في العلاقة بين القومية والوطنية والديمقراطية(1)../ معقل زهور عدي

يبدو لي أن جوهر المسألة في هذه الإشكالية يكمن في التأكد من وجود مسألة قومية عربية معاصرة، ثمة نفي صريح حينا وضمني حينا آخر من قبل بعض النخب الثقافية في سورية لبقاء الفكرة القومية حية، فالبعض يعتبرها شجرة يابسة، أما المتمسكون بالفكرة القومية فيهاجمون بحجة انتمائهم لتجربة تاريخية بائدة أصبحت وراء العصر.
إذاً دعونا نضع أنفسنا في الموقع الحقيقي للصراع الفكري الدائر ونبدأ بالسؤال: هل الفكرة القومية نبتة خضراء أم شجرة يابسة ؟.

من أجل التمهيد لمقاربة مسألة كهذه يلزمنا تحديد موقع نطل منه على تلك المسالة، أظن أن الموقع المناسب هو جوهر العصر الذي نعيش فيه، ما يعطي لفكرة ما مثل القومية النسغ الضروري للحياة هو مدى تفاعلها مع طابع العصر، والوظيفة التي يمكن أن تضطلع بها لتتحول من لوحة جامدة إلى وعاء للحركة.

جوهر العصر هو العولمة، ضمن معان كثيرة تعني العولمة أيضا اندماج القوميات وبداية ظهور مجتمع عالمي، لكن المشكلة التي تستحق التأمل أن العولمة تسعى لاندماج قوميات لم يتح لها قط أن تعبر عن نفسها، مثل تلك القوميات تقف اليوم أمام خيارين: فإما أن تجد طريقة للتعبير عن نفسها بالنسبة للعولمة، أو تخرج من التاريخ.
يمثل الخيار السابق امتحانا قاسيا في زمن ليس متاحا لفترة طويلة.

الفكرة القومية هي تكثيف لعناصر ثقافية أساسا ( مؤثرات لغوية، دينية، موسيقية، أدب وشعر الخ..) ترسخت عبر التاريخ، أما ما حصل بعد ذلك فهو أن محصلة تكثيف تلك العناصر الثقافية تم نقلها إلى حيز السياسة في أوروبة في القرن التاسع عشر بواسطة حامل الاقتصاد الرأسمالي حين تأسست الدول القومية.

حين انتقلت إلينا الفكرة القومية بقيت تلك الفكرة تبحث دون جدوى عن حامل اجتماعي في مواجهة مراكز استعمارية عالمية قوية ومصرة على تفكيك المنطقة العربية.

حتى اليوم مازلنا نشهد استعادة قوميات تم تغييب وجودها ولكن ذلك يأتي ضمن مشهد تفكيك دول كبرى مثل الاتحاد السوفييتي سابقا وتشيكوسلوفاكيا سابقا ويوغسلافيا سابقا الخ..، لنلاحظ أن حركة التفكيك تأتي متوافقة مع نزعة العولمة لتفتيت الكيانات السياسية الكبيرة التي تعيق انسياب رؤوس الأموال والاستثمارات مع إعادة دمج تلك الكيانات في مجموعات غير قومية بروابط اقتصادية أو اقتصادية- ثقافية ( حالة المجموعات الشرق آسيوية وحالة دمج شرق أوربة بالاتحاد الأوربي ).

إذاً ثمة لحظة قومية سمحت بها العولمة تم توظيفها للتفكيك، وربما ما تزال تلك اللحظة سانحة لقوميات مكبوتة أخرى في ذات السياق ( جنوب السودان، كردستان العراق..الخ ) لكن ذلك أصبح مرتبطا أيضا بالعولمة بوصفها فعلا سياسيا واستراتيجية عالمية للهيمنة الأمريكية وسوف يتراجع ذلك السياق بالتأكيد مع تراجع الهيمنة الأمريكية.

تضع القومية العربية نفسها في مواجهة العولمة الأمريكية حين تسعى لتوحيد دول في دولة واحدة في أخطر ميادين الصراع العالمي، وإذ لم تتمكن القومية العربية من النهوض بسبب افتقارها للحامل الاجتماعي في مواجهة الدول الكبرى في القرن العشرين فكيف ستتمكن من النهوض في مواجهة العولمة الأمريكية من جهة وكيف ستتمكن من نقض مسيرة الدول القطرية التي تأسست خلال عشرات السنين السابقة من جهة أخرى ؟
إذن المسألة في جوهرها نابعة من الشعور بالعبث واليأس من إمكانية تحول تلك الفكرة إلى واقع.

مقابل ذلك هناك حقيقة لا يمكن إنكارها تتمثل في تصاعد المشاعر القومية العربية لدى الشعوب، فالقومية العربية اليوم على سبيل المثال لا تمثل وجهة نظر فئة سياسية في مصر كما كانت حين صعد جمال عبد الناصر للسلطة ولكنها تمثل شعورا شعبيا واسعا إلى حد كبير لا يجادل في انتماء مصر العربي، وذلك التيار الشعبي على الأرض هو من حاصر عملية التطبيع مع إسرائيل وفرغها من أي جدوى.

للأمس القريب لم يكن واضحا كيف ستعاود القومية العربية النهوض، لكن اليوم وفي ظل بداية ظهور انكسار الحملة العسكرية الأمريكية في العراق أصبح بالإمكان تصور بعض الملامح لمثل ذلك النهوض.

لنتجرأ قليلا، القومية العربية الناهضة تقوم بفضل انحسار الهيمنة الأمريكية الذي سيعني عودة الروح للإرادة المصادرة منذ فترة طويلة لشعوب المنطقة العربية، وتقدمية تلك القومية نابعة من اندماجها بالصراع الدائر على نطاق العالم بين العولمة الأمريكية ومصالح شعوب العالم في التحرر.

مصداقية القومية العربية وضرورتها نابعة من فشل الدول القطرية وانهيار أسس تلك الدول، فمسارات التفتيت المدمرة لا يمكن وقفها عبر موقف دفاعي سلبي بل لا بد من مواجهتها بمسار توحيدي معاكس.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018