نحو صحف متطورة../ جميل مطر


يقول آخر خبر عن الصحافة في أمريكا إنها فقدت حوالي 2400 وظيفة في عام 2007، وتعلق الجمعية الأمريكية لمحرري الصحف على هذه الزيادة بأنها الأكبر منذ كساد عام 2001.

وتقول الإحصاءات الحديثة إن أسهم صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية فقدت نصف قيمتها الاسمية في أسواق المال منذ عام 2004، وبشكل خاص في عام 2007، ثم اتضح أن العائلات المالكة لصحيفتي “لوس أنجلوس تايمز” و”وول ستريت جورنال” باعت أنصبتها في الصحيفتين. وينصح البنك المركزي الألماني عملاءه ببيع ما يمتلكون من أسهم في صحيفة “نيويورك تايمز”. ولتعويض جانب من خسائرها قامت صحيفة “واشنطن بوست” بتنويع أنشطتها الاستثمارية فأقامت شركة إعلامية تربوية تدر عليها حاليا جانبا كبيرا من دخلها.

قد لا تكون هذه الأرقام الدليل الأعظم على انحسار الصحافة المطبوعة إذا قورنت باستطلاعات الرأي التي تنقل عن القارئ الأمريكي شكوكه في صدق ما تنقله هذه الصحف، إذ اتضح أن أمريكياً من كل خمسة لا يصدق أغلب ما يقرأه في صحيفته اليومية. وأن القارئ الأمريكي العادي يقضي وقتا أقصر مما اعتاد أن يقضيه مع صحيفته، وأن متوسط عمر قارئ الصحف في أمريكا صار يتجاوز الخمسة والخمسين عاما، بمعنى أن الأغلبية الكبرى من الشباب ومن هم في أواسط العمر لا يقرأون الصحف.

أشارك القائلين إن هذه الأخبار فعلا خطيرة. هي بالتأكيد خطيرة بالنسبة لمن اختار الصحافة مهنته وأكثر خطورة للطلبة والشباب الذين يفكرون في اختيارها مستقبلا لهم ومصدر دخل ومهنة، وبخاصة هؤلاء الذين يعتبرونها ذروة حلم لم يفارق مراحل تطورهم ونضجهم. ورغم ذلك ففي اعتقادي أن النساء والرجال الذين تجري في عروقهم دماء مختلطة بحبر الكتابة أو حبر الطباعة، ومن حسن حظي أنني أعرف بعضهم، هؤلاء لن يتسرب إليهم الشك في أن الصحافة كما ألفوها تمر في مرحلة يغطيها ضباب نكسة وأن النهوض من هذه النكسة ممكن لو ركزوا الجهود على تطوير الفن الذي عشقوه وتفرغوا له، ليتواءم مع ما يحدث على الشبكة الالكترونية، ويتجاوز ما أصابه نتيجة انشغال الناس ببرامج الأخبار التلفزيونية، وبخاصة الفضائية.

والشائع الآن أن المدونات تحظى بالمكانة الأولى بين مصادر التهديد الكبرى للصحافة المطبوعة، فقد استطاعت المدونات الأمريكية، وبنجاح خارق، أن تحقق ما لم يكن ممكنا أن تقوم به الصحف المطبوعة حين تصدت لفساد الشركات العملاقة المالكة للصحف الأمريكية الكبرى وأدوات الإعلام الأخرى وبخاصة التلفزيون. لم يتعود قراء الصحف الأمريكية على أن يقرأوا تحقيقات أو آراء تنتقد سلوكيات أصحاب الصحف وتدخلهم المباشر أو غير المباشر في التحرير، هذا بالرغم من كل ما يقال عن حرية الصحافة في الولايات المتحدة واستقلال التحرير عن الإدارة.

جاءت المدونات لتصحح هذا الوضع حين تولت مسؤولية انتقاد أصحاب الصحف والناشرين إن هم أساؤوا إلى مبدأ حرية التعبير أو تدخلوا لصالح جماعات ضغط بعينها، أو سمحوا للإعلانات وعائداتها بتجاوز الحدود المعقولة للموضوعية والشفافية. لقد اكتشفت أمريكا قوة المدونات ودورها ضد المصالح الاحتكارية الكبرى في الولايات المتحدة، وبخاصة في قطاع الصحافة، مرتين. اكتشفتها في المرة الأولى عندما تماشت معظم الصحف المطبوعة مع الموقف الرسمي الأمريكي من الحرب في العراق. حدث هذا عندما سكتت عن خرافة أسلحة الدمار الشامل ودور أحمد الجلبي وتواطئه مع جهاز نائب الرئيس الأمريكي وجماعة اليمينيين الجدد، وعرفنا فيما بعد أن المعلومات الحقيقية كانت متوافرة وشاءت الصحف الكبرى أن تتفادى تحدي إدارة الرئيس بوش. وأعادت اكتشافها مرة ثانية عندما نشرت المدونات تفاصيل فضائح المصالح والشركات الكبرى التي تزاحمت على الاستفادة من كارثة إعصار كاترينا، وهي الفضائح التي كشفت حجم الفساد في العلاقات بين مستويات عليا في البيروقراطية الأمريكية وهذه الشركات، ولم تقم الصحف بهذا الدور وهو دورها في المقام الأول، وتعللت بأسباب بدت غير مقبولة للقارئ والرأي العام في مجتمع يقوم قادته بالتبشير بحرية الفكر والرأي.

