قراءة في بيان المجلس الثوري لحركة فتح في دورته الـ35../ يونس العموري

يبدو ان حركة فتح ومن خلال هذا الحراك الذي تشهده في الآونة الأخيرة قد انتبهت وتنبهت لضرورة عودتها للإمساك بزمام المبادرة على مختلف المستويات السياسية والتنظيمية، وهذا على الأقل ما يتضح من خلال مقررات ومطالعات المجلس الثوري في دورته ال (35).

ومن خلال قراءة هذه القرارات نلمس أولا النفس الفتحاوي الأصيل وعودته الى خطاب المؤسسة الفتحاوية الرسمية، وعلى ذلك فإن المجلس الثوري قد أكد الحرص على سلامة المسيرة الوطنية، والتصميم على مواصلة النضال لانجاز المشروع الوطني في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس.

من هنا تكمن أهمية وريادية حركة فتح كضمانة للمشروع الوطني في الحرية والاستقلال والإبقاء على الجهوزية والإستعدادية الكاملة لمواصلة النضال الوطني بكافة أشكاله. واعتقد ان هذا ما لمسناه من خلال الخطاب الفتحاوي الوارد في بيان المجلس الثوري الأخير.

وقبل المباشرة بتحليل معطيات بيان المجلس الثوري لحركة فتح اعتقد ان ثمة ملاحظات من الضروري التوقف عندها، وأول هذه الملاحظات يأتي حول طبيعة اللغة المستخدمة في صياغة البيان الختامي لأعمال الدورة الـ(35) للمجلس، والتي جاءت لغة فتحاوية نضالية كفاحية بإمتياز، الأمر الذي يؤكد ان أعضاء الثوري قد توقفوا مطولا امام المستجدات الراهنة، وباتوا على قناعة ان الفعل السياسي وتفاعلات الأحداث تتطلب العودة وان كان بالشكل المعبر عن مضمون وحقائق التوجه المستقبلي، قد اصبح حاجة أساسية في ظل هذه المرحلة التي يصفها الكثير من الساسة والمراقبين بأنها من ادق واخطر المراحل التي عبرتها المسألة الفلسطينية خلال العقود المنصرمة.

وقد جاءت قرارات المجلس الثوري لتضع النقاط على الحروف مجددا في أتون معادلة فرض الحقائق التاريخية والوطنية على مختلف الجبهات والصعد.. وأعادت هذه القرارات الأصالة والريادة للتوجهات العمومية للمسألة الوطنية، حيث ان فتح وبكل موضوعية كانت قد غابت لفترة ليست بالقصيرة عن لغة التفاعل النضالي والكفاحي في أروقتها.

وفي هذا السياق فقد أكد المجلس الثوري (تمسك فتح بالحقوق الوطنية الثابتة في الوطن الفلسطيني التاريخي). وهذا النفس انما يشكل الرد الطبيعي والفعلي على الغطرسة الإسرائيلية ووتلاعبها بمسار ما يسمى بالعملية التسووية... وبذات التوجه وحينما يتحدث المجلس عن الغزوة والمؤامرة الاستعمارية الصهيونية التي اغتصبت الوطن، واقامت اسرائيل على انقاض الكيان الوطني، فإنما يعاود مجددا التأكيد على أصالة التوجه الإستراتيجي وابراز حقيقة المنطلقات الجذرية للصراع وهو ما قامت عليه فتح بالأساس.

واستمرارا لهذه الحالة وانسجاما وأصالة الفهم الفتحاوي الإستراتيجي كان لا بد من التأكيد وبشكل رسمي ولا يدع مجالا للشك مطلقا على ان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى وطنهم وديارهم التي شردوا منها بقوة السلاح والعدوان والمجازر حق وطني مشروع غير قابل للتصرف، بمعنى ان ثمة اعلانا فتحاويا بارزا غير قابل للتأويل او التحريف والمتمثل بالتمسك الكامل بحق العودة الذي أكد عليه قرار الأمم المتحدة 194.... بل ان المجلس الثوري قد مضى إلى أبعد من ذلك حينما أدان بوضوح حكومة اسرائيل التي ترفض وتتحدى قرارات الشرعية الدولية، داعيا مجلس الأمن الدولي الى ممارسة صلاحياته، متسائلا بالوقت ذاته الى متى من الممكن بقاء اسرائيل المعتدية والمحتلة دولة فوق القانون الدولي؟ والى متى تستمر سياسة ازدواجية المعايير على المستوى الدولي؟ وان مسؤولية تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194 تقع على عاتق الاسرة الدولية.

وفي هذا المجال ايضا عبر التوجه الفتحاوي هذا عن عمق لفهم الظرف الراهن، حيث ادرك خطورة الطرح الإسرائيلي القديم الجديد لما يسمى بيهودية الدولة رافضا هذا التوجه وهذا الطرح، الذي يعبر عن عنصرية شوفينية تكشف حقائق ووقائع الدولة العبرية التي تحاول تكريس الفهم الإيدولوجي الصهيوني الديني والهادف طبعا الى تنفيذ عملية ترانسفير جديدة للعمق العربي بالداخل الفلسطيني.

