آثار حرب يوليو بين "إسرائيل" ولبنان../ الياس سحّاب

إذا عدنا إلى الأيام الثلاثة والثلاثين التي استغرقها العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في صيف العام المنصرم، فسنذكر حتما كيف أن خشية العرب على لبنان من وحشية وشمول العدوان “الإسرائيلي”، الذي تفرغ فيه الجيش “الإسرائيلي” (أحد أقوى جيوش العالم) بكل أسلحته الجوية والبرية والبحرية لجعله عدوانا ساحقا ماحقا لكل لبنان، وليس للمقاومة فيه فقط، هذه الخشية العربية كانت في ذروتها في الأيام الأولى للعدوان. لكننا سنذكر أيضا أن هذه الخشية تحولت بعد خروج أنباء وصور الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية، والتخبط الذي سيطر على الجيش “الإسرائيلي”، من قواته إلى قيادته العسكرية إلى قيادته السياسية، تحولت عربيا إلى فخر واعتزاز وشعور طاغ باسترداد نسبة عالية من الإحساس القومي العام بالكرامة.

لكننا إذا عقدنا الآن، بعد مرور خمسة أشهر على توقف العدوان وانكساره، مقارنة لمشهد آثار الحرب على المجتمع العسكري والسياسي في الدولة التي هزم جيشها وقياداتها العسكرية والسياسية (“إسرائيل”)، ومشهد آثار الحرب على المجتمع الذي انتصرت مقاومته في صمودها وإفشالها خطة العدوان العسكري - السياسي “الإسرائيلي” - الأمريكي، فإننا نكاد نصاب بالهلع، ونكاد نفقد معظم او كل المشاعر التي زودتنا بها تلك الأيام الثلاثة والثلاثين.

السبب بسيط جدا، ومفهوم جداً، ويمكن صياغته في عبارة واحدة، قبل الغوص في بعض تفاصيله، وهو أن الفشل (أو الهزيمة) قد وقع هناك على مجتمع عصري بكل معنى الكلمة، بينما وقع النجاح (أو النصر) هنا، اي عربيا وليس لبنانيا فقط، على مجتمع متخلف بكل معنى الكلمة.

في المجتمعات العصرية (كمجتمع الدولة العدو) أصبحوا يمتلكون منذ قرن على الأقل، وبعد قرن قبله من المخاض الصعب المليء بالحروب الأهلية والدولية، بنية اجتماعية - سياسية صلبة ومتكاملة، أصبحت فيها العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة السلطة المحكومة بالقانون، والمواطن الذي يعتبر وحده صاحب الوطن، بينما يعتبر كل أعضاء الطبقة السياسية الحاكمة موظفي مؤسسات عامة) يقدمون الحساب عند الخطأ، وقد يعاقبون، أو يعزلون ويستبدلون بسواهم على الأقل، في عملية محاسبة سياسية دورية، تسمى الانتخابات.

وفي سياق هذا التطور، تحولت كثير من الأنظمة الملكية في أوروبا إلى أنظمة جمهورية، تسهيلا لتطبيق التطور الاجتماعي- السياسي الذي تحدثنا عنه. أما المجتمعات الأوروبية التي ارتأت ان تحتفظ بالنظام الملكي، باعتباره رمزا وطنيا تاريخيا يستحسن الحفاظ عليه، فقد قامت بتحويل كل الأنظمة الملكية في قارتها إلى ما سمي “الملكية الدستورية”، التي تحول فيها الملك، وذريته من بعده، إلى رمز حقيقي شديد الاحترام، لكنه لا يملك مقاليد سلطة الحكم. وتحول الزعيم السياسي في هذا النوع من الأنظمة، إلى زعيم الحزب الفائز في الانتخبات النيابية الدورية، أي أنه سلطة سياسية قابلة للمحاسبة على اي خطأ يرتكبه، وقابلة للتبديل بسلطة سياسية اخرى، يختارها الشعب بالانتخاب إذا رأى في ذلك مصلحة للوطن والمواطنين.

ولأن موجات المهاجرين اليهود التي اغتصبت فلسطين وأسست “إسرائيل”، جاءت في معظمها من صميم تلك المجتمعات الاوروبية المتطورة، فقد نقلت معها هذا التطور الاجتماعي - السياسي بكل زخمه وجوهره، وليس بشكله الخارجي فقط.

أما نحن العرب، فمع أننا خرجنا من حطام الإمبراطورية العثمانية منذ قرن من الزمن، فما زلنا في كل بلادنا العربية (بما في ذلك لبنان المميز نسبيا وشكليا عن بقية المجتمعات العربية) نعيش العصر الحديث ونواجه مشكلاته المتراكمة فوق كواهلنا، بالبنى الاجتماعية- السياسية المتخلفة التي ورثناها عن القرون الوسطى وما قبلها.

وفيما حولت المجتمعات المتقدمة أنظمتها الملكية التي احتفظت بها إلى “ملكية دستورية”، لا يملك فيها الملك ولا يحكم (الوطن ملك المواطن وليس ملك الملك)، فإننا بدل السير قدما في هذا الاتجاه، ابتكرنا اختراعا عربيا سياسيا لم يسبقنا إليه أحد، فحولنا الأنظمة الجمهورية التي استحدثناها في القرن العشرين (ويبدو أننا ندمنا على استحداثها)، حولناها إلى أنظمة جمهورية- ملكية، يملك فيها القابض على السلطة الوطن، ويحكم منفردا، ويورث الحكم لذريته من بعده.

بوسعنا طبعا أن نتخيل، بعد هذه المقارنة الاجتماعية - السياسية بيننا وبين العدو “الإسرائيلي”، أن أي هزيمة أو خطأ أو فشل يقوم به مسؤول “إسرائيلي”، يقع في شبكة من صمامات الأمان التي يوفرها هناك النظام السياسي - الاجتماعي العصري.

ها هو قائد الجيش عندهم يدفع الثمن، وها هما رئيس الوزراء (الزعيم الحاكم) ووزير دفاعه، يسيران نحو محاسبة سياسية مؤكدة، لن تكتفي بجعلهما يدفعان ثمن الأخطاء والهزيمة، من مستقبلهما السياسي، لكن حزبيهما سيدفعان ثمنا مؤكدا أيضا في الانتخابات القادمة.

اما نحن، فإن الإنجاز المشرف الذي حققته المقاومة، وقع في مجتمع ذي بنية سياسية - اجتماعية موروثة مما قبل القرون الوسطى، فلم يفقد هذا الانجاز فقط كل لمعانه وبريقه، وكل قوته الإيجابية التي كان يفترض ان تدفع المجتمع اللبناني وسائر المجتمعات العربية إلى الأمام، بل سقط في مستنقعات التخلف المذهبية، حتى يكاد يتحول بين أيدينا إلى مشكلة، أو كارثة، وليس إلى إنجاز، في مواجهة القوة العسكرية “الإسرائيلية” التي لا تقهر، والغطرسة السياسية “الإسرائيلية”، التي ما زالت تصر على تصفية القضية الفلسطينية، بدل أن نجبرها بتماسكنا على الدخول في مسار حل عادل ومتوازن ودائم.

إن المشاهد اللبنانية المؤسفة التي غطت شاشات الفضائيات العربية في الأيام الأخيرة، هي في الحقيقة مشاهد معبرة عن عمق التخلف الاجتماعي - السياسي الذي ما زال العرب يواجهون به العصور الحديثة وتحدياتها.

لهذا بالضبط، يتحول النصر لدينا قوة سلبية، تدفع للخلف، وتتحول الهزيمة لديهم، قوة إيجابية، تدفع للأمام.


"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018