الدولة الفلسطينية رؤية أميركية خطرة على العرب!../ جميل مطر*

تناقشنا، في أكثر من محفل عربي ودولي، حول ما جرى وصفه بأنه تغييرات طرأت على السياسة الخارجية الأميركية في الشهور الأخيرة. يدور الحديث عن هذه التغييرات منذ ظهرت مؤشرات على أن واشنطن تضاعف اهتمامها بباكستان سياسياً وإعلامياً واستخباراتياً، إلى حد أن البعض، وأنا منه، كتب عن أن باكستان ربما حلت محل إيران في سلم الأولويات الأميركية.

وبالفعل كانت أنباء قد تسربت توحي بأن القيادة العسكرية الأميركية لا تشجع سياسة إدارة بوش في تصعيد المواجهة مع إيران إلى حد قد يؤدي إلى صدام عسكري في وقت تنشغل فيه المؤسسة العسكرية الأميركية باحتمالات نشوب حرب أخرى.

في ذلك الحين كانت الأوضاع السياسية في باكستان تتدهور بسرعة ومع هذا التدهور تصاعدت الخشية على مصير ترسانة القنابل النووية فيها. وانتهى القرار، فيما يبدو، إلى ضرورة مضاعفة الضغط على الرئيس الباكستاني للموافقة على تمركز القوات الخاصة الأميركية في منطقة القبائل، بهدف معلن وهو تدريبها على القتال وهدف غير معلن هو شراء ذمم شيوخها كما فعلت القوات الخاصة مع بعض شيوخ العراق وتفعل حالياً في أفغانستان، تنفيذاً متأخراً لنصيحة الديبلوماسية البريطانية.

وقع هذا التطور، أي الميل إلى التركيز على باكستان على حساب التصعيد مع إيران، قبل الإعلان عن تقرير أجهزة الاستخبارات الأميركية الذي منح إيران صك البراءة من تهمة الاستمرار في السعي لإنتاج السلاح النووي، فكان الصك بمثابة الإعلان الرسمي عن نية إزاحة إيران عن موقع الأولوية المطلقة في قائمة المواجهات الأميركية مع الخارج، استناداً، ربما، إلى أن سلاحاً نووياً مشهراً في باكستان هو قضية أهم وأعظم خطورة على أمن إسرائيل وسلامتها من سلاح نـووي في مرحلة الصنع أو مؤجل صنعه في إيران.

إلا أن مجمل مؤشرات التغيير كانت في اتجاه يترك الانطباع لدى الرأي العام الأميركي خاصة والدولي عامة أن الولايات المتحدة عازمة على إدخال تهدئة أو ربما تعديل على ممارساتها السياسية في الخارج. وكان هناك حرص واضح على أن تبدو هذه التهدئة كما لو أنها جاءت نتيجة لسياسة «الدفق» (Surge) التي انتهجتها إدارة بوش في أعقاب تعيين الجنرال بتريوس في العراق. بمعنى أنها لم تأت نتيجة ضعف وهزيمة بل انتصار في كل من كوريا الشمالية والعراق وأفغانستان.

في هذا الإطار، إطار تهدئة التوترات في السياسة الخارجية الأميركية وتخفيض العائد السلبي للسياسات التي اتخذت طابعاً عدوانياً على امتداد السنوات منذ عام 2001، وفي الوقت نفسه عدم التخلي عن مواقع أو مصالح حصلت عليها أميركا بفضل هذه السياسات، جاء التحرك الأميركي الجديد في القضية الفلسطينية.

وأظن أن السؤال الذي طرحته كوندوليزا رايس على نفسها وهي تنفذ بحرص وهدوء توصيات لجنة بيكر - هاميلتون، هو كيف تحصل للحزب الجمهوري على ثقة المواطن الأميركي خلال مرحلة الانتخابات وهي الثقة التي تدنت للغاية بسبب الأخطاء الهائلة التي ارتكبتها إدارة بوش، ولكن بشرط إلا يكون ثمن استعادة هذه الثقة فقدان مكاسب حققتها إدارة بوش على صعيد توازنات القـوى الدولية وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط.

