عن مبادرة النعش الطائر.. وعن نفاق وعدوانية أوروبا الغربية../ راسم عبيدات*

النظام الرسمي العربي والذي حدثت في بنيته وتركيبته ودوره ووظيفته تبدلات وتغيرات كثيرة، فهو أعلن من بعد حرب أكتوبر التحريكية 73، عن إسقاط خيار المقاومة، ورفع شعار لا حروب بعد اليوم، ومنذ ذلك التاريخ والنظام الرسمي العربي، دخل حالة من العجز والذل والهوان وأزمة بنيوية عميقة، وكان يغطي تلك الحالة والأزمة بالرغبة في السلام، ورهن إرادته السياسية وسلم أوراقه كلها إلى أمريكا، وخصي بشكل كلي الخيار العسكري، لكي ينتقل من حالة العداء مع إسرائيل إلى حالة التصالح معها، وكانت اتفاقيات"كامب ديفيد" وما حملته من معان عميقة، حيث أخرجت مصر الدولة العربية الكبرى بكل ثقلها العسكري والسياسي والبشري من الصراع والعداء مع إسرائيل على المستوى الرسمي، وهنا كانت الانعطافة الحادة في بنية وتركيبة ورؤية ودور ووظيفة النظام الرسمي العربي.

ومن بعد غزو إسرائيل للبنان عام/1982 وما تلاها من محطات هامة، كانت تشير إلى أن ذلك النظام في بنيته وتركيبته ودوره ووظيفته، ينتقل من مرحلة التصالح والحيادية في مسألة الصراع العربي - الإسرائيلي وقضيته المركزية فلسطين، إلى مرحلة الاصطفاف والتعاون والمشاركة مع الأعداء، في ضرب وتصفية المقاومة نهجا وخيارا وقوى ووجودا وثقافة.

هذا التحول في بنية وتركيبة ودور ووظيفة النظام الرسمي العربي، وتصاعد الهجمة المعادية على الأمة العربية، جعلت هذا النظام في إطار تغطية عجزه وتخاذله، يتجه نحو طرح مبادرة ربما كان يرى أنها ربما تشكل خشبة إنقاذ له، متناسين أنه بإسقاطه لخيار المقاومة، يزيد من تغول وتوحش وهجوم الطرف المعادي، فالنظام الرسمي العربي طرح ما يسمى بمبادرة السلام العربية، التي طرحتها السعودية وتبنتها القمة العربية في بيروت/2002، هذه المبادرة قبل أن يجف حبرها مزقتها ودمرتها إسرائيل، حيث اجتاحت قواتها الضفة الغربية وحاصرت الرئيس الراحل أبو عمار في المقاطعة، ودون أن يجرؤ أي زعيم عربي حتى على مهاتفته، ومن ثم جرى ترحيل هذه المبادرة إلى القمم العربية اللاحقة، وفي كل مرة يأتي الرد الإسرائيلي عليها، من خلال العمل العسكري الإسرائيلي، ورغم أن النظام الرسمي العربي وفر الغطاء السياسي وقدم لإسرائيل التسهيلات لشن عدوانها وحروبها على قوى المقاومة، مقابل أن تبقى ورقة التوت ساترة على عورته، فإن إسرائيل كانت تصر على انكشاف وتعرية هذا النظام، وهي بدلاً من أن تمد له طوق وحبل النجاة، كانت تمعن في إذلاله وتحقيره وزيادة عزلته، وهذا ما جرى في حرب تموز/2006 العدوانية الإسرائيلية على حزب الله والمقاومة اللبنانية، وما يحصل حالياً في عدوانها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وفي الوقت الذي شددت ورفعت الجماهير العربية من سقف نضالاتها ومجابهتها لدول النظام الرسمي العربي واتهمتها بالاصطفاف ومشاركة إسرائيل في عدوانها على المقاومة والشعب الفلسطيني في القطاع، وطالبتها بالعمل على سحب المبادرة العربية وتعليق العمل بها كأضعف الإيمان رداً على ما ترتكبه إسرائيل من مجازر جماعية وجرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني، جاء الرد على ذلك بأن هذه المبادرة لم تفقد صلاحيتها وما زالت صالحة، وكأن البعض يرى فيها قدسية النصوص والصلاحية لكل زمان ومكان كحال الكتب السماوية، ويريد أن يقنعنا بها على غرار المأثور الشعبي"عنزة ولو طارت"، فرغم رفض إسرائيل المتكرر لها والهبوط بسقفها في كل قمة إلى حد التسليم بالشروط والتحفظات الإسرائيلية عليها، واستمرار رفض إسرائيل لها، فبعض أطراف النظام الرسمي العربي رأت في مطالب قمة غزة في الدوحة بسحب هذه المبادرة، خدمة لأجندات وقوى إقليمية، فهو يريد أن يهرب من عجزه وتخاذله، نحو تعليق هذا العجز والخذلان والتآمر على قوى المقاومة وقمة الدوحة، بدلاً من يواجه الحقيقة المرة بأن هذا الخيار والنهج أثبت عقمه وعبثيته أكثر من 18 عاماً، وأن هذه المبادرة التي ترحل كالنعش الطائر من قمة عربية إلى أخرى، أضحت قيد إذلال وعار ولا بد من شطبها بعد أن شطبتها إسرائيل بالفعل العسكري أكثر من مرة.

