المُهّرج والمتفرج والمستأسدون على سورية../ زهير أندراوس


لا يختلف اثنان بان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، قد حلّ مكان توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، في الانجرار وراء سياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش، وبات ممثلاً بارعاً، أو بالأحرى مهرّجاً في التهديد والوعيد ضد كل ما هو عربي، فقد أصبح العرب في نظر الغرب امة متخلفة وإرهابية بحاجة إلى تأديب وترويض وتدجين.

وللتذكير فقط، عندما اندلعت المواجهات في فرنسا بين الشرطة المحلية وبين الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية في العاصمة باريس، كان السيد ساركوزي وزيراً للداخلية واصدر أوامره لعناصر الأمن باستعمال قبضة من حديد ضد هؤلاء الذين أرادوا أن يُعّبروا في احتجاجهم عن الظلم والغبن اللاحقين بهم جراء سياسة التمييز العنصري. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ سياسة ساركوزي المعادية للأقليات العربية والمسلمة ساهمت كثيراً في فوزه بالانتخابات الرئاسية على المرشحة اليسارية.

بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، فلا يُمكننا عدم التطرق إلى تقاطع المصالح الفرنسية الإسرائيلية في هذا المضمار، أي في قمع الأقليات، مع أنّ الأقلية العربية الفلسطينية في مناطق الـ48 تختلف عن الأقليات في فرنسا، لأنها لم تصل إلى هذه الديار، بل هم الذين جاؤوا إليها من جميع أصقاع العالم. وإسرائيل قيادةً وشعباً رحّبت بانتخاب الرئيس الفرنسي الجديد، لأنّه يؤيدها بصورة مطلقة في سياساتها الخارجية الرافضة للتوصل لأي حل سلمي مع الفلسطينيين وإنهاء الصراع التاريخي.

الأمة العربية، وعلى الرغم من حالة الوهن التي تُعاني منها، لن تنسى أنّ الفرنسيين احتلوا الجزائر، وطُردوا منها بعد استشهاد أكثر من مليون جزائري في معركة التحرير. الفرنسيون، الذين يزعمون الديمقراطية، كانوا وما زالوا من أقطاب الامبريالية والكولونيالية، ولا نعتقد أنّ سياستهم الخارجية ستتغير، وللتدليل على ذلك، فان هذه الجمهورية ما زالت تتدخل في مناطق عديدة من العالم، وتحاول فرض هيمنتها تارة بصورة مباشرة وتارة بطرق التفافية، وبطبيعة الحال، تتلقى الدعم الكامل من حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية. إسرائيل هي أيضاً دولة كولونيالية، ما زالت تسيطر على الشعب الفلسطيني بقوة السلاح، وتحتل الأراضي العربية السورية منذ عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967. وبالتالي يمكن القول إنّ السياسة الفرنسية الداخلية ضد الأقليات التي تعيش في هذه الدولة العظمى، والسياسة الخارجية التي تتجسد في انتهاج برامج مًبيتّة ضد تحرر الدول والتدخل في الشؤون الداخلية لبعضها، تتماشى وتتماهى مع المصالح الإستراتيجية للدولة العبرية.

بناءً على ما تقدم، نستغرب جداً أن يعلن البعض عن انزعاجهم من تصريح ساركوزي مطلع الأسبوع الحالي بأنّه يُعّلق الاتصالات مع سورية، لأنّها تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وتمنع انتخاب الرئيس القادم، على حد زعمه. الموقف الذي أعلنه ساركوزي هو موقف تقليدي لدولة أدخلت نفسها عن سبق الإصرار والترصد في الوحل اللبناني، ولكن قبل أن نُناقش هذه القضية، نرى لزاماً على أنفسنا الإشارة إلى أنّ تصرف الرئيس الفرنسي يدل على فشل سياسة بلاده في بلاد الأرز، وثانيا، لماذا تمّ الإعلان عن تعليق الاتصالات مع سورية في عاصمة اكبر دولة عربية، أي مصر؟ هل هذا كان مجرد صدفة؟ أم أنّه كان تحدياً للأمة العربية ومصر بصورة خاصة؟ ونحن نقولها على الملأ: اختيار الرئيس الفرنسي لهذا التوقيت ولهذا المكان للإدلاء بدلوه ضد أخر معقل للقومية العربية، سورية، كان وما زال يهدف لإذلال وتحقير العرب.

على أية حال، فلنترك هذه القضية جانباً ونسأل: عندما كانت سورية تتواجد في لبنان بقرار عربي، اتفاق الطائف، نسجت العديد من الدول العربية والغربية وأقزام الامبريالية في لبنان مؤامرة لإخراج الجيش العربي السوري من لبنان، وقامت دمشق بتنفيذ القرار. والآن بعد أن أصبح لبنان "لبنانياً"، يتهمون سورية بإعاقة انتخاب الرئيس اللبناني؟ فلماذا يُسمح لأمريكا وفرنسا مثلا أن تتدخلا في انتخاب الرئيس، ولا يُسمح لدولة عربية مثل سورية أن تتدخل؟ هذا طبعاً إذا وافقنا على الافتراض بأنّ سورية تتدخل في الشأن الداخلي اللبناني! هل الاتفاق غير المُوقّع مع واشنطن وباريس أصبح مسموحاً؟ أو فلنقلها بصراحة: هل العالم العربي بات حقل تجارب لعملاء الامبريالية العالمية والرجعية العربية؟ لماذا استأسدتم على سورية؟

لقد صمد هذا البلد العربي أمام أعتى الدول وسيعرف كيف سيصد تطاول عدد من الأقزام العرب والمستعربين على العمالقة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018