عودة الى الثقافة الأوحد../ جميل مطر*

لم يفاجئني أن يكون بين الموضوعات الرئيسية المطروحة في مؤتمر المعرفة الأول الذي عقد منذ أيام موضوع التنوع الثقافي. فالمؤتمر، من ناحية، يعقد لتدشين مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم لدعم المعرفة في الوطن العربي، ولا يمكن تصور أن تقوم المعرفة في مجتمع لا يناقش أعضاؤه بحرية وأمانة وموضوعية قضايا التنوع فيه وصدامات الهوية والانتماء وأسس التكامل الاجتماعي والوطني.

من ناحية أخرى، يعقد المؤتمر في مدينة دبي، مدينة التنوع بحكم الواقع. إن أول ما يلفت نظر الزائر للمدينة بعد أن يلاحظ التنوع في الملبس وسمات الوجه ولون البشرة، هو هذا التنوع في اللغات الذي يجعل دبي أقرب وأحدث تجسيد ممكن لأسطورة برج بابل. رأيت في حياتي عديداً من المدن وعشت في بعضها سنوات، ولكن لم أسمع في واحدة منها أناساً ينطقون بهذا العدد الهائل من اللغات، ولن نجد بالتأكيد هذا الحشد من اللغات في مساحة صغيرة كهذه، أصغر كثيراً من مدينتي نيويورك ولندن أو غيرهما من المدن “العالمية”. ويقول العارفون من أهل المدينة إن دبي تتحدث بأكثر من 120 لغة، إحداها العربية وأكثرها انتشاراً الإنجليزية. لذلك كان منطقياً أو ربما ضرورياً لمؤتمر عنوانه المعرفة ومقر انعقاده دبي أن يناقش موضوع التنوع.

من ناحية ثالثة، دبي ليست فقط مدينة تنوع ثقافي وعرقي وتنوع في اللغات والأزياء ووسائل الترفيه وأشكال الفنون بأنواعها والميديا بأطيافها، فهي أيضاً “المدينة النموذج” بالنسبة لقادة سياسيين عرب وغير عرب. من هؤلاء من لا يخفي أن أحد أحلامه، وأحلام الكثيرين منهم ليست كثيرة أو متنوعة، أن يغمض عينيه ويفتحهما فيرى بلاده أو مدناً فيها أو حتى منتجعات وموانئ ساحلية، وقد صارت مثل دبي، مدينة تنوع غزير وخير وفير وأمن مستتب، وليس بين اهتماماتها أو مشاغلها السياسة بكل أشكالها وتياراتها فلا أحزاب ولا أيديولوجيات ولا صراعات سلطة ولا رغبة في تحالفات عسكرية أو سعي وراءها.

أما القائمون على أمور دبي فهؤلاء لا يخفون من جانبهم اعتزازهم بهذا التقدير من أقرانهم في دول أجنبية. ولكنهم حريصون، كما سمعت، على أن يقدموا لقضية التنوع حلولا وبرامج تليق بسمعة “الدولة المدينة”، النموذج، مستفيدين من تراكم خبرة التعامل مع هذا النمط الفريد من التنوع.

من ناحية رابعة.. تعودت منذ عقود أن أشارك في مؤتمرات أعرف سلفاً أنها ستكون مثالا مجسداً للتنوع. لم يكن القرار بالمشاركة في هذه المؤتمرات يعتمد على المحتوى كمعيار للقبول أو عدمه بقدر ما كان تنوع جنسيات المدعوين وتجاربهم وتخصصاتهم. ففي مثل هذه المؤتمرات، كما في مؤتمر المعرفة في دبي، تنوع المشاركون بتنوع جنسيات العرب وأديانهم ومذاهبهم وطوائفهم ولهجاتهم وأنواعهم، أي رجالهم ونساؤهم وشيوخهم وشبابهم. وفي مثل هذه المؤتمرات، تتنافس العقول في ما بينها وتتقارب القلوب إلى بعضها. وقد تنتهي مشكلة مطروحة للنقاش إلى حل مُرضٍ أو تزداد تعقيداً. وفي كل هذه المؤتمرات لم تكن النتائج غير المرضية وغير المريحة مزعجة أو مقلقة إذ كان في نظر بعض الحضور كمنظم مؤتمرات، أو كمشارك أو حتى كمراقب خارجي، هو إثبات أن التنوع قادر على أن يكون خلاقاً وبناءً ودافعاً للوئام والحب.

