هل تمتد سياسات بوش الى خليفته؟../ جميل مطر*

انحدرت الحملة الانتخابية الأميركية لتستقر عند مستويات متدنية حضارياً وسياسياً. ولقد انتاب الكثيرين القلق حين تكررت في أجهزة الإعلام وكتابات كثيرين من المحللين عبارة أن الرئاسة القادمة في أميركا سوف تكون في حقيقة أمرها امتداداً للرئاسة الحالية, أي رئاسة بوش، وأن الرئيس المقبل سيحمل لقب "بوش الثالث". الرهان المقلق لنا هو أن إرث بوش مستمر سواء جاء إلى البيت الأبيض جمهوري من أصل قوقازي باسم ماكين أو ديموقراطي من أصل أفريقي باسم أوباما.

وللقلق مبرراته. فالرئيس بوش يرحل تاركاً خلفه أميركا في حالة سيئة، ومكانة سيئة، وبسمعة سيئة. ولا يحتاج تأكيد هذه الأمور إلى أرقام أو نسب مئوية. هذه المبررات وغيرها وفيرة وشواهدها قائمة ومتعددة. منها مثلاً المقارنة بين قمة الدول الصناعية التي عقدت في عام 2001 والقمة التي عقدت الأسبوع الماضي في طوكيو، أي قمة 2008. فمن مقارنة ما جرى في القمتين وما تم تناوله من قضايا والفشل المريع في تعامل قيادة القمة الأخيرة مع الموضوع الافريقي خصوصاً نستطيع أن نقدر حجم الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة خلال فترة حكم الإدارة الجمهورية تحت زعامة الرئيس بوش ومدى الضرر الذي أصاب السلام والاستقرار في الشرق الاوسط والأوضاع المهينة التي يعيشها الفلسطينيون وملايين العراقيين والصوماليين والسودانيين وعرب ومسلمون في كل مكان. فكيف سيكون حال اميركا وحالنا إذا جاء إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) المقبل بوش جديد؟

ماذا يعني بوش جديد؟ وماذا تعني لنا تحديداً عبارة امتداد بوش في المستقبل؟ تعني لنا وللعالم أشياء ثلاثة على الأقل. تعني أولاً: امتداداً أعمق لعسكرة السياسة الخارجية الأميركية. ليس جديداً علينا ما يطرحه السناتور جون ماكين في موضوع الاحتلال الأميركي للعراق، ودعمه الكامل للإنفاق المتزايد على القوات المسلحة الأميركية. ولكن الجديد علينا وعلى الأميركيين أنفسهم هو موقف السناتور باراك أوباما، الذي انتقل في الآونة الأخيرة إلى حيث ينتقل عادة المرشحون عندما تقترب حملتهم الانتخابية من موعد التصويت، أي من شهر تشرين الثاني (نوفمبر). وقد يكون أوباما انتقل إلى مدى غير عادي أو أبعد من المألوف. فقد جرت العادة أن يحاول المرشحون في هذه الأسابيع المتأخرة من الحملة تعديل بعض مواقفهم وتعهداتهم بحيث تبدو أقل "تصادمية" مع المزاج العام السائد في أميركا، وفي الوقت نفسه تبدو أكثر انسجاماً مع المبادئ العامة للمؤسسة الحاكمة.

أعرف أن تعبير المؤسسة الحاكمة لا يعجب بعض الأكاديميين المتخصصين في الشؤون الأميركية، ومع ذلك لا أجد حرجاً كثيراً في استخدامه حيث رسخ في اعتقادي منذ زمن غير قصير أن في كل دولة مجموعة من القواعد والمصالح يقف على حراستها حراس من السياسيين والبيروقراطيين والعسكريين، قد يتدخلون بالقوة لحماية قواعد ومصالح يعتقدون أنها تتعرض للتهديد أو المساس بالضرر. منهم على سبيل المثال بعض ضباط أتراك حاولوا قبل أيام قليلة التدخل بالعنف لإسقاط حكومة رجب طيب أردوغان لاعتقادهم بأنها تمس بعض القواعد والمصالح التي استقرت على اعتناقها واستمرت تبشر بها المؤسسة الحاكمة في تركيا. آخرون يتدخلون بطرق أقل عنفاً من بينها الضغوط المباشرة وغير المباشرة وبالدراسات والتقديرات الاستراتيجية وباستخدام حاجات الاقتصاد الوطني، وهو ما يحدث في الولايات المتحدة عبر المؤسسات الأعظم للعصف الفكري وكبرى شركات إنتاج السلاح وجماعات الضغط التي تمثل بيروقراطية البنتاغون ومصالح كبار موظفيه وضباطه وكذلك عبر المنظمات الإسرائيلية.

حين نسمع أن أوباما بدأ يتردد حيال تعهده السابق بسحب القوات الأميركية من العراق، والتزامه حل المشكلات مع خصوم أميركا بالديبلوماسية فقط وليس بغيرها، وعاد عن وعده بعدم السماح بتسهيل مهمات التنصت على المواطنين والتدخل الأمني في عمل شركات الاتصالات، وحين نسمع أن أوباما قرر أن يصنع سياساته الخارجية ويتخذ قراراته في الشأن العراقي كما في الشأن الأفغاني على ضوء ما يسمعه من جنرالات الجيش الأميركي وعلى ضوء تقديراتهم العسكرية والاستراتيجية، نستطيع أن نقرر مبدئياً أن أوباما وماكين يقتربان أكثر فأكثر من بعضهما حول أشد المواضيع حساسية، وهي العراق والسلاح والحرب.