بهذا المعنى تكون إدارة بوش قد قررت، في الحقيقة، «تجميل» شكل السياسات القائمة عن طريق تغيير بعض الأولويات وبعض الأساليب، وأهمها بين أشياء أخرى الاستخدام الواسع للمال في تهدئة أو إثارة النزاعات المحلية في الشرق الأوسط.

ومع افتراض حسن النية من جانب السيدة رايس، مع كل الشك القائم في فائدة استخدام مفهوم حسن النية لتحليل وتفسير علوم السياسة، لا اعتقد أنها حققت أي تقدم يحسب لها ولإدارة الرئيس بوش لصالح إقامة السلام في الشرق الأوسط. أعتقد أن العكس أقرب إلى الواقع، إذ أنه منذ أن وقع هذا اللقاء الغريب الشأن في مدينة أنابوليس، تدهور الوضع التفاوضي العربي وتخبطت السياسات العربية. ولم يكن خافياً على شـعوب المنطقة أن الضغط الأميركـي تجاوز الحدود المعقولة والمقبولة في الديبلوماسية والعمل السياسي.

وقد سمعت من صديق عربي شارك عن قرب في التحضير لقرار الذهاب أو عدم الذهاب إلى أنابوليس قوله: لقد تعرفنا خلال هذه المرحلة على شكل جديد من أشكال الإرهاب فما مورس من ضغوط أميركية وإسرائيلية في مرحلة الاعداد لهذا اللقاء يرقى، أو يتدنى، إلى مستوى لا يختلف كثيراً عن ممارسات الإرهاب، ولا يندرج تحت ما يمكن أن نسميه عملاً ديبلوماسياً أو سياسياً. لقد شعرنا أنه مثله مثل ممارسات إرهابية كان الهدف منه بث الشكوك في جدية الموقف العربي في مواجهة ضغوط أميركا وابتزاز إسرائيل. لم تكن الضغوط الاميركية خفية. وشعرنا، على مستويات مختلفة، أن المس بكرامتنا كشعوب ونخب سياسية وحكومات تجاوز كل حد.

من ناحية ثانية واتصالاً بالناحية الأولى، خرجت القيادات السياسية الفلسطينية في صورة أسوأ كثيراً من الصورة القائمة التي كانت عليها قبل أن تطلق رايس مبادرتها الأخيرة. ولا تقتصر الصورة الأشد سوءاً على إبراز حالة الفوضى السائدة داخل الطبقة السياسية الفلسطينية أو حالة فسادها أو تشرذمها أو تفاهة الجديد من خطاباتها وأطروحاتها السياسية والوطنية، بل لعلها كشفت من دون قصد عن الفوضى السائدة في العلاقات بين الحكومات العربية والقيادات الفلسطينية أينما كان موقعها. ومع ذلك، ما زال الشتات الفلسطيني في أغلب انتماءاته واتجاهاته، صامداً ومستعداً كاحتياطي هائل للأفكار والمبادرات والاستعداد لضبط إيقاع الحركة الفلسطينية في الوقت المناسب.

المؤكد حسب رأيي أن السيدة رايس مدفوعة بحالة إحباط شديد في أوساط الحزب الجمهوري وبحالة غضب بين قيادات الحزب قررت توظيف جوانب في السياسة الخارجية لخدمة أهداف الحزب في الانتخابات القادمة. وهذا يعني التحرك في أكثر من اتجاه في وقت واحد والإيحاء بتغيرات نحو اعتدال يرضي قيادات ومصالح مالية واستثمارات أميركية، مع التأكيد للقيادات المسيحية في اميركا المتحالفة مع الصهيونية ولمؤسسات «المحافظين الجدد» وأفرادهم، أن شـيئاً جوهـرياً في أهداف إدارة الرئيس بوش لن يتغير. بمعنى آخر سيكون التغيير في الشكل وفي اتجاهات الحركة الديبلوماسية وأساليبها، وإلى حين.

