وقفة مع فتح في ذكرى انطلاقتها../ عوني فرسخ

في الأول من يناير/ كانون الثاني 1965 أعلنت حركة فتح عن أولى عملياتها في الأراضي المحتلة سنة 1948. وإن كانت العملية التي نفذها فدائيها الأول بدائية إلا أنها أشرت لما بدا نقلة نوعية في الصراع التاريخي مع الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني، فهي أولا أكدت تواصل رفض الشعب العربي الفلسطيني الأمر الواقع المتمثل باحتلال 78% من ترابه الوطني وتهجير 65 % من أبنائه، برغم الخلل الفادح بموازين القوى لصالح التحالف الامبريالي الصهيوني.

وهي ثانياً، سجلت بداية الالتزام بالكفاح المسلح كخيار استراتيجي للتحرير والعودة، وهو الخيار الذي كانت تنادي به عشرات المنظمات الشبابية الفلسطينية التي برزت على المسرح أوائل ستينات القرن الماضي.

وهي ثالثاً، أعادت الاعتبار للمقاومة الشعبية في التصدي للتحالف الامبريالي الصهيوني، التي كانت “جامعة الدول العربية” قد استبعدتها من الصراع عندما حلت منظمات المقاومة الفلسطينية في 15/5/1948.

وفي مرحلة عمت فيها مشاعر اليأس والاحباط وشاعت ثقافة الهزيمة وقعت معركة الكرامة في مارس/ آذار ،1968 التي خاضها فدائيو فتح بمشاركة ضباط وجنود الجيش الأردني، لتدخل بها التاريخ العربي من أوسع أبوابه، إذ تدفق عليها آلاف الشباب العرب، والعديد من أحرار أوروبا، الذين نظروا إليها باعتبارها بؤرة الثورة العربية. وذلك ما عززه قول الرئيس جمال عبد الناصر “العمل الفدائي أنبل ظاهرة في ليل الهزيمة”.

وبالمكانة التي احتلتها فتح عند الأنظمة والجماهير العربية، تقبلت غالبية الفصائل والشخصيات الفلسطينية تولي ياسر عرفات رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما ندر المتحفظون على تعديل “الميثاق القومي”، الذي كان قد أقره المجلس الوطني الأول سنة 1964 بل ندر للغاية الذين رأوا في تسميته “الميثاق الوطني” مؤشر التحول للمنطق القطري الفلسطيني بديلاً للمنطق القومي العربي، الذي كان معتمداً في النظر للتحدي الامبريالي الصهيوني.

وألاحظ أن تعديل الميثاق في 17/7/1968 تضمن تأكيد الثوابت الوطنية الفلسطينية التي نص عليها سابقه، فالمادة (2) منه نصت على أن “فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة اقليمية لا تتجزأ”. فيما نصت المادة (8) على أن “المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين، ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة اخرى”.

ونصت المادة (9) على اعتبار الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو لذلك استراتيجية وليس تكتيكاً. ونصت المادة (19) على اعتبار قرار تقسيم فلسطين عام 1947 وقيام “اسرائيل” باطلين من أساسهما مهما طال الزمن.

ونصت المادة (20) على أنه: “يعتبر باطلاً كل من تصريح بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما من دعوى الترابط التاريخي والروحي بين اليهود وفلسطين”. ونصت المادة (21) على رفض كل الحلول البديلة لتحرير فلسطين تحريراً كاملاً ورفض كل المشاريع الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها.