كما جاء البيان بشكل صارخ ليرفض ما ورد في خطاب الرئيس بوش في الكنيست الذي جسد الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل ولاحتلالها واستيطانها وتنكرها لقرارات الشرعية الدولية. وهذا برأيي أعلى درجات التعبير عن الضمير الوطني الفتحاوي بهذه المرحلة برغم كل ظروفها ومعطياتها.

وقد اتسم خطاب فتح ببيان المجلس الثوري بأنه كان جريئا وواضحا تجاه مسار العملية السلمية، حيث اعتبر ان المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية وصلت إلى طريق مسدود. وهو ما يعني فتح أو إعادة فتح آفاق جديدة للعمل العمل الفلسطيني بعد أن تبين حقيقة مسار الفعل التسووي على الأرض، وانكشاف الفهم الإسرائيلي لما يسمى بالعملية السياسية السلامية.

وهو الأمر الذي يعني ان هكذا تأكيد من قبل حركة فتح ومن خلال مؤسسة المجلس الثوري من شأنه ان ينسجم وتقييم الكل الوطني النضالي الكفاحي حول مسيرة المفاوضات، وبالتالي هي نقطة إلتقاء فعلية ما بين القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وفي القلب منها فصائل منظمة التحرير، على اعتبار أن هذا الاستخلاص النظري والسياسي الهام للمجلس الثوري لحركة فتح من الطبيعي أن يضع حداً للرهان على هذه المفاوضات ورعايتها ومرجعياتها ويعيد الاعتبار للشرعية الدولية اطاراً ومرجعية وقراراًت، الأمر الذي يتطلب وضعه موضع التطبيق الجاد والحازم. وهو تقريبا ما يصوغ مفاهيم العمل السياسي الفلسطيني من جديد، مما يعني ان المجلس الثوري قد استطاع هذه المرة وبكل قوة وحزم من ان يواجه وقائع الظرف السياسي الراهن، وبالتالي كأن فتح من خلال المجلس الثوري تدعو الكل الفلسطيني لضرورة فتح آفاق العمل السياسي من جديد، حيث مثلت دعوة فتح إلى مراجعة الأسباب التي أوصلت " الخيار التفاوضي " إلى طريق مسدود، ودعوة فصائل منظمة التحرير للمشاركة في " وضع البديل النضالي بكل الوسائل المتوفرة "، موقفاً وطنياً مسؤولاً ويمثل منطلقاً وهدفاً للشروع في حوار وطني وشعبي شامل لتقييم ومراجعة هذا النهج وما انتهى إليه الشأن والمشروع الوطني.

وكل ذلك يعني عودة الأمور الى نصابها القانوني والشرعي، بصياغة وطنية حقيقية وفعلية تُحرم وتُجرم اللجوء إلى العنف في حل الخلافات الوطنية، على أساس الإختلافات السياسية وإعادة فتح الطريق لوضع حد لحالة الانقسام والضعف التي تعترى الوضع الفلسطيني خاصة والعربي عامة، تلك الحالة التي تمثل جوهر أسباب الخلل في ميزان القوى ودرجة الاستهتار والتضليل والخداع الأمريكي للعرب وتنمر الاحتلال وضربه عرض الحائط بالقانون الدولي والمواقف العربية.

اعتقد ان الذي جاء في بيان الثوري انما يلقي بالمسؤولية للعموم الوطني النضالي لإشتقاق إستراتيجية وطنية كفاحية موحدة، من خلال ترتيب البيت الوطني على أساس ديمقراطي على قاعدة الفهم السياسي الإستراتيجي، وضرورات تجذير الفعل النضالي بمختلف الأساليب والوسائل والتي من شأنها تعزيز أركان عملية الصمود والثبات السياسي في هذه المرحلة وذلك من خلال تشكيل الإطار القيادي الفلسطيني الوطني وذلك عبر الانتخابات لكافة المؤسسات الوطنية الشعبية والرسمية وفق التمثيل النسبي الكامل في الوطن، وحيثما أمكن في الخارج وعقد المجلس الوطني الجديد لمنظمة التحرير الفلسطينية المنجز الأهم للشعب الفلسطنين ولجماهيره على امتداد قرن من النضال، باعتبارها المرجعية العليا لشعبنا التي تعكس وحدة نضاله وكيانه السياسي والممثل الشرعي الوحيد له في كافة أماكن تواجده.

كما وتعكس توجهات فتح في هذا السياق عن ضرورة مراجعة قرارات حكومة فياض الأخيرة فيما يخص الشأن الداخلي على قاعدة وطنية وكفاحية مثل هذه القرارات خاصة فيما يتعلق بقوانين ما يسمى بالإصلاحات الإدارية الداخلية الأمر الذي يتطلب اجراء مراجعات كاملة وشاملة لمثل هذه القرارات بالظرف الراهن.

اننا امام عودة فعلية للخطاب الفتحاوي الأصيل من الضروري تعزيز مفاهيمه وحضوره ونتاجاته المستقبلية وانعاكاساته على ارض الواقع مما يتطلب تقوية وتعزيز هذا الفهم في الساحة الفلسطينية عموما وبالساحة الفتحاوية خصوصا.