أمريكا والدرس الجورجي../ عبد الإله بقزيز


لا يدع الأمريكيون لحلفائهم وللمراهنين عليهم في البلدان الصغيرة فرصة كي يصدقوهم ثانية، بعد أن يخذلوا من أمريكا وهي تتركهم يواجهون مصيرهم البائس وحدهم من دون نصير يعتقدون أنه يكفيهم أن يعزوا الحلفاء الصغار ببعض كلمات المواساة والتضامن في محنتهم حتى يطمئنوا إلى أن أمريكا لم تتخل عنهم في الضراء، أو على الأقل لم تنسهم وهي المشغولة بكل هموم الدنيا.

تتصرف أمريكا مع هؤلاء كأنهم أولاد صغار سرعان ما ينسون عويلهم والإساءة، وسرعان ما يخفّون للارتماء في حضن الأم الحنون. والمؤسف أن كثيراً منهم يلدغ من جحر أمريكا فلا يتعظ ويعيد الكرة من جديد ومن لم يلدغ بعد لا يعتبر بتجربة من لدغ قبله كي يتفادى مرارة الخذلان وينجو برأسه قبل فوات الأوان.

حين تبدأ أمريكا في تربية حلفائها في البلدان الصغيرة وتكثير أعدادهم وتحشيد قواهم وتنمية همتهم، تنفق من المال قليلاً وتنفق أيضاً الكثير من الوعود. سريعاً يتحول رجالها إلى “أبطال حرية” وإلى “رموز ديمقراطية” في أوطانهم، حتى من دون أن يكون قد سمع بهم أحد من قبل، أو من دون أن يكونوا إن سمع بهم أحد أصحاب شأن وذوي حيثية اجتماعية في مجتمعاتهم. لكنهم سريعاً ما يصدقون أن الولع الأمريكي بهم، معطوفاً على شدة التلميع السياسي والإعلامي لهم، قرينة على أنهم ذوو قيمة واعتبار، وإلا ما كانت الدولة الأعظم لتحفل بأمرهم. وما يزيد ذلك الشعور بأهميتهم في أعين السيد الأعظم إلا إصراراً على إسداء الخدمة أكثر، حتى يرتفع معدل قيمتهم عنده أكثر.

وإذ يصدق الحلفاء قيمتهم وأهميتهم، يستسهلون كثيراً النهوض بأدوار تفوق أحجامهم وتعلو على قاماتهم. ولعلهم يهونون من أمرها لأن أمريكا ترعاهم وتكلأهم بعينها التي لا تنام، ولأنها اصطفتهم من دون سائر الناس ليكونوا لها حلفاء يظاهرونها: والحليف لا يخذل حليفه لأن المصلحة واحدة والخاسر فيها اثنان.

وليتهم فعلوا ذلك ودفعوا الثمن وحدهم، لكنهم بكل أسف يغرمون شعوبهم ومستقبل أبنائها بذلك الطيش الذي يملك عليهم أنفسهم وهم يقدمون السخرة السياسية لسيدة العالم غير الوفية لمن يحبها. والأعظم خطباً من ذلك أنهم إذ يقودون بلدانهم إلى الموت والخراب أو يضعون شعوبهم على حافة اقتتال داخلي بعد تعميق الشرخ فيه، لا يجدون من يحاسبهم على ما قادوا البلاد والعباد إليه، وكأن اقتراف الأخطاء في حق سيادة الوطن أو أمنه وسلمه الداخليين مما يجوز لهم فقط لأنهم منتخبون.

