أزمة البنية والسياسة والقيادة في حركة "فتح"../ ماجد كيالي

تشهد «فتح»، كبرى منظمات العمل الوطني الفلسطيني، أزمة حادة في البنية والسياسة والقيادة، إلى درجة أن هذه الحركة تبدو غير قادرة على عقد مؤتمر عام لها، يعرف حدودها التنظيمية ويحدّد رؤاها السياسية، ويمكنها من استنهاض وضعها، واستعادة مكانتها القيادية في المجتمع الفلسطيني؛ بعد التدهور الذي لحق بها، إثر صعود حركة حماس، وفوزها بغالبية المجلس التشريعي (2006)، وهيمنتها الأحادية على قطاع غزة.

وكانت هذه الحركة نشأت، منذ البداية، على المركزية المطلقة في تحديد سياساتها والسيطرة على مواردها وإدارة أوضاعها، في حين إنها انتهجت سياسة ديموقراطية تكاد تكون مطلقة في مجالات الرأي وتشكيل المنابر أو الجماعات. وانتهجت سياسة اللامركزية في إدارة أوضاعها وأجهزتها المتشعبة وشؤونها اليومية.

من ذلك فإن الديموقراطية في «فتح» هي ديموقراطية الكلام، واللامركزية هي في التنفيذ وإدارة العمل اليومي. لذلك، فإن الديموقراطية واللامركزية لم تنضجا ولن تتبلورا باتجاه خلق حالة ديموقراطية قائمة على احترام الأطر وتخليق المؤسسات. وربما أن هذا الوضع عزز تحول الحركة إلى جسم هلامي، لا تسيطر فيه القيادة على الأطراف، ولا تؤثر فيه الأطراف على القيادة، لا سلباً ولا إيجابا.

وربما يغيب عن بال كثيرين أن «فتح» لا تشبه أي حالة تنظيمية (حزبية أو جبهوية). فهي ربما نسيج وحدها في هذا المجال. فجسم هذه الحركة أو هرمها لا يرتكز على بنية تنظيمية، وإنما على مجموعة من الأجهزة. فالتنظيم هو مجرد جهاز من هذه الأجهزة. وربما تبرير ذلك أن «فتح» اعتمدت، في بداية نشوئها، على الكفاح المسلح، وكانت بحاجة لبنى تنظيمية – جماهيرية تسند عمل الفدائيين. وطبيعي أن هذا التبرير يؤكد اختزالها كل العملية الوطنية بالكفاح المسلح، ما يؤكد حجم الأزمة السياسية والتنظيمية التي تعيشها «فتح»، وحجم التغيرات التي تحتاجها، بعد كل التحولات الحاصلة فلسطينياً وعربياً ودولياً.

واللجنة المركزية لفتح مصدر السلطات والقرارات. فهي تحتكم بإدارة الأجهزة الحركية (القوات والمالية والإعلام والتعبئة والتنظيم...)، وببنية الحركة، من خلال تنصيبها المسؤولين عن الأجهزة، وتقديم الموازنات لهم، وتعيينها القياديين المحليين، في الإقليم وفي المنظمات الشعبية، ومؤسسات منظمة التحرير وسفاراتها، وحتى من خلال تسميتها لغالبية أعضاء المؤتمر العام، الذي يتم من خلاله انتخاب غالبية أعضاء المجلس الثوري (البقية بالتعيين)، وانتخاب أعضاء اللجنة المركزية. وفي هذه الدوائر كلها تبقى اللجنة المركزية مسيطرة على القرار السياسي والتنظيمي والمالي، وكأنها تنتخب ناخبيها.

والمشكلة أن تهميش أطر الحركة (المؤتمر والمجلس الثوري والأقاليم) وسيادة الأجهزة والروح العسكرية – الميليشياوية، أدى إلى تهميش اللجنة المركزية ذاتها، وتغييبها تماماً كإطار تنظيمي – قيادي، في ظل احتكار الرئيس الراحل ياسر عرفات للقرار، إلى درجة بدا معها نفوذ بعض الشخصيات السياسية، أو الأمنية أو المالية المقربة من الرئيس الراحل، أكبر بكثير من نفوذ أعضاء في اللجنة المركزية لـ"فتح"، إن لم يكن أكثر منها مجتمعة.

أما «المجلس الثوري» للحركة (يتألف من نحو 130 عضواً)، وهو الهيئة القيادية الثانية للحركة التي تتوسط بين اللجنة المركزية والمؤتمر العام، فهو مجرد هيئة استشارية، وليست لقراراته صفة إلزامية، خصوصاً أن اللجنة المركزية تنتخب من المؤتمر العام مباشرة، وهي التي تعين نحو ثلث الأعضاء في «المجلس الثوري»، ما يبقيه تحت سيطرتها.

