تتعهدها ميليشيات شيعية للتطهير الطائفي. وإلي جانب ذلك كله، تكيل قوى وشخصيات عراقية عديدة (ليست جميعها سنية) الاتهامات لإيران بالتدخل النشط في الشأن العراق. ويحيط بهذه الاتهامات غموض لا يخفي في السياسة الإيرانية تجاه مخططات تقسيم العراق باسم الفيدرالية وبناء نظام حكم طائفي. ثم جاءت واقعة إعدام الرئيس صدام حسين، بكل بشاعتها وأجوائها الطائفية، وتصريحات الابتهاج الصادرة من طهران، لتزيد الطين بلة. الشجب العربي الشعبي للسياسات والتوجهات الإيرانية في العراق مشروعة، ولكن أحداً لا يجب ان يتجاهل حقيقة الأهداف التي تخفيها جهود قوى دولية وعربية لتصعيد حالة التوتر الطائفي وعزل إيران عربياً وإسلامياً.

مشروع الحرب على إيران هو في أساسه مشروع إسرائيلي؛ فالبرنامج النووي الإيراني، مهما بلغت التوكيدات الإيرانية على سلميته، يمثل خطراً علي الدولة العبرية وعلى الخلل الواقع لصالحها في توازن القوى. لأسباب عديدة، لا مجال هنا ربما للتفصيل فيها، لا يشكل البرنامج النووي الإيراني، حتى لو ذهب باتجاه صناعة القنبلة النووية، تهديداً لا للولايات المتحدة، لا لمصالحها في المنطقة، ولا للدول العربية الخليجية وغير الخليجية. في منطقة بالغة الحيوية للعالم ككل، ووجود قوى دولية تستطيع مسح إيران كلياً من الخارطة، لا توفر القنبلة النووية لإيران قوة إضافية على حساب الجوار العربي. وحدها الدولة العبرية تخشي البرنامج النووي الإيراني وكسر التابو المفروض على المنطقة ودولها، والذي يعطي للإسرائيليين وحدهم حق احتكار التقنية والأداة النووية.

هذه الحرب التي بدأ عدها العكسي ليست حرب العرب ولا المسلمين؛ ولا علاقة لها لا من قريب ولا بعيد بالشكوى العربية ـ الإسلامية من السياسة الإيرانية في العراق. هذه حرب توازنات القوى في المنطقة بين الدولة العبرية وخصومها لا حرب الاستجابة للهموم العربية ـ الإسلامية الثقيلة في العراق. ما يشغل السياسة الامريكية في العراق ليس الهوية الطائفية لحكام المنطقة الخضراء، بل ولاءهم للأهداف الامريكية وقدرتهم على استعادة الاستقرار في العراق المحتل.

ولا يجب ان يكون هناك شك في ان حرباً أخرى في المنطقة، حرباً امريكية على إيران، مهما كانت الصيغة التي ستأخذها هذه الحرب، ستكون كارثة على المشرق العربي ـ الإسلامي ودوله وشعوبه. تدمير البرنامج النووي الإيراني سيترك العرب والأتراك من جديد في مواجهة دولة عبرية أكثر قوة وثقلاً في موازين المنطقة الاستراتيجية؛ بعد ان يصبح واضحاً ان واحدة من دول المنطقة لن يسمح لها لعدة سنوات قادمة المس بالتفوق الإسرائيلي الاستراتيجي.

والحرب على إيران ستكون قوة دفع إضافية في اتجاه التفجير الطائفي في المنطقة، وزرع كراهية وأحقاد في فضاء المنطقة وأرضها لن تنسى لعقود طويلة قادمة. وهي حرب لا يمكن ان تواجهها إيران بلا رد؛ رد قد يطال مصالح وأهداف دول عربية محسوبة على المعسكر الامريكي أو توفرت أدلة ما على دعمها للحرب الامريكية على إيران. ليس ثمة من حرب في التاريخ سارت طبقاً للخطط التي ترسم لها على الأوراق والخرائط؛ وإن طال أمد هذه الحرب، لهذا السبب أو ذاك، فستكون كارثة على إيران وجوارها العربي - الإسلامي، كارثة سياسية واقتصادية، وكارثة على مستوي التعايش الاجتماعي، وكارثة على صعيد العلاقات العربية ـ الإيرانية، التي هي علاقات حتمية تفرضها الجغرافيا والتاريخ معاً وليس مجرد الخيارات السياسية.

هناك إشكاليات متداخلة في علاقات إيران بجوارها العربي والإسلامي. إيران، كما كل الكيانات الرئيسية في المنطقة والعالم (ومثل مصر والسعودية أيضاً)، تحكم سياستها الخارجية اعتبارات عدة، أهمهما ربما مصالح الدولة الإيرانية القومية، الروابط الطائفية، والتوجهات الإسلامية الأممية. في منطقة ما، وفيما يتعلق بقضية ما، قد يبرز هذا الاعتبار أو ذاك من اعتبارات السياسة الإيرانية الخارجية، وفي منطقة أخرى، وفيما يتعلق بقضية مختلفة، تتغير الاعتبارات. ما يحكم السياسة الإيرانية في لبنان وفلسطين، مثلاً، اعتبارات إسلامية تضامنية على الأغلب، بدون غيبة حسابات مصالح الدولة ونفوذها تماماً. ولكن الغالب على السياسة الإيرانية في العراق، أو ما بات واضحاً من هذه السياسة علي الأقل، هي الاعتبارات الطائفية واعتبارات الدولة القومية. ما يعنيه هذا، باختصار، ان ليس هناك ما يدعو إلى قطيعة عربية شاملة مع إيران، إلى صدام مع مجمل السياسة الإيرانية. هناك حاجة للمصارحة، للوضوح، لإعلان الاختلاف، لا حاجة للاصطفاف والحرب، أو حتى تأييد حرب الآخرين. التاريخ لن يغفر لأولئك الذين يفسحون المجال، أو يؤيدون، المزيد من التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة، حرباً كانت هذه التدخلات أو غير ذلك. هذا ناهيك عن المخاطر التي تحف بهذه التدخلات، ليس على إيران وشعبها وحسب، بل على المنطقة وشعوبها ككل.

بيد ان إيران تتحمل مسؤولية كبيرة هي الأخرى. فعندما تمارس دولة ما سياسة مزدوجة تجاه جوارها، لاسيما عندما يوحدها بهذا الجوار تاريخ ودين وثقافة، عندما تعلو السياسة البراغماتية للدولة القومية على القيم الضرورية للحفاظ على روابط التاريخ والثقافة والدين، فلا يجب ان يستغرب لجوء الآخرين لاتباع سياسة مشابهة. ثمة حاجة ضرورية وملحة لإعادة النظر في السياسة الإيرانية في العراق، وحاجة ضرورية وملحة لإدراك حاجة إيران لعمقها العربي والإسلامي، ليس لأسباب مؤقتة أو التخلص من مآزق ملحة وحسب، ولكن أيضاً من أجل بناء علاقات ومناخ صحي طويل المدى، مناخ تضامني يحمي شعوب المنطقة ومصالحها.


"القدس العربي"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018