هل لـ"لقاء الخريف" آفاق؟!../ علي جرادات

باعتباره صاحب الدعوة "للقاء الخريف"، يحاول بوش اشاعة اجواء مِن التفاؤل حول النتائج المتوقعة من هذا اللقاء الغامض، سواء عبر تصريحاته المتلاحقة، أو مِن خلال ارسال وزيرة خارجيته في زيارات مكوكية الى المنطقة. ولكن ذلك، ورغم ما يحظى به مِن صخب اعلامي، لم ينجح في تبديد الشكوك حول النوايا الحقيقية مِن وراء هذا التحرك السياسي الأمريكي الجديد تجاه القضية الفلسطينية، كما لم يفضِ الى استيلاد قناعة بأن تغيراً قد طرأ على الموقف الأمريكي الداعم للمواقف الإسرائيلية القائمة على رؤية تنطلق مِن المعالجات الأمنية والجزئية للصراع.

الشكوك حول جدية الموقف الأمريكي وصدقيته ونواياه، لا تقتصر على المراقبين والمحللين على اختلاف جنسياتهم ومشاربهم، بل تساور حتى الأطراف المتوقع دعوتها لهذا اللقاء، الأمر الذي خلق شبه اجماع على أن انعقاد "لقاء الخريف"، (هذا إن هو عُقِدَ في موعده المعلن)، لن يتمخض عن نتائج ذات قيمة، لجهة التقدم على طريق ايجاد تسوية سياسية لصراع له مِن العمر ستون عاما، ولا يمكن تسويته، ناهيك عن حله، مِن دون تحصيل الشعب العربي الفلسطيني ولو الحد الأدنى مِن حقوقه الوطنية المغتصبة، على الأقل كما نصت عليها قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

يرى المشككون أن الدعوة الأمريكية لعقد "لقاء الخريف"، إنما تستهدف اضافة الى التغطية على عدوانية سياسة بوش تجاه ايران، والتخفيف مِن ورطتها في العراق وافغانستان، العمل على تعميق حالة التفكك الفلسطيني والعربي الداخلي، ومحاولة تفريغ "مبادرة السلام العربية" مِن مضمونها، والالتفاف عليها عبر اختزالها في بند استعداد الأطراف العربية للتطبيع مع إسرائيل، وهو الهدف الذي كان الإسرائيليون وما زالوا يحلمون به، ويسعون باستماتة لتحقيقه، وإن بتدرج، وفقاً لقاعدة "التطبيع اولاً"، وليس مقابل انسحابهم مِن كامل الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عدوان حزيران 1967، واقامة دولة فلسطينية مستقلة، و"ايجاد حلٍ عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الدولي 194"، كما ورد في "مبادرة السلام العربية".

التحذير مِن استهدافات "لقاء الخريف" لا يأتي مِن فراغ، كما لا تعوزه الشواهد، التي يمكن اجمال ابرزها على النحو التالي:
1: دعوة بوش لعقد "لقاء الخريف" بهدف معالجة ملف القضية الفلسطينية، وقبول الإسرائيليين لهذه الدعوة، أمران ينطويان على مفارقة وغرابة، ذلك أن انتقال تل أبيب مِن موقف: "لا يوجد شريك فلسطيني" الى موقف اكتشاف هذا الشريك، لم يأتِ مِن دون مقدمات، بل ترافق، وجاء بعد متغيرات سياسية ذات دلالة، واستدعت الدعوة لهذا اللقاء، وهي:

الفشل العسكري الإسرائيلي في العدوان على لبنان في تموز 2006، ووصول الشرخ الفلسطيني الداخلي الى كارثية "قسمة غزة ضفة"، وبلوغ ادارة بوش ذروة ورطتها في المستنقع العراقي، والاقتراب اكثر فاكثر مِن استحقاق البت الأمريكي الإسرائيلي في ملف التحدي الايراني، علاوة على التسخين الإسرائيلي الملحوظ عل جبهة الجولان والتسعير السياسي الأمريكي الإسرائيلي للتناقضات الداخلية في لبنان، بعد فشل العدوان العسكري عليه.

2: "لقاء الخريف" المرتقب هو دولي واقليمي في عدد الدول المدعوة لحضوره، يقال أنه سيصل الى 36 دولة، ولكنه ليس دولياً لا في صلاحياته ولا في مرجعيته، فدور هذا الحشد الدولي لا يتجاوز دور شاهد الزور، أي دور المصادقة على ما يمكن أن يتوصل اليه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي مِن "بيان" أو "اعلان" أو "وثيقة"..... عبر مفاوضات ثنائية تسبق عقد هذا اللقاء، كذلك فإن رئاسة اللقاء لن تكون مِن نصيب هيئة الأمم التي ستكون مجرد طرفٍ مِن بين اطراف، بل ستتولى الإدارة الأمريكية ممثلة بوزيرة خارجيتها رايس رئاسة هذا اللقاء.

