«المحافظون العرب الجدد»../ محمد الضيقة*

لم يكن من الطبيعي أن يقف الرئيس جورج بوش متفرجاً وهو يرى مشروع احتلاله للعراق ينهار بعد ثلاث سنوات. أجرى جردة حساب وسط ضغوط دولية وداخلية وإقليمية، فوجد نفسه أمام معطيات تجبره على اتخاذ موقف ما، وخصوصاً بعد هزيمة حزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس. تقلصت خيارات الرئيس الاميركي، بعدما قرر وضع تقرير بيكر هاملتون جانباً، الى خيارين: إما الإقرار بهزيمته وإما الاندفاع الى الأمام غير عابئ بنتائج سياساته على دور الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. اختار الرئيس الاميركي الخيار الثاني، من خلال طرح خطة جديدة تؤكد عناصرها ان الاحتلال في العراق في مأزق، وبالتالي السياسات الاميركية في المنطقة. ما الجديد في الخطة الاميركية الجديدة؟ وهل ما أدخله بوش من عناصر على خططه القديمة قادر على إخراج إدارته من مأزقها؟ ما دور القوى الإقليمية في الاستراتيجية الجديدة للإدارة الاميركية؟ وهل واشنطن بعد سلسلة الهزائم التي أُصيبت بها في العراق ولبنان ما زالت قادرة على تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد؟

بداية لم تتضمن خطة بوش بشأن الملف العراقي جديداً سوى متغيرين اثنين: الأول تعزيز قواته وكأن أزمة الاحتلال تكمن في عديد جنوده، والثاني إعطاء دور أكبر للحكومة العراقية، وذلك استباقاً من جانب الإدارة الاميركية لأي فشل لهذه السياسة في الأشهر المقبلة بتحميله لحكومة المالكي.

هذا في العراق، أما على صعيد المنطقة فإن الإدارة الأميركية التي وجدت صعوبة في الغطاء السياسي من الكونغرس لخطتها، أوفدت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الى المنطقة في مهمة عاجلة تهدف الى بقاء حلف من «المعتدلين العرب» لمؤازرتها ومساعدتها في العراق، على ان يكون لهذا الحلف دور في مواجهة النفوذ الايراني/السوري في المنطقة.

هذه المحاولة الاميركية المكشوفة لزرع الانقسام في العالم العربي والاسلامي، بين سني وشيعي وبين كردي وعربي، وبين فارسي وعربي، قد تغري بعض الأنظمة العربية بالعمل وفقها لأسباب قد تكون مختلفة عن الأهداف الاميركية، إلا ان نجاح هذا الخيار دونه عقبات كثيرة، وخصوصاً ان ميدان المواجهة مع الاميركيين يتركز على ثلاث ساحات أساسية هي «العراق، فلسطين، لبنان»، وتداعيات هذه المواجهة في حال انتصار الولايات المتحدة، وهو أمر غير متوقع، ستطال بدايةً حلفاء واشنطن سواء في مصر والأردن أو في دول الخليج. وبعيداً من حلف «المعتدلين» و«حلف الممانعين» فإن أخطر ما تواجهه المنطقة في المدى المنظور، بعد بداية العد العكسي لخروج التيار المحافظ من دائرة الفعل من البيت الأبيض، أن تلجأ الادارة الاميركية الى الطلب من «محافظي المنطقة الجدد» التي رعت هذه الإدارة تشكيلهم وحدهم بسبل القوة ووفّرت حمايتهم مباشرة، التحرك لنشر الفوضى إرباكاً لقوى المقاومة ودول الممانعة في هذه المواجهة الشاملة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل هذه القوى قادرة على إعاقة قوى المقاومة في تصديها للمشروع الاميركي؟ وهل هذه القوى يمكنها الصمود في حال احتدام الصراع الحقيقي والحاسم؟