ولعل حقيقة أخرى أماط اللثام عنها العدوان الهمجي والوحشي الإسرائيلي على غزة، إلا وهي حقيقة وطبيعة أوروبا العدوانية والاستعمارية وتحديداً فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكندا، والتي كان للبعض عربياً وفلسطينياً القول بأن لها مواقف متقدمة على الموقف الأمريكي ومناصرة للحق العربي والفلسطيني، فعدا أن التاريخ يقول عكس ذلك ويثبت أن هذه الدول أكثر عداء للعرب والفلسطينيين ودعماً لإسرائيل على المستوى الرسمي أكثر من أمريكا، حيث ناهيك عن دورها الاستعماري في رعاية وزرع إسرائيل في خاصرة الوطن العربي والعمل على تجزئته وتقسيمه، فمن السذاجة القول إنها تختلف عن أمريكا ورؤيتها لجهة النظر والموقف من الحقوق المشروعة لشعبنا، حيث أنها من أشد المدافعين والداعمين والمشاركين في فرض الحصار الأمريكي- الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني، وهم لم يكتفوا بذلك فما أن شنت إسرائيل عدوانها الوحشي والهمجي على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، فبدلاً من أن تدين هذا العدوان رأينا أنها شرعت وبررت هذا العدوان، حتى أن الناطق الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي وصف تلك الحرب العدوانية والهمجية بأنها حرب دفاعية.

ولم يكتفوا بذلك، بل أن رئيس الوزراء الفرنسي وفي إطار دعم العدوان ومكافأة له جاء للمنطقة لكي يفرض شروط استسلام على المقاومة، ناهيك عن كشف أوروبا لنفاقها "وعهرها" وازدواجية معاييرها، عندما رفضت في مجلس حقوق الإنسان إدانة الجرائم الإسرائيلية بحق الأطفال والنساء والمدنيين العزل واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وما أن جرى الحديث عن وقف للعدوان الإسرائيلي على شعبنا في غزة، حتى تجندت أوروبا ليس من أجل العمل على إدانة هذا العدوان والدعوة إلى انسحاب إسرائيل وتقديم الحماية لشعبنا الفلسطيني الأعزل وإنهاء عدوانها للأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي هو السبب المباشر في كل ما حصل، بل التجند لمناصرة ودعم العدوان وإطالة أمد الاحتلال وبما يكشف حقيقة وطبيعة هذا الغرب الاستعماري ونفاقه وازدواجية معاييره وحقده العنصري الدفين على شعبنا وأمتنا العربية، فكيف يعقل أن من ينادون بالحرية والديمقراطية وحق الشعوب في الاستقلال وتقرير مصيرها، وينادون بالسلام، بدلاً من أن يقدموا الدعم والمساندة والحماية للضحية يناصرون ويساعدون الجلاد عليه؟ فإسرائيل بكل ترسانتها النووية والعسكرية والتي تحتل أرض الغير وتزرع الرعب والدمار في كل المنطقة لا تشكل خطراً على السلم والشعوب والدول المجاورة؟ بل إن شعبا أعزل لا يملك إلا الإرادة وأسلحة بدائية، لا يحق له المقاومة والمطالبة بحقوقه المغتصبة والعيش بحرية وسلام وهو مصدر الخطر والشرور!! وأوروبا الغربية الاستعمارية تجند سفنها من أجل مراقبة البحار والمحيطات دعماً لإسرائيل ومنعاً لوصول السلاح إلى المقاومة في غزة.

ومن هنا على كل السذج والمنخدعين والمراهنين على أوروبا الغربية من عرب وفلسطينيين أن يفيقوا ويعوا حقيقة وأهداف ودور أوروبا الغربية في المنطقة، ومواقفها ورؤيتها لا تختلف ولا تبتعد بوصة واحدة عن المواقف والرؤية الأمريكية في رفض حرية واستقلال شعبنا وإقامة دولته المستقلة، وما نشتمه من هذا التجند الأوروبي لصالح إسرائيل هو تأبيد للاحتلال وتكريس للفصل بين جناحي الوطن.