حروب في دول المنطقة لا بينها../ عصام نعمان

يُنسب إلى المؤرخ البريطاني الصهيوني برنارد لويس قول خطير: الحروب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون في الدول لا بينها!

إن نظرة متأنّية إلى المشهد الشرق أوسطي تشي بهذه الحقيقة المرّة. ذلك ان الحرب بين العراق وإيران كانت آخر حرب في المنطقة جرت بين دولتين تنتميان إليها. فمنذ أن وضعت تلك الحرب أوزارها عام 1988، ودول المنطقة تعاني حروباً داخلية متفاوتة في الاتساع والشمول. الحرب في لبنان كانت قد اندلعت عام 1976 بين فريق من اللبنانيين وبعض أطراف منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها تحوّلت عام 1989 حرباً بين اللبنانيين أنفسهم، بل بين فريقين متصارعين على السلطة داخل المجتمع المسيحي.

أميركا لا تنتمي إلى المنطقة، لكن حربها على العراق عام 1991، عقب اجتياح الكويت، تحوّلت حرباً داخل العراق نفسه بين النظام والمتمردين عليه في جنوب البلاد وشمالها.
حرب أميركا على العراق واحتلاله عام 2003 أديا لاحقاً إلى اندلاع حرب داخلية طائفية قاسية ما زالت نيرانها مستعرة، وهي تشكّل تهديداً جدياً لوحدة بلاد الرافدين وهويتها العربية.الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 2000 ضد إسرائيل، المتداخلة مع الانتفاضة الثانية التي ما زالت نابضة، تكاد تتحول في الوقت الحاضر حرباً أهلية بين منظمتي «فتح» و«حماس».

حرب إسرائيل على المقاومة في لبنان صيف العام الماضي توقفت باندحار الجيش الإسرائيلي، لكنها ما لبثت أن أخذت شكل صراع أهلي بين القوى السياسية المؤيدة للمقاومة والقوى المعادية لها والمتحالفة مع الولايات المتحدة.

منذ تسعينيات القرن الماضي تدور حروب أهلية أقل ضراوة في الصومال والسودان(دارفور) واليمن(حركة الحوثي)، فضلاً عن الجزائر والصحراء المغربية.

في كل هذه الحروب «الداخلية» اتضح أن لأميركا (وإسرائيل) يداً ودوراً. فقد نبّهها برنارد لويس وغيره الى خاصيّة التعددية الإثنية والدينية والمذهبية التي تنطوي عليها بلدان المنطقة وتنغرز عميقاً في نسيجها الاجتماعي، فكان أن اقتنع «المحافظون الجدد»، الذين سيطروا على مواقع حساسة في إدارة بوش، بجدوى استغلالها على نحوٍ يؤدي الى الفرقة والتفكيك والتقسيم. أوَليس جورج دبليو بوش أول من دعا إلى اعتماد «الفوضى الخلّاقة» في حربه العالمية على «الإرهاب»؟ أوَليست هذه الفوضى مقدمة وواسطة لجرّ البلد المستهدف إلى حرب أهلية؟

الهيمنة على دول المنطقة هي الغاية القصوى لإدارة بوش. لكنها حيث تخفق في الهيمنة تلجأ إلى اعتماد بديل منها هو الفوضى الخلّاقة. وفي إطار هذه الفوضى، تقوم باستثارة الفروق والحساسيات والعصبيات الإثنية والدينية والمذهبية وتأجيجها لإشعال حروب أهلية.

إلى ذلك، ثمة ظاهرة خطيرة تهدد اليوم المنطقة كلها. ففي خطاب «حال الاتحاد» مطلعَ العام الماضي حدّد بوش عدوّه. إنــه «الإسلام الراديكالي» حيناً أو «الإسلام الفاشي» حيناً آخر، وقد جعله مرادفاً للإرهاب. منذ قرابة السنة، أصبحت أميركا منخرطة في حرب مع الإسلام على عدّة مستويات وجبهات. وهي حرب تتطور وتتصاعد وقد تنتهي، إذا ما طاولت إيران، إلى حرب مدمرة، وخصوصاً في حال استعمال أسلحة دمار شامل.

حتى لو أمكن الأطراف المعنيين تفادي الوصول إلى هذه النهاية الكارثية، فإن حدّة الصراع والرهانات الخطيرة التي تكتنفه تهدد المنطقة بشرور ومصائر مقلقة. فالرئيس الأميركي عاد، أواخر الشهر الماضي، إلى تضمين خطاب «حال الاتحاد» تهديدات وإشارات تدل على أنه ماضٍ في حربه على الإسلام والمسلمين وأنه في صدد تصعيدها لتشمل إيران. في هذا الإطار نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين في الإدارة الأميركية وأجهزة مكافحة الإرهاب قولهم إن بوش أجاز للجنود الأميركيين، خلال الربع الأخير من العام الماضي، قتل أو أسر حراس الثورة الإيرانيين وعناصر الاستخبارات الموجودين في العراق، و«إن قرار استخدام القوة القاتلة ضد الإيرانيين بدأ يأخذ شكله الواقعي في الصيف الماضي خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله».