ففي العراق الذي أعلن الرئيس بوش تعزيز قواته، وأعلنت أيضاً الحكومة خطة لترسيخ الأمن والإمساك بالعاصمة بغداد، يجري مسار الأحداث عكس التوقعات الاميركية، بل على العكس فإن أعمال المقاومة قد تصاعدت في أكثر من منطقة، وشهدت مناطق الجنوب التي كانت هادئة حتى الآن عمليات عسكرية ضد الاحتلال، عمليات موجعة وذات إشارات ودلالات دفعت الإدارة الاميركية إلى توجيه الاتهام لإيران وحلفائها العراقيين.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية أخفقت كل المحاولات الاميركية في استدراج التيار الصدري الى مواجهة مفتوحة. على رغم كل التحريض الاميركي ضد مقتدى الصدر ذي الشعبية الواسعة، والمتمسك بالوحدة العراقية والرافض للاحتلال، على رغم محاولات تهميشه. إن الرهان الاميركي على حكومة المالكي وحلفائها بأن تتمكن هذه الحكومة من الاندفاع لضرب التيار الصدري، هو رهان في غير محله لاعتبارات عدة أهمها أن هذا التيار يمثل غالبية الشيعة في العراق. وتربطه علاقات وثيقة مع الأحزاب السنية ومع دول الجوار الحريصة على وحدة العراق وسيادته. صحيح ان هناك حرباً مذهبية في العراق يقودها التكفيريون ويلاقيهم بعض الأطراف الشيعية، إلا ان إصرار معظم القادة العراقيين على وحدة العراق سيجهض كل مشاريع التقسيم وكل الخطط الاميركية لتكريس الانقسام في العراق. والعراقيون قادرون في حال خروج الاحتلال على إعادة توحيد بلادهم، وقادرون أيضاً على عزل كل القوى التقسيمية والتكفيرية.

أما في لبنان فإن الأمر أكثر تعقيداً بسبب التركيبة الطائفية والمذهبية. وقد فشلت المحاولات الاميركية والاسرائيلية حتى الآن في دفع الأمور نحو الاقتتال. صحيح ان هناك بعض القوى مرتبطة بالمشروع الاميركي وتنفذ توجيهاته، إلا ان هذه القوى عاجزة عن نشر الفوضى بشكل واسع يسمح لواشنطن بتنفيذ ما تريده، وخصوصاً القضاء على حزب الله والمقاومة. وفي فلسطين حيث لا يوجد سنّة وشيعة عمدت الادارة الاميركية واسرائيل الى تحريض فصائل المقاومة بعضها على بعض.

واللافت في هذا الاطار تورّط قوى تاريخية في هذا المشروع، لكن هناك رهاناً كبيراً على وعي الفلسطينيين، على رغم النزف اليومي بين حماس وفتح، وخصوصاً ان القتال بين هاتين الحركتين هو قتال عبثي ولا هدف له سوى إضعاف الموقف الفلسطيني، وهذا الأمر يلمسه كل قادة الفصائل. لأن اسرائيل في غير وارد تسهيل أية تسوية، واذا ما سلمنا بأن الضغوط الاميركية والأوروبية فعلت فعلها ووافقت الدولة العبرية على إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين كما تحاول رايس إشاعته، فإن ما ستقدمه اسرائيل سيكون أقل بكثير مما رفضه ياسر عرفات في كمب ديفيد، ناهيك عن ان واشنطن لم تلتزم يوماً بأي وعد قطعته على نفسها بشأن القضية الفلسطينية، وخصوصاً ان محمود عباس وسلطته وقبلهم ياسر عرفات قد لدغوا من الجحر الاميركي عشرات المرات.

إن أدوات واشنطن في لبنان والعراق وفلسطين ما زالت تنفذ أوامر إدارة بوش وكأن العاصفة التي تجتاح مراكز القرار في الولايات المتحدة، والتظاهرات الشعبية الاحتجاجية على سياسة الولايات في الشارع الاميركي، لا تعنيها من قريب ولا من بعيد، متناسيةً ان بوش لم يعد طليق اليدين بعد سيطرة الحزب الديموقراطي المنافس على الكونغرس، وبات ملزماً بالأخذ برأي هذا الأخير في أي قرار سواء كان داخلياً أو خارجياً. كذلك ما زال المحافظون الجدد بالنسخة العربية يتصرفون وكأنه لم يصدر تقرير بيكر ــ هاملتون الذي أطاح أبرز وجوه إدارة بوش.

إن اعتماد واشنطن على هؤلاء الأدوات في تحقيق أهدافها ما زال رهاناً ثابتاً وتعمل عليه وتتابعه يومياً، إلا ان هذا الخيار ما زال متعثراً، في الساحات اللبنانية والفلسطينية والعراقية، وإذا ما تيقّنت واشنطن من ان هؤلاء الأدوات عاجزون، فإن البراغماتية الاميركية لن تتردد في التعاطي وإقامة الجسور مع القوى المنتصرة والتنصّل من أي التزام تكون قد قطعته لهؤلاء الأدوات وتتركهم لمصيرهم معتمدة في سبيل ذلك ما جاء في تقرير بيكر ــ هاملتون.


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018