ليـل اللبنانيين طويـل../ جورج علم

قدّمت وزيرة الخارجيّة الاميركيّة كوندليسا رايس، عرضا سياسيّا على هامش مؤتمر «باريس ـ3»، لا ينبئ بوجود توجه لإيجاد تسوية في لبنان على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب»، بقدر ما ينبئ بتعميق الصراع، وتأجيج نار الفتنة. لم تتوان عن ترداد المقولة غير البريئة من أن المؤتمر إنما هو لدعم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، على الرغم من أنها تعرف بأن هذه الحكومة بتركيبتها الراهنة، إنما هي أحد أبرز مواضيع الخلاف بين الموالاة والمعارضة. ولم تتوان عن تجديد الحملة ضدّ «حزب الله» على مرأى ومسمع من الرئيس فؤاد السنيورة. ولم تتوان عن تجهيل الازمة، وتحميل «الحزب» وحلفائه، مسؤولية ما يجري، الى جانب سوريا وإيران.

ما فاتها في باريس، أكمله سفيرها في بيروت جيفري فيلتمان، وجاء أمس الى قصر بسترس ليخيّر اللبنانيين بين مشهدين، المؤتمر الدولي لدعم لبنان في باريس، وما جرى في بيروت أمس الاول، وقبله يوم الثلاثاء الاسود.

يأتي هذا الكلام في أعقاب حركة دبلوماسيّة أميركيّة واسعة قادتها رايس شخصيّا خلال جولتها الخليجيّة ـ العربيّة ـ الاوروبيّة السريعة، حيث كان مؤتمر باريس من المواضيع التي تناولتها مع بعض الدول المانحة ولكن من الزاويتين السياسيّة، والماديّة، وما توافر من معلومات حول بعض ما طرحته خلال جولتها يتلخّص بالآتي:

أولا: إن هذا المؤتمر يجب أن ينعقد تحت الهالة السياسيّة ـ المعنوية لاستراتيجيّة الرئيس جورج بوش الجديدة حول العراق، وأن ينسجم مع الأبعاد التي ترمي اليها على مستوى لبنان والمنطقة.

ثانيا: أن هذا المؤتمر يفترض أن يصبّ من حيث أهدافه وأبعاده في خانة التزام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في تنفيذ ما تبقى من القرار 1559 لجهة الانتخابات الرئاسيّة، وأيضا لجهة «حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها»، وتحديدا سلاح «حزب الله». وأيضا السير قدماً في تنفيذ ما تبقى من القرار 1701.

ثالثا: وجوب حماية الديموقراطية في لبنان، ووجوب حماية المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات النيابيّة، من حكومة، ومن مجلس نيابي، وأن يكون أي تغيير في إطار هذه المؤسسات.
نجحت الوزيرة رايس من خلال هذه الجولة أن تحقق مجموعة من الاهداف، منها إضفاء الهالة الاميركيّة على المؤتمر، إن من حيث حضورها ومشاركتها شخصيّا، أو من خلال المبلغ (الكبير) الذي قررت إدارة الرئيس بوش الالتزام به، أو من خلال مجموعة الاهداف السياسيّة المرتبطة به، أو التي يفترض أن تتفرّع عنه.

ويفيد تقرير تلقته إحدى الجهات، أن رايس صوّبت على الجهود العربيّة ـ الاقليميّة التي تبذل لإنقاذ لبنان من الفتنة من خلال ملاحظات خمس:

الاولى: انتقدت صراحة انفتاح المملكة العربيّة السعوديّة على «حزب الله»، خصوصا بعد الزيارة التي قام بها وفد من قيادة الحزب الى الرياض.

الثانية: انتقدت الانفتاح السعودي على إيران، وإن كانت لم تتمكن من تسجيل أي نقطة ضعف يمكن أن تسجلها كمأخذ على سياسة المملكة نتيجة هذا الانفتاح.

الثالثة: انتقدت الموقف الخليجي الذي أيّد مبديّا حق إيران في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلميّة.

الرابعة: انتقدت التركيز العربي على المبادرة العربيّة لحلّ الازمة اللبنانيّة، لأنها لا تعترف بهذه المبادرة، ولا تعيرها أي وزن، وترفض أي مشاركة لسوريا في عملية تعويمها، وتعتبر أن الحل في لبنان إما أن يكون نابعا من قناعات اللبنانيين، أو لا يكون...

الخامسة: انتقدت أي محاولة للتقارب بين السعوديّة وإيران وسوريا على خلفية تسهيل الحل في لبنان من خلال الاقرار بدور سوري في هذا الحل، أي في إعادة ترتيب الوضع اللبناني الداخلي.

أما الخلاصة، فحدودها الآتي: لا حلّ في لبنان ـ من المنظار الاميركي ـ إلاّ بعد نزع سلاح «حزب الله» وفق القرار 1559 وحلّ المقاومة، وانخراط «الحزب» بالعملية السياسيّة وفق الخصوصيات الديموقراطيّة اللبنانية، ووضع اتفاق الهدنة محليّا موضع التنفيذ، وترسيم الحدود مع سوريا، وإقامة العلاقات الدبلوماسيّة، وإيجاد حلّ لمزارع شبعا، وتطوير اتفاق الهدنة الى اتفاق سلام مع إسرائيل.

إن نجاح «باريس ـ3»، مرهون أميركيّا بنجاح الحكومة في تطبيق هذه البنود التي جاء معظمها في القرارات الدوليّة، والتي التزمت بتنفيذها...
استنادا الى ذلك يبدو أن ليل اللبنانيين طويل؟!


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018