من تدقيق هذه المعلومات نستخلص الحقائق الآتية:
• تزعم إدارة بوش وحكومة إسرائيل زوراً أن كثيرين من قيادات المقاومة وكوادرها في العراق ولبنان هم من ضباط الحرس الثوري الإيراني. القصد من ذلك تأكيد اتهام إيران بالمشاركة في أعمال المقاومة وتبرير استهداف تلك القيادات والكوادر.

• إن إجازة قتل أو أسر «حراس الثورة الإيرانيين»، أي قيادات المقاومة وكوادرها في العراق وفلسطين ولبنان، قد صدرت خلال حرب إسرائيل على المقاومة في لبنان صيف العام الماضي، وإن التنفيذ تولّته إسرائيل باستهدافها قائد حزب الله السيد حسن نصر الله وغيره من قيادات الحزب، الأمر الذي أدى إلى تدمير الكثير من المباني في ضاحية بيروت الجنوبية في سياق عملية الاستقصاء والاستهداف.

• إن مخطط قتل أو أسر قيادات المقاومة وكوادرها في العراق وفلسطين ولبنان قد جرى اعتماده وتنفيذه من طرف إسرائيل منذ سنوات وقبل أن تعتمده إدارة بوش أخيراً. في هذا السياق جرى تسميم ياسر عرفات، وقبله اغتيال أبو علي مصطفى، قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الضفة الغربية، وغيره من القيادات من شتى المنظمات.

• سبق إجازة استهداف قيادات المقاومة وكوادرها في فلسطين والعراق ولبنان قرارٌ بإشعال الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة في جميع أرجاء العالم الإسلامي، ولا سيما في المنطقة العربية. وجرى ربط حزب الله في لبنان وحركة «حماس» في فلسطين بحكومة إيران بغية إظهار الجمهورية الإسلامية بمظهر من لها مخططات توسّعية في المنطقة من جهة، وسياسة ترمي إلى دعم القوى المناهضة للأنظمة القائمة من جهة أخرى. وقد دان المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر محمد مهدي عاكف نعت الشيعة بالكافرين، محذراً من أن أميركا تستخدم الفتنة بين السنّة والشيعة في التحضير لعدوان ضد إيران.

• بات واضحاً ان الترجمة السياسية لإجازة قتل أو أسر قيادات المقاومة وكوادرها بدعوى أنها قوى إرهابية، هي في العمل على إبعاد حركة «حماس» عن حكومة السلطة الوطنية في فلسطين والحؤول دون عودة حزب الله إلى الحكومة في لبنان. هذا ما يفسّر تعثّر المحادثات بين «فتح» و«حماس» لإقامة حكومة وحدة وطنية في فلسطين، ورفض بعض قوى الفريق الحاكم إقامة حكومة وحدة وطنية في لبنان.

في ضوء هذه الحقائق يصبح من الممكن، إن لم يكن من الواجب، مواجهة استراتيجيا بوش المعلنة وتجلّياتها العملانية الآنفة الذكر باستراتيجيا مضادة تقوم على مرتكزات خمسة:

الأول، مباشرة حملة توعية إعلامية شاملة من طرف القوى الوطنية والإسلامية والديموقراطية على مستوى العالم العربي والإسلامي لكشف المخططات الأميركية الرامية إلى إشعال فتنة بين السنّة والشيعة في سياق استراتيجيا إدارة بوش الرامية إلى تفكيك النظام الإقليمي العربي، وتفتيت الأنظمة القطرية إلى كيانات صغرى على أسس إثنية أو قبلية أو طائفية أو مذهبية.

الثاني، اعتبار الوحدة الوطنية داخل الأقطار العربية والإسلامية القاعدة الأساس لمواجهة مخططات التفكيك والتفتيت والتقسيم.

الثالث، توصية قوى المقاومة في جميع أنحاء المنطقة، ولا سيما في فلسطين والعراق ولبنان، بتوسيع دائرة الاشتباك مع أميركا وإسرائيل بقصد إنهاكهما وإحباط هجومهما الشامل على قوى المقاومة والتحرر والديموقراطية في المنطقة.

الرابع، اعتماد نهج إقامة حكومة وحدة وطنية بين القوى القومية والإسلامية والديموقراطية حيث يمكن، أو حكومة وطنية ائتلافية بين القوى السياسية غير الخاضعة للإملاءات الأميركية حيث يتعذّر إقامة حكومة وحدة وطنية.

الخامس، دعوة الحكومات العربية والإسلامية إلى التنبّه لمخاطر المخططات الأميركية، ولا سيما ما يتعلق منها بشن الحرب على إيران، لكونها تؤدي، عاجلاً أو آجلاً، إلى إلحاق أضرار وخسائر بالغة بالدول المجاورة وبالاقتصاد العالمي، الأمر الذي يتطلب النأي عنها وإدانتها.


"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018