لبنان شرارة الحرب الاقليمية../ عبد الباري عطوان

يتفق معظم السياسيين والمحللين في لبنان على ان الحرب الأهلية خط احمر، لان جميع الاطراف، في الحكومة والمعارضة، تدرك النتائج الخطيرة التي يمكن ان تترتب عن المواجهات العسكرية اذا ما انفجرت، ولكن من يتابع الأوضاع على الارض وتطوراتها في الايام القليلة الماضية، يخرج بانطباع شبه مؤكد بان الحرب آتية، والتعايش اصبح موضع شك.

لبنان ليس جزيرة معزولة، ولا يمكن ان يكون كذلك، حتى لو ارادت ذلك بعض القوى المتفائلة في اوساطه، لبنان يظل جزءا من منطقة ملتهبة، يشكل مقياس حرارتها، بفعل وضعه الجغرافي، وتركيبته الديموغرافية والمذهبية المعقدة التي تحوي في داخلها مستودعا ضخما من العناصر المتفجرة يبحث عن عود الثقاب.

من شاهد منظر النيران وهي تشتعل في الاطارات القديمة، جنبا الى جنب مع السواتر الترابية، والسيارات القديمة التي ادت الى قطع طريق مطار بيروت، وأنا شاهدتها بعيني ومررت بجانبها، يدرك دون تردد ان ما يحدث هو مقدمات حرب، وليس مجرد عرض عضلات، او دعم اضراب للمطالبة بتحسين اوضاع العمال الاجتماعية والاقتصادية.

السيد مروان حمادة وزير الاتصالات اللبناني الذي تعرض لمحاولة اغتيال اتهم سورية بالوقوف خلفها، قال امس ان لبنان لن يصبح قمرا اصطناعيا ايرانيا ولا نعرف لماذا استثنى سورية من هذا التوصيف، ولكن هناك من سيرد عليه من الطرف الآخر بقلب العبارة نفسها، والقول بانه لن يسمح بتحويل لبنان الى قمر اصطناعي امريكي ايضا.

التوتر بدأ يتجه نحو التصعيد وبالتالي المواجهة بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد وليد جنبلاط أحد ابرز اقطاب الموالاة، وكشف فيه عن شبكة كاميرات تجسسية نصبها حزب الله لمراقبة مطار بيروت، والحركة فيه، ورصد تحركات فريق الموالاة. الحزب لم ينف ذلك، وقال على لسان نائبه السيد نعيم حداد انها شبكة اتصالات مرتبطة بالمقاومة واستراتيجيتها.

التراشق السياسي، عندما يتوازى مع عملية تجييش للأطراف المتصارعة، واستيراد كميات ضخمة من الاسلحة، وتدخلات خارجية، وتحريض مذهبي وسياسي، فان تجنب المواجهات العسكرية يصبح عملية شبه مستحيلة. فكيف يمكن الاستمرار في حصر الصراع في اطاره السياسي السلمي، وقنوات الحوار مسدودة بالكامل، والتوافق على مخرج لأزمة الفراغ الدستوري بات متعذرا، والوساطة العربية وصلت الى طريق مسدود؟

فعندما تطالب المملكة العربية السعودية، وهي التي علم سفيرها بقرار الحرب وموعدها على العراق قبل كولن باول، رعاياها بعدم السفر الي لبنان، وتنصح من بقوا فيه بالمغادرة فورا، وعندما يؤكد ديفيد وولش مساعد وزير الخارجية الامريكي للبنانيين بان عليهم ان يتعودوا على عدم وجود رئيس للجمهورية في قصر بعبدا، وعندما ينتقل السيد وليد جنبلاط، بوصلة الموالاة، من التهدئة والتبريد الى التصعيد في ايام معدودة، فإن اكثر الناس سذاجة في لبنان سيدرك ان الحرب قادمة لا محالة.

في منتصف السبعينات انفجرت الحرب الاهلية، وكانت المقاومة الفلسطينية طرفا فيها، ووجدت الجهات التي وقفت في الخندق المقابل الحجة القوية لاتهام الغرباء بالعمل على تدمير لبنان، وقالت انها تطالب بإنهاء ظاهرة دولة المقاومة الفلسطينية التي هي داخل الدولة اللبنانية، وتحرير البلاد من الفوضى والهيمنة الخارجية.

