هذا العبث والجنون يمهد لإجندات وسيناريوهات غير فلسطينية../ راسم عبيدات

........ ما يجري على الساحة الفلسطينية من تجدد للإحتراب والإقتتال الداخلي بين فتح وحماس على نحو أوسع وأشد، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأن كل التنظيرات والتطبيل والتزمير والخطب والشعارات حول إتفاق مكة التاريخي، لم تصمد على الأرض، رغم كل التمنيات بالنجاح والترحاب بهذا الإتفاق، من زاوية كونه يدفن الفتنة في مهدها، ويمنع إنزلاق الشعب الفلسطيني نحو المجهول والتبدد والضياع، وخسارة حصيلة متراكمة من المنجزات، التي تحققت بفعل شلالات غزيرة من الدماء دفعها ويدفعها شعبنا الفلسطيني ثمناً لها كل يوم.

ولكن التمني و" الهوبرات " الإعلامية شيء والواقع شيءآخر، فهذا الإتفاق، قلنا أنه يغلق الجرح على الصديد، وانه أملته وفرضته صيرورات المحاصصة أو الحتمية بعيداً عن صيرورة الديمقراطية والتعددية ووثيقة الوفاق الوطني والوحدة الوطنية، وكان بمثابة محاصصة شاملة بين فتح وحماس لإقتسام المصالح والمراكز والإمتيازات في السلطة والحكومة، كما أنه تجسيد واضح لمصالح قطبي النظام السياسي الفلسطيني، وليست تجسيداً لمفهوم الوحدة الوطنية والذي كان غائباً قبل الإقتتال وبعده، وبعد تجدده، فإن هذا المفهوم آخذ في التفكك والتحلل، ناهيك عن تحلل وتفكك المضامين الإجتماعية لهذه الوحدة، وإتفاق مكة كان واضحاً وجلياً، أنه أمام ملفات وإستحققات ضخمه داخلياً وخارجياً، حيث الهموم الإقتصادية والإجتماعية وحالة الحصار والتجويع، والهم الوطني السياسي، وإنسداد أفق إنتاج أو الوصول أو الحصول على تسوية تلبي الحدود الدنيا من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فالقيادتان الأمريكية والإسرائيلية غارقتان في الأزمات، ومهددتان بالسقوط بسبب فشل وتعثر مشاريعهما وسياساتهم الخارجية، وحدة أزماتهم الداخلية، وبالتالي يجري البحث والعمل لديهما على إدارات الأزمات لا فكفكتها، كما أنه من الهام جداً القول أن تجدد الأحداث على الساحة الفلسطينية، له إرتباط بموضوعين بارزين:

المشروع الأمني الأمريكي، أو ما يسمى بتسهيل الحركة الفلسطينية على الطرق، مقابل وقف المقاومة الفلسطينية وإطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، وهذا المشروع الذي نعتقد أنه جرى بلورته وصياغة خطوطه العريضة في الدوائر العسكرية والإستخبارتية الإسرائيلية، يندرج في إطار الخطة الإسرائيلية والأمريكية لمحاصرة قوى المقاومة والمعارضة والممانعة العربية، والعمل على تجزئة وتفتيت وتذرير ودفع بلدانها ودولها إلى دهاليز الإحتراب والإقتتال الداخلي العرقي والطائفي والمذهبي والقبلي والجهوي والعشائري من إفغانستان وحتى فلسطين، وضمن ما يسمى بسياسة الفوضى الخلاقة.

وهنا جاءت ما يسمى بالخطة الأمنية الأمريكية ذات الصياغة والتوجهات الإسرائيلية لمحاصرة المقاومة الفلسطينية، وحماية المستوطنات الإسرائيلية من الهجمات الصاروخية الفلسطينية، والتي على الرغم من بدائيتها، إلا أن المقاومة الفلسطينية إستطاعت إستخدامها كعامل ردع لوقف الإعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطينيي الأعزل في الضفة والقطاع، والحكومة الأمريكية قامت بعمل مباشر في إطار السعي لتكريس وتعميق حالة الإنقسام الفلسطينية، وذلك كرد على إتفاق مكة، والذي كرس حكومة وحدة وطنية فلسطينية، من خلال طرح الوثيقة الأمنية الأمريكية وإعادة طرح النقاش على الرئيس عباس ومستشاره دحلان من جهة، وبين الحكومة ومعها الفصائل من جهة أخرى حول المقاومة وسلاحها.

أما الحدث الآخر والذي ألقى بظلال من الشك والريبة وعدم الثقة في الساحة الفلسطينية، هو الحديث الأمريكي عن تسليح قوات الرئاسة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية من أجل القوة والقدرة على ضبط الأوضاع والتي تشهد حالة واسعة الفلتان، الأمر الذي فسر على أنه دعوة أمريكية صريحة لضرب وتصفية قوى المقاومة، وبالتالي دفع الساحة الفلسطينية إلى حرب أهلية، تمنع تحويل حكومة الوحدة الوطنية إلى رافعة سياسية وميدانية لنضالاتهم في سبيل حقوقهم الوطنية، ولعل زيارة " ديك تشيني " نائب الرئيس الأمريكي للمنطقة تندرج في هذا السياق والإطار.