ولقيامها بهذا الدور حصلت المدونات على صدقية واسعة لدى الملايين من مستخدمي الشبكة الإلكترونية. وقد تسبب هذا الانتشار الكبير في وقوع منافسة محمودة بين المدونين للالتزام بعقد أخلاقي “غير مدون” للمحافظة على هذه الصدقية ولتقديم خدمة متميزة للرأي العام لم تعد تقدمها الصحافة المكتوبة. من ناحية أخرى ارتاح مستهلكو المدونات إلى حقيقة أنهم كمستفيدين من المعلومات والآراء التي تعرضها المدونات استحسنوا ممارسة التفاعل مع المدونة في اللحظة التي تنشر فيها المعلومة أو الرأي، والتفاعل في الوقت نفسه مع مستهلكين آخرين، وهي التفاعلات التي يفتقدها قراء الصحف. فالصحيفة المطبوعة لا تتفاعل مع قارئها إلا بعد حين، وإن تفاعلت فتتفاعل على مستوى ثنائي، أي في شكل علاقة بين محرر وقارئ، بينما في حال المدونة يجري التفاعل بين الكاتب والمستفيدين مباشرة، وبين المستفيدين وبعضهم بعضاً. هذه العلاقة الفورية المباشرة تضع على كاهل “المحرر” مسؤولية كبيرة، لأنها تصبح بمثابة أهم رادع عرفته الصحافة المعاصرة للتجاوزات والكذب والتزييف والنفاق السياسي. فالكاتب في مدونة لا يستطيع الزعم بأن رئيس التحرير تدخل في كتابة أو صياغة النص، أو أن جهة ما خارجية أو داخلية ضغطت للتأثير، ففي النهاية سيقوم مستفيد من المتعاملين مع الشبكة بالرد في الحال بوقائع تستنفر المستفيدين الآخرين.

كذلك قدمت المدونة الأمريكية، والمدونات في كافة أنحاء العالم، خدمة لا تستطيع تقديمها الصحيفة المطبوعة. فالمدونة عادة ما تعلق على قضية واحدة، أي أنها تصدر عددا خاصا لكل قضية تهم الرأي العام، كما حدث عندما انتفض عدد كبير من مدونات أمريكا ضد تعيين جون بولتون سفيرا للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وعندما قام الرئيس الأمريكي بتعيين الجنرال بترايوس قائدا لقوات أمريكا في الشرق الأوسط، وهي المكلفة في حال تدهور العلاقات مع إيران، إسقاط النظام فيها أو حماية هجوم “إسرائيلي” عليها.

هكذا، وبسبب المدونات والمدونين، أصبحت الصحيفة المطبوعة وسيلة بطيئة ولعلها الأبطأ بين وسائط الميديا، وهكذا أيضا صارت تبدو باردة وغير مستجيبة، بل لعلها الأشد ابتعادا عن متلقي الرسالة الإعلامية والمستفيد بها. وليس هذا على كل حال أهم ما يشغل المهتمين بمستقبل الصحافة في هذا الموضوع، فالعبقرية الصحافية مازالت قادرة على مواجهة هذه التحديات وكثير غيرها، وبعض الصحف نجح بالفعل في تجاوز أزمات كثيرة بفضل الإخلاص للمهنة والإيمان بحرية الكلمة وضرورة منحها كافة الفرص وفتح كافة الأبواب أمامها وبفضل توفر الثقة بالنفس ومتابعة تجارب الآخرين.

إن ما يشغلني، وأعتقد أنه يشغل كثيرين، هو الحال الذي انحدر إليه “سجال الأفكار”، ومن قبله الحال الذي انحدرت إليه الأفكار نفسها. يشعر أغلب من أتصل بهم أنه منذ نهاية الاستقطاب الأيديولوجي في مطلع التسعينات من القرن الماضي انحدر الفكر السياسي العالمي إلى أدنى مستوياته خلال قرنين من الزمن. يبدو لنا الآن أن الخلافات السياسية الأيديولوجية كانت دافعا لفكر خلاق في كافة المجالات. وقد أسس هذا الفكر لمدارس متنوعة في الفلسفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وعلوم الجمال والأخلاق والفنون ظهرت وانتعشت في الغرب وانتقلت إلى الشرق، ثم خبت وتكاد الآن تنطفئ. بمعنى آخر، لم تتضمن المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وزوال وضع الاستقطاب الثنائي بين الماركسية والرأسمالية عناصر كافية تتحدى عبقرية المفكرين وتستثير قدراتهم الإبداعية. وأقوى دليل على صحة هذا الرأي هو أن أفكارا كثيرة ظهرت في عقد التسعينات وأثارت سجالا لأمد قصير سقطت لينساها التاريخ، ومنها، أو في صدارتها، صدام الحضارات ونهاية التاريخ وانتصار الرجل الأبيض وسمو ثقافة الغرب على غيرها من الثقافات.

ومع ذلك أخشى أن تؤدي المبالغة في الانبهار بالمدونات، كما أدى الانبهار ببرامج الكلام في الفضائيات وغيرها من القنوات التلفزيونية، والاستغراق في ممارسة الاستجابات السريعة لما تطرحه المدونات من معلومات ومواقف وأفكار، إلى زيادة في تسطيح التفكير وجدب الأفكار. ولا حل سريعا وممكنا في نظري إلا باستعادة اهتمام القارئ بالصحف المطبوعة وإثارة الحوار حول قضايا كبرى وأفكار أكبر.
"الخليج"