هل أصبحت "هآرتس" الحاكم العسكري الجديد للعرب؟../ نمر سلطاني

يلاحظ المراقب لنهج بعض السياسيين والاعلاميين والجمعياتيين العرب في هذه البلاد أن مجمل خطواتهم وتصريحاتهم ومشاريعهم محكوم بالخطاب الاعلامي السائد في المجتمع الاسرائيلي، وخاصة ذلك الذي يطرح نفسه على أنه يسار. حيث يبدو من حين لحين أن شعار هؤلاء هو: "إذا كتبت عني "هآرتس" فأنا موجود". كما أنّ إيقاع ومدى هؤلاء محكوم تماما بالحلبة الاسرائيلية بشكل عام وبرضى بعض المراسلين والمحررين الاسرائيليين بشكل خاص. فعلى سبيل المثال: إذا كان الجوّ الاسرائيلي السائد في هذه الأيام معاديا لحماس ومتعاطفا مع فتح تجد أن سياسيا عربيا يطلق التصريحات النارية ضد حماس ثم يصدر بيانا صحافيا بالعبرية عن تصريحاته تلك. وهنا نرى أن من واجبنا أن نتساءل: ما هدف ذلك؟

وبعد أن يحظى البعض بمجد خبر بالعبرية يمكن تحويل النشر في الصحيفة العبرية إلى رافعة لمكاسب مادية أو معنوية. حيث أن الظهور في ساحات المستعمِر يصبح إنجازًا يتفاخر به البعض أمام إخوته من المضطهَدِين. كما يمكن للجمعية العربية أن تتباهى بالنشر أمام المموّلين الأجانب (خاصة إذا كانوا من اليهود الأمريكيين) للدلالة على أنها قد "ملأت الدنيا وشغلت الناس" وأنها "تخاطب الجمهور اليهودي". وبذلك يصبح وجود الجمعية في الصحافة العبرية دليلا على اعتدالها في حين أن غياب أخريات يكون دليلا على تطرفهنّ. وهكذا تصبح الصحافة العبرية هي المنتج للتقسيم (بين عربي جيد وعربي سيء) وهي الدليل عليه في نفس الوقت.

وإذا حظي البعض بالعديد من العناوين في هآرتس فإن تلك هي قمّة الدنيا بلا شك ومن ثمّ يصدّقون أنفسهم بأنهم يملكون امتدادا فعليا خارج أوراق الصحيفة العبرية، أي في أرض الواقع. وإذا كان مراسل الشؤون العربية في هذه الصحيفة العبرية أو تلك يعتبرهم "ممثلي العرب" ويتوجه إليهم كلما دقّ الكوز اليهودي بالجرّة العربية أو الجرّة العربية بأختها العربية فإنهم يصبحون بذلك "ممثلي العرب". وإذا كان مراسل هآرتس يطلق على الحركة الاسلامية خارج البرلمانية بقيادة رائد صلاح اسم "الشق الشمالي" فمعنى ذلك أن على جميعنا، بمن فينا أعضاء الحركة الاسلامية الذين لا يقطنون شمالي البلاد، أن نتبع هذا الاسم. فلا شك أنّ مراسلي هآرتس أذكى منا جميعا ويعرفوننا أكثر مما نعرف خلجات نفوسنا. هل نعجب بعد ذلك إذا تجلت عقلية الوصاية الاستعمارية المتعجرفة في هذه الافتتاحية أو تلك لصحيفة هآرتس؟

أما أنّ الصحافة العبرية ما زالت لا تعرف حتى يومنا هذا الفرق بين إيران والدول العربية وتعتبر أن إيران دولة عربية (انظروا خبر معاريف منذ أيام بقلم بن كاسبيت) فذلك ليس بالأمر الهام. وإذا كان بن كاسبيت قد حرّض علينا بشكل دمويّ إبّان العدوان على لبنان في صيف 2006 فسياسيونا غفورون وسيعقدون معه وغيره صلحة عربية بعد حين (ألم تذبح الخراف في الصلحة بعد مذبحة كفرقاسم 1956 مباشرة؟). ما دام ذلك يخدم السياسيّ العربيّ في المزيد من الظهور العبريّ فإنّ الغاية تبرّر الوسيلة. أما إذا حظي إعلاميّ عربيّ بوظيفة في صحيفة عبرية أو استكتبته تلك الصحيفة من حين لحين فذلك لعمرك هو منتهى الآمال. أليست محاكاة المقموع للقامع هي سلّم النجاح ودليل الحداثة؟

هكذا يتحوّل بعض السياسيين والاعلاميين والجمعياتيين العرب إلى وسطاء ما بين المواطنين العرب ومراسلي الشؤون العربية في الصحف العبرية. كلا الطرفان معنيان بهذه "الصفقة": المراسل يريد مصدرا للأخبار والتسريبات، والوسطاء العرب يريدون الظهور والشعور بالأهمية بسبب "صداقتهم" مع المراسل المبجلّ. وكأنّ المراسل الحاكم العسكري يقلّد بمشيئته البعض منصب "المختار". وينشده المرء أحيانا عندما يجد أنّ هذه "الصداقة" تتغلب على مصالح أخرى كالمصلحة الحزبية أو العامة للمجتمع العربي. هذا يبرّر كشف أسرار الحزب أو الجمعية أو التهجم على حزب آخر أو جمعية أخرى أمام الصحافي العبريّ. كما أنّ هذا يغفر للصحافي العبري بعض تحريضاته (فنحن نتفهم محدودياته ونرضى بالنزر اليسير).

ومن غرائب الأمور أن بعض العرب يدّعون أن الإقتباس كان غير دقيق لكلامهم إذا نسبت لهم الصحيفة العبرية قولا "غير مريح" عربيا. ورغم أننا لا نشكك بإمكانية عدم الدقة في ضوء التحرير والترجمة وسوء التفاهم إلا أنّ تكرار الأمر من ناحية وعدم محاولة هؤلاء العرب نفي التصريحات في رسالة للصحيفة من ناحية أخرى يجعلنا نشكك في كثير من الأحيان في صحة خط الدفاع هذا.

إنّي لا أدعو لانغلاق الأقلية الفلسطينية أمام الصحافة العبرية ولا التخلي عنها كوسيلة لتحقيق بعض أهدافنا فذلك غير واقعي ولا ذكي سياسيا. إلا أننا يجب أن نتذكر أن الصحافة العبرية ليست أكثر من ذلك: أي مجرد وسيلة لغاية. وهذه الغاية هي مصلحة قضايانا. صحيح أننا نختلف حول مفهوم مصلحتنا ولكن هذا لا يعني أننا لا نعرف ما هي الخطوط الحمر. إنّ الحميميّة الزائدة بين الصحافة العبرية وبعضنا هي أمر يحتاج إلى بعض التمحيص والمراجعة. علينا أن نتذكر أن الصحافة العبرية في كثير من الأحيان هي مجرد أداة قمع أخرى ضدنا، وأنّ إمكانية استخدامها ضد مصلحة القبيلة هي بالغة المحدودية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018