المعارضة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة: تاريخ من الفشل../ يسار أيوب*

على امتداد تاريخها لأكثر من أربعين عاماً، مرّت منظمة التحرير الفلسطينية بمراحل مختلفة ومتنوّعة، شهدت خلالها وقفات ومنعطفات مصيريّة كان أهمّها مرحلة التأسيس، ثم مرحلة ما بعد حرب 1967، وما بعد حرب 1982. ولعلّ ما يجمع بينها هو الوجود الدائم لمعارضة فاعلة في وجه القيادة الرسمية للمنظّمة، وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى الصدام السياسي بل وحتى العسكري.

بُعَيد إعلان الدعوة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول عام 1964، عارضت الفكرة (المجلس والمنظمة التي ستنبثق منه) فئتان فلسطينيتان على الأقل. الأولى هي ما بقي من العائلات الإقطاعية التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، ومثّلتها بشكل كبير بقايا الهيئة العربية العليا والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين.

كان دافع هذه المعارضة هو الإحساس الصائب لديها أن هذه المنظمة ما هي إلا المسمار الأخير في نعش الوجاهة التقليدية والزعامة القائمة على الإرث الإقطاعي - السياسي والانتماء للعائلات الكبيرة الذي اندثر مع نكبة فلسطين وضياع الأرض التي كانت تعتبر أهم أساس للتفاوت الاقتصادي.

ولم يشفع للمنظمة الوليدة، في نظر هذه الفئة، أن يتولّى قيادتها سليل واحد من هذه العائلات وهو أحمد الشقيري، بل ربما كان هذا سبباً من أسباب الوقوف في وجهها استمراراً للصراع المبني على الانتماء العائلي، إضافة إلى أن - وعلى رغم وجود الشقيري على رأسها - الأسس التي قامت عليها المنظمة تمنع إلى حد كبير إمكانية قيام نفوذ مؤسَّس على الانتماء ما قبل السياسي - الحزبي.

أما الفئة الثانية التي عارضت تأسيس المنظّمة، فقد كانت نواة العمل الفلسطيني المستقل، سياسياً وعسكرياً، المتأثر بالتجربة الجزائرية في إدارة حرب عصابات معتمدة على الدعم العربي، ولكنها مستقلة إلى حد كبير عن تداخلات النظام الرسمي العربي. رأت هذه الفئة، التي مثّلها كوادر ما سيعرف لاحقاً باسم «فتح»، في منظّمة التحرير استمرارية لتدخلات الأنظمة العربية في تقرير مصير القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ومسارهما، ورأت فيها استهدافاً للوعي الفلسطيني الناشئ بضرورة عمل فلسطيني مستقل، واحتواءً لنقمته المتزايدة. هذا عدا عن معارضة العديد من الدول العربية - بما لها من تأثير في الساحة الفلسطينية - خوفاً من فقدانها حق تمثيل الفلسطينيين أو جزء كبير منهم على الأقل (الأردن)، إلى جانب من نظر إلى المنظمة، في إطار الصراع مع عبد الناصر، على أنها أداة ناصرية أقل طموحاً وثوريةً مما يجب أن تكون (سوريا والعراق)، أو من لم يعتبرها ممثلة حقيقية للفلسطينيين لأنها غير منتخَبة (السعودية!).

لم تستطع المعارضة الشديدة للمشروع - المنظّمة أن تحقّق هدفها بالقضاء عليها في مهدها، ذلك أنه، ومهما قيل في ظروف نشأتها، كانت المنظمة تعبّر عن تطلعات معظم أبناء الشعب الفلسطيني ورغباتهم في توقهم إلى تحمّل مسؤولياتهم في معركة تحرير فلسطين. وانتظرت الفئة الثانية من المعارضة الفلسطينية أكثر من ثلاث سنوات حتى تركب موجة المنظمة، فيما كان على الفئة الأولى الاقتناع بأن القطار قد فاتها ولم يعد لها سوى الخلود إلى الذكريات.

بقدر ما شكّلت حرب عام 1967 صدمة للوعي العربي عامة والفلسطيني خاصة، شكّلت حافزاً للقيام بعمليات تغيير كبيرة شهدتها على الأقل الأنظمة العربية المتأثرة بشكل مباشر بمجريات الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك شهدتها منظمة التحرير حيث استطاعت الفصائل الفلسطينية المسلحة (فتح والصاعقة) القفز إلى قيادتها بعد تغيير الهدف من إسقاطها إلى السيطرة عليها بغية «تثويرها» مستفيدة من آثار الهزيمة، والتغييرات العميقة في الموقف العربي من المنظمة ومن رغبة لدى العديد من الأنظمة العربية في إيجاد «كبش فداء فلسطيني».

