اللّغة على هامش انتخابات السلطات المحليّة../ د.تغريد يحيى - يونس*

مشهد انتخابات السلطات المحلية في البلدات العربية في الداخل يحشد كمًّا تراكميا من الظواهر والقضايا التي تستدعي الوقوف عندها، التفكّر وإعادة التقييم. انتخابات السلطات المحلية، ونظرًا لما يوليها المجتمع من أهمية قصوى وما تستقطبه من اهتمام النسبة الأكبر من الناس بمن فيهم اللامبالين بها والعازفين عنها، وما تستنفره من قوى وموارد، قد تكون هي السياق الأمثل الذي من خلاله يتسنّى لنا أن نصوّب المجهر نحو ظاهرة أو قضية ما، والوقوف الجماهيري، لا النخبوي فحسب، عند مدلولاتها وأبعادها.

قد يكون العكس صحيحاً إذ الاستنفار والتمركز البراغماتي العملي وحمّى السباق نحو المادي أو المعنوي المحدود على المستوى الشخصي والجماعي الضيق لا تترك متسعّا للالتفات إلى القضايا المجتمعية الأشمل، العملية منها والأيديولوجية ذات المفاد بعيد المدى، بمثابة "الناس بيش وانت بيش". اللّغة هي إحدى هذه القضايا وهي محور ورقتنا هذه!

انتخابات السلطات المحلية تتمحور في البراغماتي العملي وتزداد فيه إمعانا في العقد والنصف الأخير. لكنها للناظر/ة الباحث/ة حقل للتأمّل في سيرورات وديناميكيات اجتماعية، ثقافية وسياسية بمستويات مختلفة وفي التفاعلات التبادلية فيما بينها: خطاب الانتمائية المهيمن في التنظم، والحشد والسلوك الانتخابي، الخطاب الحزبي، تعثراته وتحدياته، القيادات على بواعثها وميّزاتها، الائتلافات، علاقات الجنوسة وتبدّياتها، تمثيل ومشاركة النساء في الانتخابات المحلية، أنماط السلوك الانتخابي، العلاقة بين السياسة القطرية والمحلية، بين الأخيرة والحكم المركزي، علاقات الأجيال، النسيج الاجتماعي والسياسي، الحكم المحلي كآلية تكريس وتغيير، صور وتمظهرات تحدي النسق ... وغيرها وغيرها من موضوعات جادّة للبحث. لا تقع اللغة ضمن البراغماتي ولم تكن موضع بحث في السياق المذكور، وكما أسلفنا، فهي موضوع اهتمامنا في هذه الورقة!

اللغة بما يستخدمه الناس من مفردات، واصطلاحات، ومفاهيم تشكّل الخطاب (ات) الذي يمارسونه وتكشفه. اللغة بين تذكير وتأنيث في إشارة إلى الشّخوص المركزية الفاعلة على الساحة تعرّي توزيع الأدوار بين تكثيف حضور ذكوري وتغييب للنساء، وبين صيغ الفرد والجمع تتبدى فيها نزعات الفردانية والجماعية. كم تحمل من مدلولات غير مضمونة، نطوّعها للحلفان والقسم، نثخن حروفها أو نرققها فيما يتناسب مع القصد، نتلاعب بالصوت والنبرة والذبذبة فيما يساعد على نقل الرسالة المطلوبة، وكم تعجّ فترة الانتخابات بنبرات الصّوت القاطعة والحاسمة ونقيضاتها. كمّ المفردات الدخيلة التي نقحمها أحاديثنا الموسمية هي زاوية أخرى للنظر في ظواهر تعتري المجتمع وقضايا يصب مؤداها في وجوده ووجدانه. إنها تغزو الألسنة، الجلسات والأحاديث العابرة عند كل لقاء على هامش حدث انتخابات السلطات المحلية.

مع ذلك، في أذهان العامّة لا ترتبط اللغة مع السياسة ارتباطا مباشرًا. السياسة حقل يستثني اللغة. وفي حال الحديث عن لهجة عامية/محكية قد تُستثنى اللغة كمركب ثقافي في إدراكهم أيضًا. ليس هذا هو واقع الحال. إذ اللغة كمركب أساسي للهوية القومية وجزء من الموروث الثقافي، هي الوعاء الذي تسكنه التجارب، العملية والعاطفية، وتُستودع فيه الأفكار وتًختزن فيه الذاكرة الفردية والجمعية، بالمقابل تعيد اللغة إنتاج وصياغة هذه التجارب، العواطف، الأفكار والذاكرة. تحت عوامل سياسية وثقافية وتبعًا لكيفية تعامل أهلها معها قد يعتري اللغة البلي أو التبرعم، الاندثار أو الإنبعاث، ففي التاريخ نماذج لكل حالة.