شيء من ذلك يحصل اليوم في جورجيا وحصل قبلها في بلاد كثيرة في العالم. تقول الرواية الرسمية الجورجية إن حكومة تبليسي لم تفعل أكثر من الدفاع عن نفسها في وجه عدوان يستهدف وحدة أراضيها من قاعدة انطلاق انفصالية في أوسيتيا الجنوبية. من ذا الذي يصدق أن دولة صغيرة ضعيفة لا جيش قوياً لها ترمي نفسها بين شدقي دولة كبرى كانت تتحكم في نصف العالم قبل عقدين؟ هي واحدة من اثنتين: إما أن الذين قرروا استدراج روسيا للحرب قليلو خبرة في السياسة وحسابات ميزان القوى، أو مغامرون كما تسميهم الصحافة الغربية والمعارضة الجورجية نفسها، أو أن قوة ما في العالم أوعزت لهم بفتح معركة مع روسيا بعد أن طمأنتهم على دعم مسعاهم.

إن كان قرار الحرب عن خفة وقلة دراية بالسياسة وتوازنات القوى فتلك مصيبة، لأن القرار في هذه الحال أشبه ما يكون بالانتحار. أما إن كان بإيعاز من قوة خارجية تبغي استخدام الجورجيين كوقود في معركتها ضد روسيا فالمصيبة أعظم، إذ يصبح خطأ هؤلاء خطيئة: الائتمان بأوامر الأجنبي وفقدان القرار الوطني المستقل. وفي الحالين، وحده الوطن وشعبه يقدم الثمن الفادح: من دمه، وأمنه، وسيادته.

يبدي ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي، خيبته من رد الفعل الأمريكي على التدخل الروسي الصاعق الذي حسم في ساعات المعركة مع الجيش الجورجي في أوسيتيا الجنوبية وتوغلت قواته عميقاً إلى محيط ثلاثين كيلومتراً من العاصمة تبليسي. ما الذي كان ينتظره من الأمريكيين إذاً: أن يخفّوا لنجدته بإرسال جيشهم لمواجهة روسيا؟ بل ما الذي كان ينتظره منهم غير تصريحات مكابرة لتعزية حليفهم الجورجي من قبيل إبداء الحزم اللفظي تجاه روسيا كما فعلت الآنسة رايس ورئيسها؟ ولولا أن الأوروبيين أخذوا المبادرة إلى إنقاذ رأس النظام في جورجيا وتقاطرت وفودهم على المنطقة (كوشنير، نيكولا ساركوزي، انجيلا ميركل) وتوصلوا إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الرئيس ميدفيديف ورئيس حكومته بوتين، لصارت نكبة جورجيا أعظم، ولبقي الأمريكيون يطعمون حكام جورجيا وعود الدعم والتأييد إلى ما شاء الله من الزمن. ألم يكن يكفي الجورجيين أن يدركوا هذه الحقيقة من طريقة تصرف الأوروبيين والأمريكيين تجاته أزمة بلدهم مع روسيا؟ تحرك الأوروبيون سريعاً وبحماسة فأنقذوا ما يمكن إنقاذه، أما الرئيس الأمريكي فأخذ إجازة الصيفية في ما يشبه تسليماً بأن أزمة كبيرة لم تحصل في العالم لتعكر عليه حقه في إجازته.

ما أغنانا عن القول إن ما جرى في جورجيا وطريقة مقاربة الولايات المتحدة له، بما فيها ترك نظام ساكاشفيلي أمام مصيره الصعب بعد طويل رعاية له واستخدام ضد روسيا، يقدم درساً جديداً لمن لايزالون يحتاجون إلى دروس: إن أمريكا لا تحمي حلفاءها في العالم الثالث حين تتبين أنهم فقدوا القدرة على أداء ما يرضيها ويحقق مصلحتها.

التاريخ المعاصر حافل بالسوابق والشواهد لمن شاء أن يتعظ: من شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، إلى سوموزا، إلى بينوشيه وجنرالات أمريكا الفاشيين، إلى حسين صبري، إلى برويز مشرف، إلى آخرين صغار هنا وهناك في منطقتنا والعالم. لكنه يقدم درساً آخر أغنى: لا يقوى نظام سياسي في الأرض بدعم قوة أجنبية مهما عظمت، يقوى فقط وفقط بشعبه. وبشعبه فقط يملك أن يدافع عن الوطن وأن يحمي السيادة والاستقلال.
"الخليج"