مع نجاح الفصائل المسلّحة في تغيير تركيبة المجلس الوطني والسيطرة على اللجنة التنفيذية، بدأت مرحلة جديدة من حياة المنظمة لم تختلف عن سابقتها في وجود المعارضة. وتزعّم تلك المعارضة ومنذ البداية، فئة فتحاوية عارضت الانضمام إلى المنظمة خوفاً من انتقال بيروقراطيتها إلى الثورة بدلاً من تثوير المنظّمة.

بالطبع لم تنجح في ذلك وانخرط الفتحاويون جميعاً في عملية السيطرة على المنظمة. بيد أن المعارضة الأقوى كانت من خارج «فتح»، ومثّلتها على الدوام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي بقيت أمينة لموقعها المعارض هذا. وتركّزت معارضتها إلى جانب الفصائل الأخرى، في البداية، على قضايا تنظيمية بحتة من نوع تركيبة المجلس الوطني واللجنة التنفيذية وعدد الأعضاء ونظام الكوتا والحصص الفصائلية ونظام اتخاذ القرار، قبل أن تتعداها - بعد تبنّيها الماركسية منهجاً وإيديولوجيا - إلى الحديث عن القيادة «البورجوازية الصغيرة» التي تقود منظمة وثورة، وقودها العمال والفلاحون وغيرهم من الفقراء الفلسطينيّين.

بقيت الجبهة الشعبية خارج منظّمة التحرير حتى بداية السبعينيات حين قبلت، وتحت ضغط أحداث «أيلول الأسود» في الأردن، بتمثيلها رمزياً في المجلس الوطني بعضو واحد، وكان هذا أول تغيير في موقف الجبهة من المشاركة في منظمة التحرير، تلته موافقة على تمثيل كامل في المجلس.

بعد حرب تشرين الأول 1973، نجحت المعارضة جزئياً في لجم توجّه قيادة المنظمة للمشاركة في مؤتمر جنيف للسلام، ساعدها في ذلك أنه لم يدعُ أحد المنظّمة أصلاً للمشاركة.

وكذلك نجحت المعارضة في تغيير البند الشهير في برنامج عمل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، المعروف باسم برنامج النقاط العشر أو البرنامج المرحلي والمدعوم من «فتح» و«الصاعقة»، من صيغة «إقامة السلطة الوطنية على أي شبر يُحرّر من أرض فلسطين»، إلى صيغة «إقامة سلطة الشعب الوطنية المقاتلة» في المجلس الوطني المنعقد عام 1974.

غير أن هذه الإضافة لم تعن شيئاً لا لقيادة المنظمة التي تعاملت معها كأنها لم تكن (يروى أن ياسر عرفات مستهزئا طلب يومها إضافة كلمة نفَّاثة بعد مقاتلة)، ولا حتى للفصائل المعارضة التي تكتّلت لتؤلف ما عُرف باسم «جبهة الرفض» كجبهة فلسطينية موسّعة معارضة للقيادة الرسمية للمنظّمة.

أدى الظرف الخارجي دوراً في جسر الهوة بين المعارضة وقيادة المنظمة. وبتأثير توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل والتقارب السوري العراقي وتوقيع «الميثاق القومي المشترك»، أعلنت «جبهة الرفض» عن حلّ نفسها والعودة إلى أطر المنظمة التي عاشت حتى عام 1982، مرحلة المشاركة الفصائلية الأوسع في تاريخها.

بعد الخروج من بيروت، شهدت المنظمة انقساماً حاداً وكارثياً وأخذ الخلاف الفلسطيني - الفلسطيني طابعاً مأساوياً في أحداث طرابلس عام 1983 بين «فتح المركزية» والمنشقين عنها. وكان لكلّ منهم - بالطبع - صفّ واسع من الحلفاء الداخليين والخارجيين شاركوا جميعاً في المعركة التي انتهت بخروج ياسر عرفات مرة ثانية وأخيرة من لبنان. توزّعت الساحة الفلسطينية على معسكرين متحاربين إثر زيارة عرفات لمصر ثم الأردن، والدعوة إلى عقد المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان عام 1984 الذي قاطعته معظم الفصائل الفلسطينية، ثم توقيع اتفاق عمان الذي أعطى الأردنيّين حقاً في المشاركة بتمثيل الفلسطينيين.