وإن صح هذا التقدير يصبح جائزاً القول إن أياً من هذه المواضيع لن يخضع بدرجة كبيرة للرأي العام والناخب الأميركي، بقدر ما يخضع لسلطة البنتاغون وقوى الدفاع ومصالح السلاح والمؤسسات الإسرائيلية, وهذه جميعا معبأة إلى أقصى حـد لتشكيل قوى صانعة لرأي عام موقت، أي "رأي عام خاص بمرحلة انتخابات".

ثانياً: امتداد بوش في المستقبل يعني امتداد عملية "تديين" السياسة في أميركا. كان الظن لدى البعض، والأمل لدى كثيرين، أن مرحلة بوش التي رفعت درجة حرارة المواجهة الدينية ليس فقط في أميركا ولكن في العالم بأسره، قاربت نهايتها، وأن عهداً جديداً مقبلاً سيحرر عملية صنع السياسة من نفوذ التيارات الدينية المتعاظمة القوة والتأثير. وقد تفاءل أنصار تحرير السياسة في البداية حين كان السناتور ماكين يوسع المسافة التي تفصل بينه والتيارات الإنجيلية المتطرفة بسبب بعض أفكاره التي كان يأمل أن تساعده في كسب تأييد الجماعات المعتدلة في الحزبين الجمهوري والديموقراطي.

نذكر مثلاً الموقف الحازم الذي اتخذه من أحد قادة حملته الانتخابية ويدعى رود بارسيلي حين أدلى بتصريح قال فيه إن واجب أميركا يفرض عليها القضاء على الإسلام، ويفرض عليها أيضا تنفيذ حلم كريستوف كولومبس بمطاردة الإسلام والمسلمين عن طريق استخدام ثروات العالم الجديد الذي راح يكتشفه في الأميركتين.

وتفاءل البعض أحياناً حين كان اوباما يمثل من خلال عائلته، ولو نظرياً، "تعددية إيمانية" قد تشكل في المستقبل قاعدة لمرحلة سلام اجتماعي وإيماني في الولايات المتحدة، ومنها إلى العالم، يحل محل الدعوة المحمومة والمسمومة باسم صدام الحضارات. ثم فوجئنا بعد انسحاب هيلاري كلينتون من السباق باستسلام المرشحين كليهما لضغوط التيارات الدينية المتطرفة. عاد الطرفان يلتزمان الاستمرار بسياسة الرئيس بوش تقديم الدعم المادي للجمعيات الدينية، وعاد ماكين يقرب المسافة بينه وبين مطالب الإنجيليين المتشددين. إلا أن ما حدث لأوباما ويحدث له، وما سوف تكشف عن المزيد منه الأيام المقبلة فاق كل حد وتصور. فقد تحولت قضية وجود "شبهة" إسلام فـي تاريخ الرجل لتصير أهم قضية في الحملة الانتخابية. المثير بالنسبة الينا وربما لشعوب أخرى في هذا العالم، هو أن الولايات المتحدة، الدولة التي تبشر بحرية العقيدة في العالم وبالتعددية بجميع ألوانها وأشكالها، تصبح ساحة تعصب مثلها مثل ساحات تعصب كثيرة تنتقدها حكومة أميركا وأجهزة الإعلام الأميركية والرأي العام الأميركي.

لا أظن أن المسلمين الأميركيين يهتمون كثيراً بما ورد على لسان القس غراهام الابن عن الإسلام ووصفه بأنه "دين شرير ولئيم"، ولكنهم سيهتمون حتماً بالإصرار الغريب من جانب باراك أوباما على نفي صفة الإسلام عنه وتنكره لأبيه ولزوج أمه. يقول إنه لم يعرف أباه، وإن زوج أمه لم يكن مؤمناً ولا يذكر أنهم ذهبوا يوماً إلى مسـجد في إندونيسيا أو غيرها. الامر الذي لم أفهمه، وأظن أن كثيرين من مسلمي أميركا لن يفهموه، هو كيف سيتمكن أوباما، كرئيس للولايات المتحدة، أن يقنع الأميركيين وزعماء الصين والعرب والهند والزعماء الأفارقة بأهمية التسامح والتعددية الدينية وحرية الاعتقاد، إذا كان هو نفسه لم يستطع أن يجاهر في بلده بأن دين أبيه ليس وصمة عار في سجل مرشح للرئاسة؟

ثالثاً: امتداد بوش في خليفته يعني أيضا أن إسرائيل مستمرة في إحكام سيطرتها على بعض مراكز وبعض جوانب صنع السياسة في واشنطن. قيل الكثير عن تعددية مصادر صنع السياسة والقرار وعن استحالة أن تهيمن جهة واحدة على هذه العملية. ومع ذلك يتأكد في كل انتخابات رئاسية أن المرشحين جميعا مهما ارتفعت قامتهم وتعاظمت هيبتهم وشعبيتهم يقفون "خاشعين" أمام ممثلي الجماعات الصهيونية فور بدء المرحلة الحاسمة في الحملة الانتخابية، ويتنافسون على تقديم الوعود والالتزامات لإسرائيل وشعبها والتعبير عن الاستهانة بالعرب والفلسطينيين.

قد تثبت الأشهر المقبلة أن بوش لم يكن زعيماً عابراً في السياسة الدولية أو في النظام الأميركي، وإنما كان تجسيداً لتطور لم تكتمل فصوله بعد.
"الحياة"