إذاً التطورات الإقليمية والدولية، وتعارض وتقاطع المصالح والأهداف والأجندات، وبالتحديد الإسرائيلية الأمريكية من جهة والإيرانية السورية ومعها حزب الله والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، من العوامل الهامة التي تلعب دورً سلبياً أو إيجابياًعلى الساحة الفلسطينية، وكذلك فالوضع الداخلي الفلسطيني، فإن إنقاق مكة، لم ينجح في حلحلة أو لحلحة أي من القضايا الجوهرية سواء ذات البعد الإجتماعي – الإقتصادي، وقضايا الجوع والحصار، والقضايا الوطنية السياسية، ناهيك عن أن كل من الطرفين المؤتلفين في إطار ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية، إستمر كل منهما بالتصرف والعمل على أساس ما قبل الإتفاق، والتنظير لرؤيته وبرنامجه وتصوراته على أنهما خيار الشعب الفلسطيني، ولم تنعكس هذه الوحدة على أرض الواقع ولا في أذهان الجماهير، ولا في أي من أشكال العمل ومستوياته، حتى على صعيد المفردات والإعلام، كنت تسمع نفس تلك التي كانت تتردد قبل الإتفاق؛ "التيار الإنقلابي في فتح والزمرة الدحلانية"، و"التيار الدموي والصفوي والتكفيري في حماس"، وأيضا عندما شرع في تنفيذ المحاصصة على الأرض، رأينا كيف إستعرت الخلافات على التعيينات والتعيينات المضادة في الوزارات والمناصب الأخرى، مما دفع كل من الطرفين للإستعانة بالمليشيات والمسلحين من كل طرف، لفرض زلمه وجماعته في هذا المنصب أو ذاك، ناهيك عن حالة التوجس وعدم الثقة العالية بين الطرفين، ومن النظرة التشككية لأية خطوة يخطوها أي من الطرفين.

كل ذلك كان مؤشراً جدياً على أن الإتفاق – إتفاق مكة – في طريقه إلى الإنهيار، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن هناك مراكز قوى ونفوذ من كلا الطرفين، كانت تدفع نحو تقويض الإتفاق، حفاظاً على مصالحها ومراكزها، وكذلك التدخلات الإقليمية والدولية في الساحة الفلسطينية، ورغبة كل منها في فرض أجندته ومصالحه على المنطقة، والتي الساحة الفلسطينية جزء هام منها، فإن التداعيات التي شهدتها الساحة الفلسطينية من توسيع وتعميق لحالة الإنقسام، ودفع الأمور إلى الحرب الداخلية والإقتتال الدموي العبثي، تحركه أجندات وقوى ليس لها علاقة بالوطن ولا مصالحه العليا، بل هذه الأجندات تأتي خدمة لمصالحها وأهدافها، ولأجندات وأهداف غير فلسطينية، تمهد لمشاريع سياسية مستقبلية في المنطقة، عنوانها بالأساس أن الشعب الفلسطيني غير قادر وناضج لتولي وقيادة أموره، وبالتالي فلا بد من بحث عن خيارات أخرى، تعيد طرح مشاريع سياسة قديمة، وتغلق أو تلغي خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، وتسقط حق العودة لللاجئين الفلسطينين، أو على أبعد تقدير، إقامة كانتونين واحد في غزة بقيادة حماس، واخر في الضفة بقيادة فتح، مع العمل على إيجاد آلية للتنسيق بينهما.

ومن هنا فإنه من الملح جداً، فضح وتعرية كل هذه القوى التي تقوم بتنفيذ هذه الأجندات المشبوهة تحت يافطة وذرائع المصالح العليا للشعب الفلسطيني، خدمة لمصالحها وأهدافها، ولأجندات وسيناريوهات غير فلسطينية، ستكون نتائجها كارثية على قضية شعبنا وحقوقه، وهذا عبث غير مبرر ومشبوه المقاصد والمرامي والأهداف، أي كل من يفكر أو يخطط أو ينفذ أو يتآمر، وعلى كل القوى والفصائل الوطنية والشريفة، أن تلفظ هذه الطحالب الضارة من صفوفها مهما كان حجمها ودورها، وأن تحتكم إلى خيارات شعبنا، خيارات الوحدة الوطنية الحقيقية، القائمة على برنامج ورؤيا سياسيتين عنوانهما بالأساس وثيقة الوفاق الوطني – وثيقة الأسرى وإتفاق القاهرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018