في مشهد انتخابات السلطات المحليّة في الداخل للمفردات العبرية مكان ملحوظ يتفاوت حجمه تبعاَ للبعد الجغرافي للمنطقة أو البلدة من مراكز السكن اليهودية، ومن فئة اجتماعيّة لأخرى وفقًا للعمر، الثقافة، المهنة وتواتر التعامل مع العبرية. لن نصوغ العلاقة بين كم العبرية التي يقحمها العربي في الداخل في كلامه وبين كل واحد من هذه المتغيرات، فهي ليست رتيبة. ما يعنينا هنا يتعدّى ذلك، ولا يأخذ من هذه العلاقات تبريرًا لتوصيف الظاهرة.

الحوارات والنقاشات والكلام العابر الذي يدور في الشّارع والأطر الاجتماعيّة المختلفة يوصل للسمع كمّا ملحوظا من المفردات والتعابير العبرية نخاله أكثف منه في غير هذا الموسم. للمثال لا الحصر أورد مرشّح، قائمة، مفاوضات، ممثلين، ديوان أو مجلس أو مقرّ، نسبة الحسم، ائتلاف، اتفاقية ... هي مفردات كثيرًا ما تستبدل برديفاتها العبرية، بل ولن نبالغ إذا جزمنا أنه في بعض البلدات وعلى ألسنة بعضهم يطغى استخدام العبرية على العربية، بل وأكثر فبعضها يذكر حصريّا بالعبرية، ويلازم من قبل ومن بعد بمفردات لصيقة أخرى. قد لا يكون هذا صلفًا أو تنكّرًا للغة الأم بقدر ما هو فقدان المفردة في قاموس الناطق/ة. ولا عزاء!

المقر، بالعبرية (ماطيه)، بالذات مفردة لا رديف لها في عربية هؤلاء. استخدامها عابر للانتماء الجنسي، وفئات العمر، والثقافة، والمهنة. عبثاَ تستجدي سماع مفردة بلغة الأم عوضَا عنها. على غير الحال في مجالات الحياة الأخرى والتي الادعاء فيها أن الاختراع والتكنولوجيا أو الشؤون الإدارية تكون أساسا مبررا لشيوع لغات أجنبية في لغة الأم، ففي مجال السياسة من المفروض أن هنالك استمرارية ما وبشيوع يصل عدد أكبر من الشرائح الاجتماعية.

في السياق الاجتماعي السياسي الثقافي لعرب الداخل يكمن تفسير، ليس تبريرا، للظاهرة. تاريخيا تعود جذور الحكم المحلي والعمل به في عدد من البلدات لفترة الحكم العثماني والانتداب البريطاني لكنّ تعميمه تمّ في العقد الأول لقيام إسرائيل، مع مراعاة التشابه والاختلاف، ومن ثم جاء تعميقه. العبرية عامة وتلك المفردات البارزة الشائعة منها التي تتعاطى مع السياسة تقتحم الحيّز العام والخاص العربي في الداخل عبر الصحف والمجلات وقنوات وبرامج التلفزيون، حيث لم يكن لهذه منافس عبر عقود طويلة حتّى منتصف التسعينيات وشيوع الفضائيات العربية. كذلك فاهتمام عرب الداخل بالموضوع وتفاعلهم معه جعل من ترديد المفردات العبرية تعبيرًا عن هذا التفاعل والاهتمام، وتعبيرًا عن استقاء قاموسهم من ثقافة أخرى في غياب طويل لمصادر استقاء منافسة.

إقصاء عرب الداخل عن السياسة القطرية ونزعُ شرعية مشاركتها إن حصلت يجعل من السياسة المحلية مسرحًا شبه وحيد لمقارعة السياسة ويزيد عدد المتنافسين باضطراد وشدة التنافس، والأهم هنا أنه يجعل لغة السياسة المهيمنة العبرية ضالّة منشودة ليس لدى الناشطين بل ولدى سائر محيطهم الاجتماعي، في إسقاط للرغبة في التشبه بالمسيطر واستخدام أدواته، رغم ثراء العربية وقربها في هذا المضمار من الوجدان المتكوّن في الماضي القريب.

