أوهام التهدئة وحقائق العدوان../ عوني صادق

مرة أخرى تطرح التوغلات “الإسرائيلية” في قطاع غزة موضوع (التهدئة) للتساؤل، وهو الموضوع الذي لم يمر يوم واحد منذ وضع الاتفاق موضع التطبيق من دون أن يكون موضوعاً للتساؤل، سواء لجهة فائدته أو صدقية العدو من حيث الالتزام به.

أسابيع مرت حتى الآن، شددت فيها قوات الاحتلال الخناق على القطاع فقصفت طائراته مواقع المقاتلين ومنازل المدنيين على حد سواء، وأغلقت سلطاته المعابر فوضعت مليوناً ونصف مليون إنسان مجدداً على حافة الكارثة ما دفع المنظمات السياسية والإنسانية الدولية، ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، وضمنها منظمة الأمم المتحدة والأونروا، إلى مطالبة الكيان الصهيوني بوقف ما يقترف من جرائم من دون جدوى. وقد جاءت ردود الفعل الرسمية “الإسرائيلية” لتكرر المواقف السابقة التي تتلخص في عودة تهديدات وزراء وقادة هذا الكيان بضرورة ما يطلقون عليه “عملية عسكرية كبيرة” تضع نهاية لما يطلق عليه (حكم حماس) في غزة.

فصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع طالبت مجدداً بإعادة النظر في الاتفاق، أما حركة (حماس) فقالت إن تمسكها باتفاق (التهدئة) لا يمنعها من الرد على الخروق “الإسرائيلية”، وهي المواقف ذاتها التي صدرت قبل وبعد العمل بالاتفاق ما يفيد بأن هذه الفصائل، مثلها مثل القيادة “الإسرائيلية”، لا جديد لديها، وأنها جميعاً تشتري الوقت لأمور لا يجلبها الوقت، وإن كان يؤجلها، بينما الذين يدفعون ثمنه المواطنون العاديون من سكان القطاع.

وعود على بدء نسأل: لماذا كانت (التهدئة) أصلاً، وماذا حققت بعدما تنازلت حركة (حماس) عن اشتمال التهدئة للضفة الغربية؟

لنراجع الموقف ولنحاول أن نتحرى الحقيقة لعلنا نعثر عليها تحت قصف الطائرات وأنقاض ما يتركه توغل الدبابات في غزة. فلسطينياً، قيل إن من شأن (التهدئة) أن تمنع الاعتداءات “الإسرائيلية” على القطاع، وإنها سترفع الحصار عنه، وهذا يعيد إلى مليون ونصف المليون فلسطيني حياتهم الطبيعية ويقلل إلى حد أقصى من معاناتهم المادية والإنسانية. وقيل أيضا، إنه إذا كانت الحكومة “الإسرائيلية” تسعى من وراء ذلك لإطلاق سراح الجندي جلعاد شاليت، فإن ذلك سيعني إطلاق سراح عدد لا بأس به من الأسرى الفلسطينيين في السجون “الإسرائيلية”. والآن هل تحقق ذلك؟

لن يجد أحد يطرح هذا السؤال أي صعوبة في تحديد جوابه: لا شيء على الإطلاق. فالاعتداءات استمرت، بعد الاتفاق كما كانت قبله، ربما قلت من حيث العدد لكنها استمرت بالوحشية نفسها. كذلك، استمر الحصار كما كان، فالمعابر مغلقة تفتح جزئياً بعد أن تصل الأمور عند نقطة محددة سلفاً، كما كانت قبل الاتفاق، والهدف هو منع الانفجار الشامل وليس رأفة بالناس.

والنتيجة أن معاناة الغزاويين استمرت كما كان الحال قبل الاتفاق، وهناك أضرار أخرى غير مرئية حققها الوقت لحقت ليس بحركة (حماس) وحدها، أو بسكان قطاع غزة وحدهم، بل بالوضع الفلسطيني كله وبالقضية الوطنية الفلسطينية. فمن جهة، إذا كانت حركة (حماس) تعتقد بأن (التهدئة) أخرجتها إلى فضاء السياسة الدولية وثبتت سيطرتها في قطاع غزة، فإن هذا هو الذي أدى إلى تآكل الموقف الفلسطيني بمجموعه لدى الأسرة الدولية.

يدل على ذلك تراجع القضية الفلسطينية على جداول أعمال الدول والمنظمات، بما في ذلك جدول أعمال الأمم المتحدة، وقد ظهر ذلك جلياً أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي وهي التي كان يصدر عنها أهم القرارات المنصفة والمؤكدة على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

يضاف إلى ذلك ضرر كبير آخر هو استمرار وتعميق الشرخ بين سلطة غزة وسلطة رام الله، وبالتالي استمرار وتعميق الشرخ في صفوف الشعب الفلسطيني وتصعيب الوصول إلى حلول قادرة على إنهاء الانقسام الحاصل الذي سمح للعدو الصهيوني أن يستفرد بالضفة كما يستفرد بغزة، وما جره هذا الانقسام عليهما معا.

يضاف أيضاً إلى الضررين الاستراتيجيين السابقين ضرر استراتيجي ثالث، هو ما لحق مفهوم المقاومة المسلحة من ضرر نتيجة اتفاق (التهدئة) الذي أوجد المناخ لمن يريدون تشويه المقاومة ومفهومها. ويكفي مثلاً ما يقوله البعض من أن حركة (حماس) استغلت أسلوب المقاومة للوصول إلى السلطة ثم أخذت تتحدث مرة عن إمكان الجمع بين المقاومة والسلطة، ومرة عن الحاجة إلى التهدئة.

وهناك أيضاً من يؤكد صحة ما يقول من خلال رصد الخلافات التي تنشب بين حركة (حماس) وبين فصائل أخرى، والتي وصلت أحياناً إلى الاشتباكات المسلحة، كما حدث بين (حماس) والجهاد الإسلامي، أو بينها وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، دون الحديث عما يجري بين (حماس) و(فتح).

وإذا دققنا في ما قلناه يسهل علينا أن نجد أن كل الأضرار الآنية وقصيرة المدى، أو الاستراتيجية بعيدة المدى التي لحقت بالجانب الفلسطيني هي في الحقيقة منافع وفوائد للجانب “الإسرائيلي”. وإذا كنا لا نقول إن كل تلك الأضرار التي أصابت الفلسطينيين وتلك المنافع ل”الإسرائيليين” هي بسبب (التهدئة)، فإننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل تلك المساهمة المهمة التي قدمها هذا الاتفاق في رسم الصورة العامة الحالية.

ما يتعرض له قطاع غزة هذه الأيام جزء منه بسبب أوهام التهدئة، مع بقاء حقائق العدوان “الإسرائيلي” ماثلة لمن يبصر.
"الخليج"