من ناحية خامسة.. تصادف انعقاد المؤتمر وإثارة موضوع التنوع الثقافي مع تطورين في غاية الأهمية، وإن لم ينتبه لهما كثير من العقول العربية وبخاصة تلك التي حملت مشاعل حوار الحضارات ومشت في مسيرته لعقد كامل أو أطول قليلاً. ولكن قبل أن أعرض للتطورين الخطيرين، يحسن أن نتوقف قليلاً أمام الظروف الراهنة التي تحيط بمسألة التنوع في عالمنا العربي، هذه الظروف ربما كانت هي الأخرى وراء اختيار التنوع قضية للنقاش في مؤتمر دبي، وغيره من المؤتمرات القادمة في العالم العربي وخارجه. الصحيح، في كل الأحوال، أن الشرق الأوسط، بشكل عام، والمنطقة العربية، بشكل خاص، عانت في كثير من مراحل تطورها من توترات بسبب ظاهرة التنوع الكثيف الذي اشتهرت به منذ آلاف السنين، وتاريخنا شاهد على حروب أهلية وانتفاضات وتوترات متنوعة ناتجة عن مشكلة أو أخرى من مشكلات التنوع الثقافي، وبخاصة الخلافات بين الأغلبية والأقليات، وبين الأقليات وبعضها بعضاً. وهناك من يقول وآخرون يرددون، أن المنطقة لم تشهد توترات في تاريخها بحجم أو خطورة ما تشهده هذه الأيام، وهي أقوال وترديدات فيها مبالغة وإن كان بعضها يعبر عن خوف حقيقي من أن يتدخل الأجانب فتزداد النار اشتعالاً وعن حرص صادق على أن نجد حلولاً بصفة عاجلة وبنوايا طيبة ومخلصة.

يزيد من خوف الخائفين وحرص الحريصين الاحتمال القائم منذ زمن ويزداد دائما مع زيادة القوى الأجنبية والإقليمية الطامعة في استغلال حالة عدم الاستقرار المزمن في المنطقة، وهو الاحتمال الذي إن تحقق فسيؤدي بالصراعات الإقليمية أي الصراعات العابرة لحدود الدول أو صراعات ناتجة عن الاحتلال الأجنبي، مثل الاحتلال الأمريكي و”الإسرائيلي” والاحتلال الذي تمارسه بعض دول حلف الأطلسي إلى أن تختلط بتوترات التنوع الداخلي، فتتعقد جميعها وتتبدد جهود النمو الاقتصادي وتضيع ثمارها وتتكاثر قوى التطرف في كل اتجاه.

يتبقى، قبل أن ننتقل إلى التطورين البارزين في قضية هيمنة الثقافة الواحدة، أن نشير إلى أن نظريات التعامل مع التنوع الثقافي وأساليبه المتعارف عليها في التاريخ الحديث تقف عند مفترق طرق. هناك عند هذا المفترق ما يوحي بأن الدول التي أخذت بنظرية وأساليب دعم سياسات التنوع أي دعم سياسات المساواة بين مختلف فئات المجتمع وأعراقه وأقلياته، بدأت تعود عنها وتفكر في أن هذا الدعم لم يثمر الثمار المنتظرة، بل على العكس أفرز انتقاصاً من ثقافة كانت رائدة ومهيمنة فتدهورت، واعتداء على حريات الأغلبية وحقوقها عندما أغدق على الأقليات مميزات وامتيازات، وتسبب في ضرر جسيم لمبدأ أولوية الفرد على الجماعة، وهو المبدأ الأساسي في حضارة الغرب، حين فرض على الفرد أن يكون عضواً في أغلبية أو في أقلية.

كل هذا وغيره يوجزه قرار حكومة “إسرائيل” فرض الولاء “لليهودية” والاعتزاز بها على التلاميذ المسلمين والمسيحيين من العرب، وهو الموضوع الذي أفرز له الصديق عزمي بشارة قبل أيام مقالاً رصيناً وإنْ مشحوناً بالغضب، وهو أيضاً التراجع عن دعم التنوع الذي يؤكده جوناثان ساكس كبير اليهود في بريطانيا دفاعاً عن “الأغلبية” البريطانية ضد امتيازات الأقليات ودعوته إلى العودة عن سياسات دعم التنوع الثقافي والإسراع بفرض ثقافة واحدة يخضع لها كافة سكان المملكة المتحدة والمقيمين فيها. ثم جاء يدعم هذه المظاهرة ضد سياسات دعم التنوع قرار اليونسكو بفرض “المحرقة” اليهودية، وليس أي محرقة ولا أي إبادة ولا أي استعمار واحتلال، درساً إجبارياً لكل التلاميذ من كل الشعوب في كافة دول العالم. حقيقة لا أدري تحت أي عنوان تقع هذه الإجراءات، وبخاصة موقف قادة اليهود في المملكة المتحدة والولايات المتحدة من ناحية وقادتهم في “إسرائيل” من ناحية أخرى، إن لم تقع تحت عنوان “العودة إلى قاعدة هيمنة الثقافة الواحدة وإلى سياسة بوتقة الصهر الإجباري، والاتجاه نحو فرضها ثقافة أوحد على البشرية جمعاء”.

من كل هذا وغيره، يوجد ما يستحق عرضه ومناقشته في مقال آخر بعدد قادم.
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018