والمؤتمر العام لـ"فتح" لم يعقد اجتماعاً له منذ 1987. ومعنى ذلك أن الحركة التي انطلقت عام 1965، عقدت طوال أربعين عاماً خمسة مؤتمرات لها فقط. على رغم كل ما مرت به الساحة الفلسطينية، ومعها الساحتان الدولية والعربية، من تحولات وتطورات، عكست نفسها على الصراع العربي – الإسرائيلي، وعلى بنية «فتح» ذاتها وشعاراتها وطرق عملها، الأمر الذي يفسر ظاهرة القيادة الفردية والفوضى والضياع التي باتت تسود الحركة.

على الصعيد السياسي فإن فتح، التي تتسم عموماً بالعفوية والبراغماتية والتجريبية، مع المرونة وربما البراعة في إدارة السياسة التكتية، لم تستطع تمثيل التحولات السياسية الاستراتيجية، المرتبطة بالانتقال إلى مرحلة التسوية والمتعلقة بإقامة دولتين لشعبين، أو تمثل التحولات السياسية الدولية والإقليمية في تفكيرها السياسي. وهي أمور تجلت بشكل واضح في التخبط السياسي والميداني في إدارة الانتفاضة، وفي الإخفاق في إنجاح معادلة المزاوجة بين المفاوضة والانتفاضة.

أيضا، فقد أصيبت حركة فتح بلوثة السلطة، بعد قيام السلطة الفلسطينية، حيث نمت مراكز القوى المنتفعة، وتفشت علاقات الفساد والإفساد، بسبب من ضعف الرقابة والتراتبية والمؤسسية في هذه الحركة، ما جعل المجتمع الفلسطيني يطرح الشبهات من حولها، في إدارة السلطة والعملية التفاوضية.

ولاشك أن إخفاق فتح في قيادة الانتفاضة وفي إدارة المفاوضات، والشبهات حول طريقة إدارتها للسلطة، أدت إلى تدهور الوضع الفلسطيني في مختلف المجالات؛ ما سهّل لحركة حماس الصعود في السياسة الفلسطينية.

وفي هذا الإطار يمكن القول إن ظاهرة «كتائب الأقصى»، التي طعمت الانتفاضة بعمليات المقاومة المسلحة وأعادت الاعتبار لـ»فتح»، وعززت مكانتها في الشارع الفلسطيني (بعد أن تلوثت بلوثة السلطة والتسوية)، ينبغي أن تكون في مركز المراجعة الجديدة للحركة. فهذه الظاهرة ليست هدفاً بحد ذاته، وهي مثلها مثل غيرها ليست مخلدة. فهي محكومة بعوائد العمل النضالي وبطبيعة كل مرحلة.

وعلى الصعيد التنظيمي تواجه فتح معضلات التناقض بين حفاظها على طابعها كحركة تحرر، وتحولها إلى حزب السلطة. فلكل أمر استحقاقاته ومتطلباته. ومن الصعب في حال حركة مثل «فتح»، على هذا القدر من الانفلاش، تحقيق المواءمة بين هذين الاستحقاقين، وهو ما يتطلب وقفة جادة لإيجاد معادلة تمكن الحركة من إيجاد التناسب بينهما.

وعدا ذلك، فإن «فتح» مطالبة بتطوير بناها التنظيمية وتأطير هياكلها وتكريس الديموقراطية في علاقاتها الداخلية، إذ بات من الصعب استمرار الحركة بالشكل الهلامي الذي كانت عليه، لا سيما بعد الانتقال إلى الداخل، وتعرضها لمنافسة حقيقية من جانب «حماس» التي باتت تشكل، إلى حد ما، نداً لها، خصوصاً مع تآكل دور الفصائل الوطنية والعلمانية الأخرى.

اللافت أن فتح تتجه نحو عقد مؤتمرها دون أن تمهّد لمواجهة التحديات المطروحة عليها، ودون أن تجيب على الأسئلة التي تواجهها، وكأن هذه المؤتمر مجرد حالة فولكلورية، أو تجميعية، بدلا أن يكون ثمرة تحولات، أو تتويجا لمسارات تساهم في ترسيخ واغناء وتطوير هذه الحركة.

ولا شك أن ذلك يطرح الشكوك حول امكان انعقاد هذا المؤتمر أساسا، كما يثير مخاوف مشروعة على هذه الحركة في حال عقده بالطريقة الارتجالية والتجميعية والصورية التي يتم بها.