غضب محمود عباس../ إلياس سحاب


كدنا نكون على ثقة تامة (في مواقف سابقة)، بأن “الغضب”، ليس بين الصفات السياسية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لكن أبا مازن فاجأنا أخيراً بأن خطاب الرئيس الأمريكي بوش أمام الكنيست “الإسرائيلي”، حرك فيه مشاعر الغضب. وهو بلا جدال غضب ناجم عن شدة التناقض بين الكلام الامريكي المعسول عن ضرورة مساعدة شعب فلسطين على الخروج من محنته، وحقه بدولة مستقلة متواصلة الأطراف وليس كقطعة الجبنة السويسرية (على حد التعبير الذي يكرره بوش)، والموقف الأمريكي السياسي العملي، الذي يمحض “إسرائيل” تأييداً حماسياً أعمى ومتواصلاً في كل ما تفعله لضرب أي احتمالات فعلية لقيام الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها.

لكننا مع التعبير عن مفاجأتنا السارة بتعبير أبي مازن عن غضبه، بعد أن اعطانا شعوراً وبرهاناً في مواقف سابقة كثيرة مشابهة، بأنه لا يغضب، فإن كل أملنا ورجائنا أن يكون غضب رئيس السلطة الفلسطينية غضباً سياسياً، لا شخصياً.

فالغضب الشخصي في مثل هذه الحالات، ما يلبث أن يهدأ تدريجياً إلى درجة نسيان دواعي الغضب، واستئناف التحرك السياسي كأن شيئاً لم يكن.

أما الغضب السياسي فهو يقود حتماً إلى أمرين حتميين:

البحث في العمق عن الأسباب التي كونت المواقف التي أدت الى الغضب، لأخذ العبر والدروس ذات العلاقة.

البحث عن السبل العملية الآيلة إلى عدم تكرار هذه المواقف التي ادت إلى الغضب إن أمكن، وإلا فالبحث عن مصادر القوة التي تمكن في المستقبل من مواجهة هذه المواقف، إذا أصر الطرف الآخر (وهو هنا الطرف الامريكي)، على تكرارها.

ذلك أن قضية فلسطين، لا تحتمل بعد امتداد عمر النكبة إلى ستين عاماً عقيمة في مجملها، أن تظل مسرحاً لمواقف عربية وفلسطينية تكتفي بالاستشاطة غضباً حتى الغليان، ثم ينطفئ بركان غضبها ويهدأ، وتبقى القضية على حالها: أرضاً سائبة وحقوقاً سائبة، تواصل “إسرائيل” والحركة الصهيونية قضمها بدعم أمريكي لا سابق له، لا يخجل من المشاركة الاحتفالية في ذكرى جرائم الاغتصاب.

ولعل الرئيس محمود عباس، هو في هذا السياق أكثر السياسيين الفلسطينيين حظاً منذ عقود كثيرة، لأنه جاء على رأس جيل تراكمت وراءه وأمامه تجارب كثيرة لاعتماد الغرب خصماً وحكماً، مارستها القيادات الفلسطينية السابقة باندفاع هائل وحماسة مطلقة، من دون أن تتقدم أي من هذه التجارب بالقضية خطوة واحدة إلى الأمام، بل تراجعت بها عشرات الخطى إلى الوراء، الذي يكاد يصبح لا وراء خلفه.

إن الرئيس محمود عباس ليس مضطراً لاستعادة التجارب المريرة لبعض القيادات الفلسطينية التي قررت في النصف الأول من القرن العشرين التعامل بانفتاح كامل مع سلطات الانتداب البريطاني، وحتى مع قيادات الحركة الصهيونية، باسم الواقعية السياسية. فتلك الظروف انقلبت وتبدلت أكثر من مرة، منذ ذلك الوقت، وحتى يومنا هذا.

أبو مازن يستطيع الاكتفاء بعبر ودروس ما جنته قيادة سلفه المباشر “أبي عمار” من سياسة الواقعية التجريبية غير المبنية على استراتيجية واضحة، غير “استراتيجية” الغضب كلما فشلت تجربة من تجارب “الاعتماد على الخصم حكماً”، والبحث عن تنازل آخر يقدمه لهذا الخصم. لعله يمارس دوره كحكم بمزيد من العدالة والتوازن في التجربة التالية. لقد ظل أبو عمار يقدم التنازل تلو التنازل للغرب (لعله يكون خصماً وحكماً عادلاً ولو مرة واحدة)، وينجح بإشعاع قيادته التاريخية بإقناع كل مؤسسات العمل السياسي الفلسطيني، بأن هذا التنازل، وراءه هذه المرة مكسب مؤكد مضمون.

وكادت لعبة ياسر عرفات “البراغماتية” هذه تبدو في ذروة نجاحها، بعد اتفاقيات اوسلو، التي كان افدح تنازل فيها مسايرة الغرب أخيراً في اعتبار الصراع فلسطينياً - “إسرائيلياً”، وليس عربياً “إسرائيلياً” (تتساوى مسؤولية أبي عمار مع مسؤولية قيادات الأنظمة العربية عن ذلك التنازل).

وبدأت “خيرات” اتفاقية اوسلو الوهمية تهطل مناطق كاملة الخضوع للسلطة الفلسطينية، باتجاه شمول ذلك بقية المناطق الفلسطينية، وتطور ذلك كله باتجاه تكوين الأسس الطبيعية والعملية للدولة الفلسطينية.

غير أن ما حدث فعلياً، وبعد أشهر قليلة، هو تبخر كل ثمار اتفاقية اوسلو على الأرض، وسقوط أبي عمار في سنوات عمره الثلاث الأخيرة، قائداً وحيداً محاصراً، ليس بين يديه اكثر من ان يكظم غيظه وغضبه، بلا أي طائل، حتى الموت.

ولعل الرئيس محمود عباس لا ينسى أن ياسر عرفات (وقضية فلسطين معه) واجها هذا المصير، وهو في ذروة لمعان قيادته التاريخية، وهو في أقصى درجات الإمساك بوحدة الشعب الفلسطيني وكافة قواه السياسية والمقاومة.

ترى ماذا سيفعل أبو مازن بغضبه، مهما اشتد، وهو خالي الوفاض من الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومن استراتيجية موحدة للعمل الفلسطيني، فيما إذا اصرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على لعبة الخداع المستمرة المملة: كلام معسول لشعب فلسطين من حين لآخر، وتأييد كاسح ماسح ودائم لخطوات “إسرائيل” في قضم ما تبقى من أرض وأسس الدولة الموعودة؟
"الخليج"