ستون عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان../ عبد الناصر فروانة*

يصادف الأربعاء، العاشر من كانون الأول / ديسمبر، الذكرى الستون على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو اليوم الذي أعلنت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليضع أسسا عالمية جديدة في التعامل مع الإنسان واحترام إنسانيته وكرامته وقدسية الحياة الإنسانية، والاعتراف بالكرامة المتأصلة في جمع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة كأساس للحرية والعدل والسلام في العالم.

ولقد تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ثلاثين مادة، تكفل للبشرية حياة تتمتع فيها بالكرامة والحرية والأمن والآمان، كجوهر لكرامة الإنسان. وتحيي هذه المناسبة العديد من المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان بطرق وأشكال مختلفة، وفي باريس وسط العاصمة الفرنسية سيكون الاحتفال هذا العام مختلفاً حيث سيشهد قصر " شايوه "، حفلاً يوم الأربعاء القادم سيحضره ممثلون عن الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية ومنظمات غير حكومية من مختلف أنحاء العالم، وبالمناسبة " قصر شايوه "هو ذات القصر الذي شهد الإعلان قبل ستين عاماً.

وقد كفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، للإنسان حقه في الحياة، أي حق الإنسان في حريته وأمنه الشخصي. ونصت المادة الأولى "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء"، فيما كفلت المادة الثانية حق الإنسان بالتمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أوالدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء.

كما وتضمنت المواد الأخرى حق الإنسان في الحياة والحرية وسلامة شخصه والحق في التعلم والعمل والضمانة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير، بما في ذلك حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، وحمايته من الرق والاستعباد والتعذيب والمعاملات القاسية والاعتقال أو الاحتجاز التعسفي والنفي ألقسري والإبعاد.

ومنحت الإنسان حق التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، وحظرت التدخل التعسفي في حياته الخاصة أو حياة أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو الحملات على شرفه وسمعته، واعتبرت أن كل إنسان متهم بجريمة هو بريء إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية وعادلة تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه، والكثير من الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأخرى غير " القابلة للتجزئة " التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي كانت أكثر من رائعة في نصوصها وكلماتها فيما لو احتُرِمَت وتُرجِمَت على أرض الواقع.

كما وأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان المصدر الأول المباشر للمعاهدة الدولية ضد التمييز بحق النساء عام 1979، وأيضاً المعاهدة الدولية ضد التعذيب عام 1984، بالإضافة للمعاهدة الدولية لحقوق الطفل عام 1990 وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998.

وباختصار شديد فإن ذاك الإعلان كان المقدمة الأساسية كما قلنا في البداية لأسس عالمية جديدة في التعامل مع الإنسان واحترام إنسانيته، وأن الحقوق الطبيعية الأساسية للإنسان،هي تلك الحقوق التي لا نستطيع العيش كبشر بدونها، وأنها تمكننا من أن نستعمل على نحو كامل خصالنا الإنسانية، وأن نطور قدراتنا العقلية ومواهبنا وضمائرنا، وأن نفي باحتياجاتنا الروحية وغيرها.

العالم يحتفل و" اسرائيل " تمعن في انتهاكاتها

في الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى بالذكرى الستين، فإن مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تلاها من اتفاقيات ومواثيق ذات العلاقة ُتداس وتُنتهك على مدار اللحظة وأمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي الذي صاغ وأقر تلك النصوص، دون أن يحرك ساكناً، ولا زالت تلك النصوص بمجملها حبراً على ورق بالنسبة للشعب الفلسطيني عامة وأسراه خاصة...!

ولا زالت حقوق الإنسان الفلسطيني الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تنهك على مدار اللحظة وبشكل لم يسبق له مثيل.

فحياة الإنسان الفلسطيني وحياة أسرته وأطفاله ليست آمنه، فيما يستمر حرمانه من العمل والعلاج والطعام والتنقل والسفر والتعلم وحتى من المواد الغذائية الأساسية، في ظل تصاعد سياسة القصف والاغتيالات واقتلاع الأشجار والتشريد والإبادة، والاستمرار في بناء الجدار العنصري وإقامة مئات الحواجز التي قطعت أوصال الوطن والحصار الخانق على قطاع غزة، وحرمان آلاف الأسرى من زيارة ذويهم و..الخ.

ولا زالت عشرات السجون والمعتقلات الإسرائيلية مكتظة بآلاف المواطنين الأبرياء بينهم مئات الأطفال والشيوخ والنساء، بينهم القائد السياسي والنائب المنتخب، والطبيب والمعلم والطالب، في ظل تصاعد حملات الاعتقال التعسفي واختطاف المواطنين العزل واحتجاز مئات المواطنين إداريا بسبب آرائهم ومعتقداتهم السياسية، وتعرضهم لتعذيب قاسي ومميت مشرع قانوناً وبحصانة قضائية.

بالإضافة إلى مئات جثامين الشهداء محتجزة منذ سنوات لدى سلطات الاحتلال في ما يُعرف " بمقابر الأرقام " أو ثلاجات الموتى عقاباً للشهداء بعد موتهم، وعقاباً جماعياً لذويهم وحرمانهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة الإسلامية، في جريمة تعتبر وفقاً للقانون الدولي جريمة أخلاقية ودينية وقانونية.

ولا زال قطاع غزة تحديداً يخضع لحصار سياسي واقتصادي خانق، أدى إلى ازدياد أعداد المرضى والوفيات ومعدل البطالة والفقر بين سكانه، مما حوله إلى سجن هو الأكبر في العالم، بل قد تكون الأوضاع الإنسانية في بعض السجون في العالم أفضل حالاً من "سجن قطاع غزة ".

فالجرائم الإسرائيلية تتواصل والانتهاكات تتصاعد وتتفاقم، لتصل إلى مصاف جرائم الحرب بحق المواطنين الأبرياء والأسرى العُزل قائمة انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني لا حدود لها، والسؤال من يكفل للإنسان الفلسطيني حقوقه الإنسانية؟

ومن هنا نناشد المجتمع الدولي لاسيما المنظمات الدولية والأمم المتحدة وممن سيجتمعون في باريس، الأربعاء، أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية وأن يعملوا على حماية القانون الدولي وأن يصونوا اتفاقياتهم التي تُضرب بعرض الحائط من قبل سلطات الاحتلال، وأن يضمنوا تطبيقها وتنفيذها على كافة شعوب العالم بما يكفل للإنسان أينما وجد حقوقه الأساسية وكرامته وحقه في الحياة، وأن يكفوا عن ممارسات التمييز والتسييس وازدواجية المعايير والكيل بمكيالين والانتقائية وثنائية المفاهيم...الخ.

نناشدهم بالعمل الفوري من أجل رفع الحصار المفروض على قطاع غزة، ووضع حد للجرائم الخطيرة التي تقترفها قوات الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني عامة والأسرى خاصة.

واليوم مناسبة للتأكيد على حق شعبنا في أن ينعم بالأمن والسلام وبحياة حرة كريمة تُحترم فيها حقوق الإنسان الفلسطيني وتصان كرامته، في ظل دولة فلسطينية حرة ومستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ولقد آن الأوان لأن يصدر عن قصر " شايوه " في باريس يوم الأربعاء القادم " الإعلان العالمي لصون حقوق الإنسان الفلسطيني من الجرائم الإسرائيلية المتواصلة والتي لا حدود لها.. وذلك صوناً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.