في فلسطين يتجسد واضحاً هذا الخط الجديد في الديبلوماسية الأميركية. فالهدف ما زال كما كان على امتداد عهد بوش، السماح لإسرائيل بالتوسع إلى أقصى حد في الأرض حسب الظرف والتخلص إلى أقصى حد من الفلسطينيين حسب الظرف أيضاً وحمايتها إلى أقصى حد من انتقادات المجتمع الدولي. وقد بقيت رايس وبوش الابن، حريصين على التزام الوعد بإقامة الدولة الفلسطينية يوم ينفذ القادة الفلسطينيون شروطاً يعرف الجميع أنهم لن يقووا على تنفيذها، وحين يقوون لن يسمح لهم بدولة فلسطينية. ويعرف المسؤولون الأميركيون أن الوعد، مجرد الوعد، بالدولة الفلسطينية المستقلة المعزولة والمفككة والمنزوعة السلاح والإرادة، تحقق أم لم يتحقق، يبدو كافياً لإرضاء الحلفاء الأوروبيين، فضلاً عن أنه الحجة الوحيدة التي تستخدمها بعض الحكومات العربية في مواجهة انتقادات شعوبها لتدهور عملية السلام وخفض كراهيتها للولايات المتحدة. ولا ننسى أن فكرة الدولة الفلسطينية في الأصل هي فكرة دولية قبل أن تكون فكرة أميركية.

وما زالت قطاعات النخبة الحاكمة في فلسطين وخارجها صامدة في التزامها باقامة الدولة وغير مستعدة للتراجع عن موقفها منها. يلفت النظر في هذا الصمود أنه يستمر في وقت تنهار فيه دول مستقلة واحدة بعد الأخرى، أو تعجز فيه دول أخرى عن أداء المطلوب منها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً فتسقط ويحكم عليها الأميركيون والمجتمع الدولي بالفشل، ويتعاملون معها كخطر يهدد الاستقرار العالمي. ويحق لنا الآن، كما يحق لكثير من فلسطينيي الشتات، أن نسأل ماذا جنى الفلسطينيون من انتهاج قياداتهم «الثورية» السياسات التي انزلقوا إليها خلال العقدين الأخيرين؟ المؤكد أن البعض منهم جنى ولفترات متقطعة رضى واشنطن رغم أن الجميع دفعوا الثمن باهظاً من عدم الاستقرار الداخلي وازدياد معدلات العنف السياسي والتطرف الديني.

نقول لواشنطن، وقال لها عدد من حكماء أميركا وأوروبا، إن سياستكم تجاه فلسطين وإسرائيل جلبت لكم كراهية شعوب الشرق الأوسـط وتسـببت في مشكلات أخرى مع الحلفاء وتعقدت بفضلها حلول أزمات دولية عدة وأضافت زخماً لما يعرف بحروب الإرهاب. أما نحن فنقول لقياداتنا السياسية في العالم العربي أنه لم يعد ممكناً إنكار أن السياسات تجاه فلسطين وإسرائيل جلبت لنا الضرر، وأشد الضرر ما وقع في الوعي العام ومنظومة القيم وكبرياء الأمة وعزتها.

هل يوجد بين قادة فلسطين من قال لبوش خلال زيارته أو يقول له بعدها: لا نريد دولتك الفلسطينية؟ هل يوجد من يعترف بأن شعار إقامة الدولة على شبـر من الأرض الفلسطينية كان، وما زال، خطأً وخطراً؟ هل بإمكاننا أن نتعالى عن أن نكون بقضايانا العراقية والفلسطينية وبسياساتنا الداخلية، مجرد بند في حملة انتخابية؟
"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018