ماذا كشفت لنا وزيرة خارجية إسرائيل؟../ حنين زعبي

أثار، وما زال، الفطور الرمضاني في الناصرة مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية، العديد من القضايا، والمواقف والعواطف. نحن لا نريد أن نسأل حول دوافع ومعنى هذه الدعوة بالنسبة لـ"صندوق إبراهيم"، ولا نريد أن نسأل القيمين على الدعوة ما المشترك الذي يرونه بين وزيرة خارجية إسرائيل وبين "التعايش" و"السلام" في المنطقة وداخل إسرائيل. فبالنسبة ل"صندوق إبراهيم"، إسرائيل دولة مسالمة وتسعى للسلام، ونقاش الأمر مع صاحب الدعوة هو على ما يبدو كنقاشه مع وزيرة الخارجية نفسها.

ليفني التي اقتحمت بالأمس دمشق لن تعدم الطرق لدخول الناصرة، وإذا كنا لا نسيطر على جواب لماذا يدعوها من دعاها، فلنسأل لماذا يستقبلها من استقبلها؟. لم تأت وزيرة الخارجية للإجابة على أسئلة تطرح من قبل صحفيين مستفزين، ولم تأت لمواجهة رفض القيادات العربية لسياسات إسرائيل العدوانية، ولم تأت لحضور ندوة حول هبة القدس والأقصى، أو حول مجزرة إسرائيل في صبرا وشاتيلا. لقد أتت وزيرة خارجية إسرائيل لتناول الإفطار، أي لجلسة اجتماعية ودية وحميمة.
وحضر برفقتها رؤوبين غال، رئيس مديرية الخدمة المدنية التابعة لمكتب رئيس الحكومة، مسؤول مشروع الخدمة المدنية، - ما علاقته بصندوق إبراهيم؟- . نحن لم نسمع ما قاله الحاضرون لوزيرة الخارجية، ولم يكن للحاضرين ما يقولونه لوزيرة الخارجية، بل سمعنا ما قالته وزيرة الخارجية للحاضرين، أي كان لدى الخارجية الإسرائيلية ما تقوله للذين حضروا، وما قالته الخارجية الإسرائيلية قوبل بالصمت.

لقد أتت ومعها رسالة واضحة، وواضح خروجها عن الإجماع العربي: إسرائيل هي دولة لليهود، وأنتم مطالبون بالخدمة "الوطنية". أي نحن مطالبون بالخدمة في دولة اليهود.
حضرة وزيرة خارجية إسرائيل، لقد وضحت الصورة بنفسك: نحن لسنا مطالبين بـ . . . نحن "مطلوبون" لـ . . . ، ونحن لسنا مطالبين بـ.. الخدمة المدنية، نحن "مطلوبون" لـ. . دولة اليهود.

لكننا قررنا ما يلي: لن نسلم أنفسنا لمجرد أننا "مطلوبون". هكذا نحن، ندرك أننا لم نستطع حتى الآن أن نجبر دولة اليهود أن تعاملنا كمواطنين، لكننا نستطيع أن نجبر أنفسنا ألا نتعامل معها كرعايا، وهكذا نفعل، ربما نحن غير طبيعيين، لكن .. هكذا نحن.

قبل ذلك بساعات معدودة فقط من إعلان "مطلوبون"، أنهت لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة والمتكونة من جميع الأحزاب العربية مؤتمرها الصحفي والذي أعلنت فيه موقف الإجماع العربي للمرة الكذا بمعارضة الخدمة المدنية. وتجدر هنا الإشارة إلى أن رئيس لجنة المتابعة والذي حضر جلسة وزيرة الخارجية، لم يحضر المؤتمر الصحفي للجنة الحريات.

نضالنا كان سيصبح أسهل بكثير لو أنه أستطاع أن يحسم عناوينه بين ممارسات وثقافة وطنية وبين ممارسات وثقافة غير وطنية، لكن نضالنا أشد استنزافا كونه يدور بين خطاب وممارسات وطنية وبين إدعاء "اضطرارات" و"ضروريات" يفرزها واقع مركب.

واقعنا مركب، صحيح، وقد أجاز لنا هذا التركيب العديد من الأمور، واقعنا المركب، أجاز لنا أن نستقبل وزراء التربية والداخلية والمواصلات ولو لزيادة عدد الطباشير في المدارس، ولزيادة كمية الزفتة على تراب بلداننا المعفرة، لكن حتى "الاستقبالات" المتعلقة بمطالبات ومستحقات المواطنة لا تحدث ضمن إطار التشريفات الاجتماعية ولا تحدث على موائد طعام.

و"للتركيب" حدود، كما لكل شيء، هذا الحدث ليس من باب "تركيب الواقع"، و"تفرعاته" ليست من "أحكام الضرورة"، مشاركة بشير عبد الرازق مثلا، رئيس قائمة "أهل الناصرة معا" ليست من هذا الباب، بل هي من باب آخر تماما، من باب إخفاق التجمع في طرح بديل قيادي حقيقي لقيادة المدينة العربية الكبرى في البلاد، ومن باب إخفاقه في فرض خطوطه الحمراء على من يدعمهم.

ومما لا يقع في "أحكام الضرورة" تلك، التي لا ضرورة ولا مبرر لها، بعض الممارسات من قبل الأحزاب الوطنية نفسها التي تقود هذا النضال وتحاول صياغة ثقافته. هنا تبرز أبعاد تجاوزات القوى الوطنية لما تضعه لنفسها وللآخرين، تلك التجاوزات هي أمر خطير ليس فقط لذاتها بل لكونها تشوه رسم الحدود تجاه قضايا أخرى.

وحيث أن "الضيق" بمعانيه المختلفة كان من نصيب قسم كبير من أولئك الذين شاركوا في الحفل، وأولئك الذين عارضوه يبقى أمامنا حلان: أو "البحث عن مكان وزمان آخرين" حسب اقتراح رئيس بلدية الناصرة السيد رامز جرايسي، والقصد ربما مكان حيث رئيس المجلس فيه هو من مصوتي المعراخ أو الليكود، فلا تسبب له الدعوة "الإحراج"، وزمان بعيد عن ذكريات حروب إسرائيلية، أو هبات شعبية، أو مذابح، أو أحداث سياسية كبرى، أو بعيد عن ممارسات عدوانية إسرائيلية في غزة أو سوريا أو لبنان أو النقب، وهذا زمان خارج الزمان. أو الحل الثاني: أن يعيد المجتمع العربي توضيح خطوطه الحمراء، توضيحها ليس فقط للسلطات الإسرائيلية ولهيئات تتعامل معنا، بل بالأساس توضيحها لأنفسنا، لأحزابنا، لجمعياتنا ولإعلامنا.

نحن لسنا صبية صغار لا تحتسب كلماتنا ومواقفنا علينا، كل منا، من سياسيين وصحفيين ونشطاء في الجمعيات، كلنا يحمل عبء زيادة إمكانيات النجاح أو الإخفاق في نضالاتنا، وكل موقف ومسلك منا يترجم إلى مخزون الثقافة العامة، التي تعاد صياغتها باستمرار.
ليت الثقافة كالذاكرة، لكنا انتقينا.

لا المكان ولا الزمان هما المشكلة، ولا كثرة الأبواب الخلفية هي الحل، الحل أن نحترم جميعنا وكل من موقعه، ما نقوله، وأن نقتنع بما ندعيه، وان نستطيع أن ندفع ثمن مواقفنا، أينما كانت مواقعنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018