بالأمس اتهم مفتي الجمهورية اللبنانية للطائفة السنية، الشيخ محمد رشيد قباني حزب الله الشيعي، بمحاولة الهيمنة على لبنان بدعم خارجي (ايراني) تحت غطاء المقاومة، مؤكدا ان السنة ضاقوا بالتجاوزات وانه لن يتم السماح بإقامة دولة داخل الدولة.

هذا الترديد للمصطلحات نفسها التي استخدمت قبيل الحرب الاهلية السابقة، لا يمكن ان يكون مجرد صدفة، ولكن الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين، هي ان المقاومة التي يتزعمها حزب الله ليست مقاومة الغرباء، وان الدولة التي يريد اقامتها داخل الدولة هي دولة لبنانية، وليست فتح لاند.

التجاوزات مرفوضة، ونزول المسلحين الى الشوارع وقطع الطرق، والاحتكام الي التفوق العسكري كلها اعمال مدانة دون شك. ولكن لا يمكن القول بان الطرف الآخر بريء تماما، وغير مرتبط بمشروع اجنبي له علاقة بالاستعدادات الامريكية الجارية لسحق المقاومة في فلسطين ولبنان لانها باتت تشكل ازعاجا لاسرائيل وطموحاتها في الهيمنة.

الذين اخرجوا المقاومة الفلسطينية لمصلحة امريكية ـ اسرائيلية، وتحت ذريعة تأكيد استقلال لبنان وسيادته، لا يستطيعون اخراج المقاومة اللبنانية، وابعاد عناصرها الى ايران، مثلما ابعدوا عناصر المقاومة الاولى السنية الى تونس وقبرص واليونان.

المنطقة العربية تهرول نحو الحرب، والسبب في ذلك يعود الى خطة امريكية محكمة لتفجيرها ابتداء من لبنان، بهدف استرداد هيبة الجيش الاسرائيلي المفقودة والمهانة بسبب حرب صيف العام قبل الماضي، وتنامي قوة المقاومة في المقابل، وانهيار مفاهيم الحرب القديمة التي كانت تقوم على عنصر الصدمة اي ارهاب الطرف المستهدف بكمية هائلة من القصف الجوي مما يدفعه الى الاستسلام ورفع الرايات البيضاء فورا.

امريكا استخدمت اسلوب الصدمة واحتلت العراق، مثلما احتلت افغانستان قبله، فهل سيطرت علي البلدين، وهل حققت الاستقرار، واستولت على السيادة؟ الاجابة بالقطع لا، والنفقات العسكرية الباهظة التي ترتبت على هذا الاسلوب ماديا وبشريا ستؤدي حتما الى افلاس هذه القوة العظمى الوحيدة في العالم.

اسرائيل تخطط للحرب، وتستعد لخوضها ضد حزب الله في لبنان، و حماس و الجهاد وفصائل المقاومة الاخرى في فلسطين بتشجيع امريكي، والا كيف نفهم رفضها المفاجئ للوساطة المصرية بالتهدئة في قطاع غزة، وهي التي استجدتها طوال الاشهر الماضية؟

لبنان سيكون الضحية، مثلما كان العراق، وقبله الكويت، وقبل الجميع الشعب الفلسطيني، فلعبة الامم الجديدة التي تقودها امريكا في المنطقة لا ترحم احدا، وهي مستعدة لسفك دماء الابرياء تلبية لمصالح الهيمنة على النفط واحتياطاته وامداداته. وعلينا ان نتذكر ان مليونا ونصف المليون عراقي هلكوا حتى الآن بسبب احدى حلقات هذا المخطط الامريكي.

نتمنى ان لا ينجر لبنان الى الحرب الاهلية، ونصلي من اجل ان تتحلى الاطراف اللبنانية، وخاصة حزب الله باعتباره القوة الاعظم عسكريا، والاكثر استهدافا من قبل امريكا واسرائيل، بالعقل والحكمة، بما يؤدي الى سحب المسلحين، وفتح الطرق، وسد كل الذرائع امام الذين يتصيدونها لتفجير الموقف. ولكننا نعتقد ان هذه الحكمة ربما تؤجل المواجهة، ولكنها لن تمنعها في نهاية المطاف، فلبنان قد يستخدم طعما لضرب ايران، مثلما استخدمت الكويت كطعم لاصطياد العراق ومن ثم تدميره لانه حاول امتلاك اسباب القوة التي تحقق التوازن مع اسرائيل.