المؤتمر الدولي المقترح أُجهض قبل انعقاده../ د.خالد الحروب*

كرر مسؤولون إسرائيليون موقفاً شبه موحد إزاء الـمؤتمر الدولي الذي اقترحه الرئيس الأميركي بوش لحل القضية الفلسطينية، والـموقف هو الترحيب بالفكرة، لكن التأكيد على رفض أن يناقش الـمؤتمر مسائل حق العودة، والـمستوطنات، والسيادة على القدس.

ما الذي يتبقى إذاً للحديث حوله في هذا الـمؤتمر أو غيره إن كان هدفه تقديم حل لقضية فلسطين. وألا يثير ذلك أكثر من سؤال حول جدوى الـمؤتمر عندما تعلن إسرائيل مسبقاً أنه ليس من صلاحيته مناقشة القضايا الأساسية؟ ما يتبقى إذاً هو التأكد من أن فكرة الـمؤتمر هي بالفعل بائسة توقيتاً ومضموناً وأطرافاً مدعوة، ولا تخدم الـمصالح الفلسطينية، وتثير شكوكاً عميقة حول دوافع الدعوة إليه.

أول هذه الشكوك يتعلق بالسياق الإقليمي والتوقيت. ففي ضوء الـموقف الإسرائيلي الذي يجهض عملياً هذا الـمؤتمر يصبح من الـمشروع ربط فكرته بقوة بأجندة السياسة الأميركية الأعم والأهم في الـمنطقة وخاصة لجهة الـملفين العراقي والإيراني.

كما يصح أيضا اتهام الـمؤتمر بأنه مجرد تمرين علاقات عامة يحاول تقديم صورة تخفف من تواصل الفشل الأميركي في العراق الـمتلازم مع تصاعد الدعوات داخل الكونغرس وحوله بالانسحاب السريع من هناك. واستطراداً، وفيما يتعلق بالعنصر الإيراني في صناعة القرار الأميركي الشرق أوسطي، يغدو من الـمنطقي تقدير علاقة زمنية وسياسية بين عقد هذا الـمؤتمر وأي تطور على صعيد الـملف الإيراني وخاصة لجهة احتمال شن حرب على إيران. فهنا سوف يأتي الـمؤتمر الـمقترح في الخريف من ناحية زمنية، وهو توقيت مطاط يمكن تقديمه وتأخيره بحسب ما يخدم الـمصلحة الأميركية في الـمنطقة. فمثلاً قد يأتي الـمؤتمر في أعقاب تلك الحرب الـمفترضة كي يطرح صورة إقليمية أخرى للولايات الـمتحدة بعيد تلك الحرب إن حصلت.

من ناحية الشكل والـمضمون ليس هناك ما هو جديد في فكرة الـمؤتمر إلا التأكيد على الانقسام الإقليمي وترسيخه في الـمنطقة بين محور الـمعتدلين الذين سيدعون إلى الـمؤتمر ومحور الـمتشددين الذين سوف يُستثنون من الدعوة. وهذا الشكل التقسيمي يُترجم في أسوأ تعبيراته على الـمستوى الفلسطيني حيث عزز خطاب بوش والدعوة إلى الـمؤتمر حالة الانقسام الفتحاوية الحمساوية الراهنة.

والظن الساذج بأن أي اتفاق مع طرف فلسطيني من دون بقية الأطراف يمكن له أن ينجح هو غباء مركب لأن مثل هذه التجربة تم خوضها منذ عقد مؤتمر مدريد سنة 1991، ثم في أوسلو عام 1994 وما تلاهما ووصولاً إلى الانتخابات الفلسطينية عام 2006 وفوز "حماس" بها.

في كل تلك السنوات كان أحد أسباب فشل كل الاتفاقات والسلام الـموعود أنه تم على خلفية غياب الإجماع الفلسطيني. لـم يكن غياب ذلك الإجماع هو السبب الوحيد أو الرئيسي في تحقق ذلك الفشل، إذ أن إسرائيل تتحمل الـمسؤولية الأكبر لأنها لـم تكن جدية في كل عملية السلام. لكن مع ذلك فإن فكرة استثناء "حماس" من أي مشروع شامل لحل القضية الفلسطينية تبقى فكرة هشة، وقد تفاقمت هشاشتها بعد فوز "حماس" في الانتخابات وانتقالها إلى قلب الـمؤسسة الشرعية والرسمية الفلسطينية.