وألاحظ أن الميثاق المعدل لم يتضمن اعتبار إقامة “دولة” على ما يتم تحريره من أرض فلسطين هدفاً وطنياً. كما أنه لم يمس الثوابت الوطنية الفلسطينية في شيء، برغم أنه تم بعد نكسة ،1967 وبلوغ الخلل الاستراتيجي في ميزان القدرات والأدوار لصالح التحالف الامبريالي الصهيوني غايته. وفي ذلك دلالة على أن فتح، قيادة وكوادر، بدت حتى ذلك الوقت رافضة الخضوع لأحكام الأمر الواقع، أو انها اسقطت اعتبار التناقض مع التحالف الامبريالي الصهيوني التناقض الأساسي الأولى بالمواجهة، وأن التناقضات فيما بين القوى الوطنية تناقضات ثانوية لا تجيز الصدام. ولما بدت عليه فتح تواصل التحاق الشباب والصبايا بصفوفها والنظر اليها كمجسدة اولى للارادة الوطنية الفلسطينية بالتحرير والعودة.

وتحسبا لتطور قدرات “فتح”، خاصة بعد استقطابها لمئات القوميين واليساريين العرب، التقى التحالف الامريكي الصهيوني والسائرون في ركبه دوليا واقليميا على الدفع باتجاه صرف المقاومة الفتية عن مسارها، بزجها في صراعات غير وطنية ولا مبررة. مستغلة افتقار الحركة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية للاستراتيجية الشاملة والمستمرة لادارة الصراع مع التحالف المضاد. كما وظفت في ذلك الديماجوجية الغالبة على خطاب الفصائل، وقصور القيادات عن قراءة الواقع بموضوعية. وعجزها بالتبعية عن التحالف مع القوى صادقة الالتزام الوطني والقومي في المحيط العربي، فكان ان شهدت فتح، وبقية الفصائل، انحسارا في عضوية صادقي الالتزام الوطني والانتماء القومي مقابل تزايد الساعين للانتفاع من الدفق المالي على خزانة فتح، لغاية في نفس يعقوب.

وبالنتيجة استشرت نزاعات القادة وتوالت انشقاقات الفصائل وحروب الاخوة الاعداء. فكان الخروج المؤلم من الاردن، ليعقبه خروج لا يقل إيلاما من لبنان. وبرغم ذلك لم تجر أي مراجعة للعوامل الذاتية والموضوعية للنكسات والخيبات المتوالية.

ولما اقدم السادات على توقيع اتفاقات كامب ديفيد، بحجة الواقعية، لم تتخلف قيادة فتح عن الاجماع العربي الرافض لردة السادات واتهامه بالتفريط بالحقوق الفلسطينية. غير أنها بحجة الواقعية أجهضت انتفاضة اطفال الحجارة بإقرارها اتفاق اوسلو، الذي جاء نسخة مشوهة وبصياغة قانونية ملتبسة لفكرة “الحكم الذاتي” التي اقترحها بيجين في كامب ديفيد ورفضها السادات ولم ير فيها مستشاروه ما هو جدير بالبحث. وباعتماد تقديم التنازلات سبيل الظفر بالقبول الامريكي مسخ “الميثاق الوطني بإفراغه من مضمونه التحرري والوطني. وبالتبعية غدا ادمان المفاوضات وتقديم التنازلات الخيار الاستراتيجي المعتمد، مما جعل مفاوضة أولمرت مطلوبة بإلحاح، وحوار حماس دونه شروط تعجيزية. بل ان تتوالى اللقاءات الحميمة في القدس المحتلة، بينما يتمدد الاستيطان و”يسمن” في الضفة، وتتكثف الغارات على القطاع المحاصر والمهدد بكارثة انسانية.

وإذا كانت قيادة فتح قد رفضت الامر الواقع وتمردت عليه بانطلاقة ،1965 فيما تواصل خضوعها لأحكامه منذ اعتماد “النقاط العشر” سنة ،1974 إن لم يكن منذ 1968 كما يقول هاني الحسن، فأي الموقعين كان صحيحا وطنيا، وأيهما هو الخطأ التاريخي الذي يستوجب الاعتذار لشعب فلسطين وأمته العربية لتداعياته الكارثية على حاضر القضية ومستقبلها؟ سؤال اترك الاجابة عنه لمن لا يزالون أوفياء للثوابت التي نص عليها “الميثاق الوطني” للعام 1968.
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018