3: "لقاء الخريف" سيقتصر عملياً على ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أي لن يبحث في باقي ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، فحتى لو حضرت سوريا ولبنان هذا اللقاء، فإنه يَصْعبُ توقع الخوض في ملفي الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية، إذ كيف يعقل التصديق أن شيئا مِن هذا القبيل يمكن أن يحصل، فيما استبق الإسرائيليون عقد هذا اللقاء بضربة جوية نوعية في العمق السوري، اضافة الى أن ذيول عدوان تموز 2006 الفاشل على لبنان ما زالت تتفاعل، ولم تستقر على وجهةٍ بعينها بعد؟!!!

4: الإسرائيليون الذاهبون الى "لقاء الخريف" بادعاء الاستعداد للبحث في سبل ايجاد تسوية للصراع على الجبهة الفلسطينية، لم يتزحزحوا قيد أنملة عن المضي قدماً في اجراءاتهم المستبيحة لكل ما هو فلسطيني، بل على العكس تماماً، فعملية سلخ القدس وتهويدها جارية على قدم وساق، وعمليات مصادرة الأراضي واستيطانها تسير وفق ما هو مُعَدٍ ومخطط، وعملية استكمال بناء الجدار الفاصل تسير بلا توقف، والحصار على غزة لا يوجد ما يبشر بفكه، ومئات الحواجز العسكرية التي تمزق الضفة الغربية ما زالت على حالها، وعمليات الاعتقال والجرح والقتل والاغتيال والقصف والتوغل والمداهمة لم تتوقف، بل تزيد وتيرتها يوما اثر يوم. فهل تنسجم هذه الاجراءات مع الحديث عن الاستعداد الإسرائيلي للتسوية السياسية والرغبة فيها؟!!!

رغم ذلك، فإن هنالك مَن يعتقد أن "لقاء الخريف" لن يفشل بالضرورة، وأنه ربما يفتح للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أفقاً جديداً، كان تلاشى عملياً في مفاوضات كامب ديفيد 2000 المفصلية، التي اثبتت نتائجها أن الإسرائيليين بدعم امريكي ليسوا على استعداد للتراجع عن مجموعة مِن اللاءات النوعية، هي: لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الدولي 194، ولا للتنازل عن القدس، ولا لتفكيك التجمعات الاستيطانية الكبرى داخل الضفة الغربية، ولا لاعتبار حدود الرابع مِن حزيران 1967 حدوداً للدولة الفلسطينية العتيدة.

إذا كان الحال على هذا النحو، وهو كذلك وفقاً لحقائق الواقع، وكما يصرح المسؤولون الإسرائيليون ليل نهار؛ واذا كانت الوقائع على الأرض لم تتغير منذ كامب ديفيد 2000، الا لما هو في صالح الإسرائيليين، وفي غير صالح الحالة الفلسطينية، التي زادها الانقسام الداخلي الكارثي ضعفاً على ضعف، يغدو السؤال:

في أحسن الأحوال، باستثناء تكرار ما جرى عرضه في مفاوضات كامب ديفيد 2000، وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات قد رفضه، ودفع حياته ثمناً لذلك، هل حقاً يوجد لدى الإسرائيليين ما هو جديد لعرضه على الفلسطينيين؟!!! وهل هنالك عوامل ضاغطة على الإسرائيليين تدعوهم الى رفع سقف ما كانوا طرحوه في مفاوضات كامب ديفيد 2000، وعملوا على تطبيقه مِن طرف واحد بعد فشلهم في فرضه بالاتفاق، وجاءت متغيرات سياسية، يقع في مقدمتها فشلهم العسكري في العدوان على لبنان، لتحول دون استكمال تطبيقه احادياً، ما استدعى العودة مرة أخرى لمحاولة "تبليعه" للفلسطينيين عبر التفاوض، انما بعد عقد "لقاء الخريف" الدولي اسماً والأمريكي واقعاً؟!!!!

هذا هو ما يسعى الإسرائيليون بدعم مِن بوش لتحقيقه، وهذا هو الأفق السياسي الذي يسعون لفتحه بعد انفضاض "سامر" "لقاء الخريف" المرتقب.

ذكرني الحديث عن امكانية أن يفتح "لقاء الخريف" افقاً سياسياً لاحراز تسوية سياسية مع الإسرائيليين، بحقيقة أن الأفق هو آخر ما يرى الإنسان، وعادة، فإن آخر ما يراه هو ما يخيل اليه أنه التقاء السماء بالأرض، لكنه ما أن يذهب الى نقطة الالتقاء المتخيلة، حتى يكتشف أن الأمر ليس كذلك. واعتقد ان هذا هو تماماً حال توقع أن يفضي "لقاء الخريف" لفتح أفق سياسي يقود الى تسوية سياسية مع الإسرائيليين، تلبي ولو الحد الأدنى مِن الحقوق الفلسطينية المغتصبة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018