والغريب والـمشكك في موضوع فكرة الـمؤتمر، ومحاولة استثناء "حماس" وإقصائها من العملية السياسية الفلسطينية، هو أن واشنطن تمارس نفاقاً منقطع النظير عند مقارنة سياستها في العراق مع سياستها في فلسطين. ففي الأولى اشتغلت وتشتغل بكل قوة على جمع كل ألوان الطيف السياسي العراقي في العملية السلـمية لأنها تعتقد، محقة، أنه في غياب التوافق العراقي فإن أي أفق لحل الوضع العراقي سياسياً سوف يظل بعيد الـمنال. بينما في فلسطين اشتغلت وتشتغل بكل قوة على فصم ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وخاصة بين فتح وحماس، وأن ترفض أي مشروع توافقي بل وتعمل على إفشاله ناهيك عن تأييده.

كيف يمكن أن ينجح أي حل جزئي أو شامل من دون أن يكون هناك توافقاً فلسطينيا عليه؟ وكيف كان الحال من تاريخ أوسلو الأول وخلال أكثر من أربعة عشر عاماً عندما كان طرف فلسطيني يعقد اتفاقات سلام وطرف فلسطيني آخر يمارس مقاومة؟

ينطبق التحليل ذاته الذي يشترط حداً فاعلاً من التوافق السياسي على الطرف الإسرائيلي، ولو بأشكال ودرجات أخرى. إذ ليس سراً أن حكومة أولـمرت تعاني من ضعف شامل والكثير داخل إسرائيل أو خارجها يشككون في قدرتها على البقاء، فضلاً عن أن تكون مؤهلة للقيام بخطوات كبيرة على مستوى حل الصراع واتخاذ قرارات حاسمة. كيف إذن يأمل بوش من هذه الحكومة ويريدها أن تقوم بما لـم تستطع حكومات أقوى منها بكثير القيام به؟

الأمر الآخر الـمثير للشكوك هو مصير مبادرة السلام العربية وكيف سيتم التعامل معها في الـمؤتمر، في ضوء تركيز بوش في خطابه على ضرورة إنهاء "عدم وجود إسرائيل"، أو "عدم التعامل والاعتراف بإسرائيل" من قبل البلدان العربية. فالتخوف هنا هو التخوف التقليدي ذاته والذي ثبت أنه نمط رتيب في تدهور سقف الـموقف العربي من دون أن يصعد الـموقف الإسرائيلي لـملاقاته في منتصف الطريق. فمن الـمتوقع أن يأخذ بوش على عاتقه، ويستخدم الـمؤتمر كرافعة دبلوماسية وزخم إعلامي، ليحصد ما تطرحه الـمبادرة العربية من موقف عربي مشروط بموقف إسرائيل من مسألة حل الدولتين على أساس الالتزام بقرارت الأمم الـمتحدة، فيأخذ من تلك الـمبادرة ما يشاء ويترك ما يشاء. وهكذا يصبح الـموقف العربي الجماعي هو شبه الاعتراف الرسمي الجماعي بإسرائيل لكن من دون أن يكون هناك أي موقف مقابل.

لا تستطيع الدول العربية التي سيتم دعوتها إلى الـمؤتمر إلا أن تلبي الدعوة، لكن أمامها هامش مناورة كبيراً عليها أن تستثمره بحيث لا تتورط في تقديم موقف عربي جماعي مجاني جديد. الـمبادرة العربية هي كل متكامل قدمت تنازلاً عربيا لإسرائيل لـم تكن تحلـم به، وهو التطبيع والاعتراف الشامل مقابل الالتزام بحل الدولتين وإحقاق الحقوق العربية. ليس هناك حاجة بعد تلك الـمبادرة لإعادة اختراع العجلة، عناصر الحل السياسي موجودة وواضحة. ما هو غير موجود ولا واضح هو الالتزام الجدي عند واشنطن وتل أبيب. ما نراه هو عكس ذلك.

"الأيام"