كل هذا أدّى إلى زيادة الخلاف بين المعارضين وقيادة المنظمة وولَّد انقساماً حاداً لم يهدأ إلا بإلغاء المنظمة لاتفاق عمان (وكان الأردن قد أعلن إلغاءه قبل ذلك لأسباب متعلقة به)، كمقدمة لعقد المجلس الوطني في الجزائر عام 1987 وتوقيع اتفاق عدن الجزائر بين «التحالف الديموقراطي» (الذي كان يضم الجبهتين الشعبية والديموقراطية، وجبهة التحرير الفلسطينية، والحزب الشيوعي) و«فتح المركزية». وبقي «التحالف الوطني» أو ما عرف باسم «جبهة الإنقاذ» (القيادة العامة، فتح الانتفاضة، الشيوعي الثوري، النضال) خارج أطر المنظمة حتى اليوم.

بعد بدء مسيرة مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، واجهت قيادة المنظمة معارضة من الجبهة الشعبية (وبدرجة أقل من الجبهة الديموقراطية) لمجموعة الأسس التي شاركت المنظمة بناء عليها في المؤتمر، بينما عارض ما بقي من تحالف «جبهة الإنقاذ» المشاركة بشكل مطلق. ولكن، بعد انكشاف أمر أوسلو، واجهت القيادة معارضة شاملة من الفصائل الفلسطينية الفاعلة مع انضمام وجهين جديدين («حماس» والجهاد الإسلامي). وتنظّمت هذه المعارضة في ما عرف بـ«الفصائل الفلسطينية العشرة» ثم «تحالف القوى الفلسطينية»، ولم يخل هذا التحالف من خلافات خرجت على إثره الجبهتان الشعبية والديموقراطية لتصبحا معارضة من داخل السلطة الوطنية بعد تأسيسها وعودة العديد من قادة الجبهتين إلى الداخل.

عبر مسيرة منظمة التحرير، لم تستطع المعارضة الفلسطينية لقيادة المنظمة (على الأقل منذ سيطرة الفصائل عليها) تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة إلا بعد الاستفادة من ظرف إقليمي ودولي كبير بحجم حرب كارثية. ولهذا أسباب داخلية وخارجية قد يتيسّر إيجازها وفق مستويين: الأوّل هو مستوى القيادة الرسمية، والثاني مستوى المعارضة نفسها.

فعلى مستوى المنظمة، تميزت آليات اتخاذ القرار السياسي والعسكري والمالي بالمركزة الشديدة. وراج القول حينها بوجود دائم لـ«الحاكم بأمره» متمتعاً بكاريزما قوية (الشقيري وعرفات)، وبالأخص أبو عمّار الذي عُرفت عنه القدرة الفائقة على المناورة والالتفاف والاستفادة من أدق التفاصيل لتدعيم موقفه. وهذا ما حرم المعارضة هامش التحرك على صعيد المنظمة نفسها. عدا عن أن تركيبة المنظمة القائمة على نظام «الكوتا» لم تعط المعارضة إمكانية التغيير من الداخل، فحيازة فتح للمراكز الأساسية في المنظمة كانت تعطيها الوسيلة لاتخاذ القرارات التي تريد من دون الالتفات أحياناً إلى القوى المعارضة لها. أضف إلى ذلك أن الاعتراف العربي والدولي الكبير بالمنظمة المتماهية مع قيادتها، جعل من العسير على المعارضة من الخارج طرح نفسها بديلاً أو قوةً حائزةً لنفس الاعتراف.

أما على مستوى المعارضة، فقد عانت بدورها عدم تجانس مكوّناتها الأساسية، واختلاف مراجعها ومرجعياتها وارتباطاتها وتحالفاتها ومحاورها الإقليميّة، الأمر الذي قاد إلى اختلافات في نقاط انطلاقها وأسباب معارضتها ومنهج كل منها في التعامل مع قيادة المنظمة. واتسمت في جميع مراحلها باتباع سياسة ردّ الفعل، التي انعكست فقراً في المبادرة ونقصاً في البرنامجية، وعدم القدرة على إدراك الشروط والتغيرات الإقليمية والدولية، ونقصاً حادّاً في استشراف تأثير هذه الشروط في الساحة الفلسطينية وتحديده، وعدم مرونة المعارضة وسوء تواؤمها مع هذه التغيرات، الأمر الذي كان يدفعها مراراً للقبول لاحقاً بأقل ممّا عارضته.

يجب الاعتراف بأن المعارضة الفلسطينية داخل المنظّمة لم تكن لتنشأ لولا المناخ التعدّدي المتجذر الذي ساد الساحة الفلسطينية والعمل السياسي الفلسطيني. هذه التعددية ظلّت سمة من سمات العمل الوطني الفلسطيني، ولم يستطع أي تنظيم أو فصيل مهما كبر حجمه من احتواء الآخرين. ولكن هل يمكن اعتبار التعددية السياسية الفلسطينية ووجود المعارضة الدائمة وحالة الحراك السياسي الذي ميّز العمل السياسي للمنظمة والثورة، أنها نوع من أنواع الديموقراطية؟
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018