في عودة لـ"ماطيه/ مقر" فقد عمرت الدواوين، والمجالس والمضافات وكلها مفردات للدلالة على مكان اجتماع القوم (في إشارة للرجال دون النساء) لتدبّر شؤونهم اليومية والموسمية والاستثنائية. خصائص السياسة المحلية من انتمائية وتبعاتها يسوّغ استخدام مفردة "ديوان" توصيفًا لمكان اجتماع قوة سياسية محلية ومؤيّديها. يأتي ذلك لارتباط "الديوان" تاريخيًا بنسق الحمائل وهي أقرب إلى الوجدان العربي من "ماطيه" العبريّة (وليس في هذا دعوة للتمسك بالانتمائية والحمائليّة في السياسة).

يضاف إليها "المقرّ" ليفيد المعنى ذاته لكن بارتباطه مع إطار اجتماعي سياسي أكثر حداثة كالحزب والجمعيّة والمنظّمة. أما وأن الثقافة السياسية الحداثوية متمثلة بالأحزاب لم تتأصل في الثقافة السياسة المحلية فان الاصطلاح "مقرّ" ليس هو الأقرب إلى الوجدان. وهو ليس الحال مع مفردتي "ديوان" و"مجلس" واللتين بالنظر إلى رصيدهما التاريخي فإن لهما من القدرة الكامنة بأن تأخذا مكانهما (وبعض العتب على الفئة العمرية التي جايلت الدواوين والمجالس على مستوى المفردة على الأقل)، اللهم إلا إذا كان الديوان كما في بعض سياقات الاستعمال العامية يرتبط بظواهر وأفكار مسبقة سالبة كمكان لتجاذب نافل الحديث ولهدر الوقت.

في استدراك للفكرة الأخيرة فإن التغيرات التي طرأت على البنية الطبقية – الاجتماعية لعرب الداخل أثر على انتقاء مفرداتهم أيضًا. كون "الديوان" ارتبط تاريخيًا بحمائل ذات مكانة في سلم الطبقية قد يكون من وراء مقاطعة المفردة، وبالذات في واقع من التغيرات الجمّة فتح المجال السياسي والمطالبة بحصة في القيادة، أو بكلها، لمن لم ينتموا تاريخيًا لفئات كهذه. بشكل نقيض فإن محاولات الوصول لهذه المواقع والتمثل بها قد يضمن لمفردة "ديوان" الانبعاث أو لغيرها كمفردة مقرّ حظُا أوفر في التداول والتجذر، رغم سياق استخدام الأخيرة الحداثوي.

غالبًا ما يكون مقرّ قائمة ما بيتا خاصا هو على الأغلب بيت رئيس القائمة أو بيت والده لاعتبار العمر أو أخيه لاعتبارات عملية كمساحة المنزل أو ساحته. هذه الحقيقة تستدعي النقاش مجدّدًا في العلاقة بين الحيّزين الخاص والعام، وتوصل مؤكدًا إلى فكرة هلاميّة وميوعة الحدود بينهما في السياق العام قيد البحث.

إنها النقطة ذاتها التي تسوّغ ملاءمة مفردة "ديوان" والمرتبطة ببيت أكبرهم أو زعيمهم أو مكان اجتماعهم، مكان بين الخاص والعام. مقولة إنها مجرد وسيلة تعبير لا غير، لا تضع الأمور في نصابها وهي تغفل فداحة الأمر. فالعلاقة بين اللغة والهوية القومية متينة ومباشرة. ليست اللغة كائنًا حياديًا. وبين الانفتاح على الثقافات الأخرى، التأثر بها والتمكّن من لغاتها، وبين إحلال ثقافة الأم وخلطها بروافد دون ضابط بَوْنٌ شاسع. الحالة الأخيرة هي مثال لقبول المسيطَر عليهم بثقافة المسيطِر/المهيمن، طوعًا أو قسرًا. أما وأن السياق العام، انتخابات السلطات المحلية، يجتذب ويستنفر النسبة الأكبر من عرب الداخل فقد تناولنا الموضوع في سياقها والأولى أن يتم وبشكل واع تعميم نسق اصطلاحات عربية والعمل على ترسيخها.