الأم اليهودية والمصالحة الفلسطينية../ مصطفى إبراهيم*

أثبت العدوان على قطاع غزة أن الإسرائيليين في دولة الاحتلال أجمعوا وتوحدوا على قتل الفلسطينيين، وأنهم ينطلقون في فهمهم للأخر من خلال بقائهم والحفاظ على مصلحتهم، وعدم اعترافهم بحقوق الآخرين أصحاب الحق في استعادة أراضيهم المحتلة، ومقاومة الاحتلال.

فدولة اليهود تنطلق في تبرير قتل الآخر من أنها تمتلك الحق في ذلك، وأنه لا يوجد سبب لدى الآخر لقتل اليهود. لذا تقول الرواية اليهودية التي يرويها بعض اليهود على أنها نكتة: أن إحدى الأمهات اليهوديات أوصت ابنها الجندي وهي تودعه قبل توجهه إلى الحرب بعد أن زودته بالطعام والشراب أن عليه بعد أن يقتل جندياً من جنود العدو في الحرب أن يستريح ويشرب ويأكل ثم يستمر في قتل جنود الأعداء، وطلبت منه أن يفعل في كل مرة ذلك، فرد عليها ابنها، وإذا قام احد جنود الأعداء بقتلي، فردت عليه بالقول: وماذا لديه ضدك ليقتلك؟

هم أعطوا أنفسهم الحق في قتل الأخرين ونفيهم، وليست مهمة حياة الآخر لأنه لا يوجد للآخر ضدهم شيء.
وعليه جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية دليلا آخر على ازدياد حدة التطرف، والالتفاف حول معسكر اليمين، بقيادة حزب ليكود والأحزاب اليمينية المتطرفة، والفاشية كحزب إسرائيل بيتنا الذي دخل الحياة السياسية الإسرائيلية من باب الهجوم على العرب وقتلهم، خاصة عرب 48، الذين يعتبرهم عدوه الأول، واشتراطه بقائهم على أرضهم بإعلان الولاء لدولة اليهود والاعتراف بها كدولة لليهود.

فالانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عززت الفهم الحقيقي لطبيعة دولة اليهود، وبددت الشكوك لدى كثيرين من الفلسطينيين الذين خلطوا الأوراق في التعامل مع النظام السياسي لدولة اليهود على أن لديهم معسكر يسار، خاصة حزبي العمل وميرتس، وتمادوا في تضييق الهوة في التعامل مع تلك الأحزاب لحد التطبيع والعلاقات الشخصية التي ربطت وما تزال مسؤولين فلسطينيين بمسؤولين من كلا الحزبين.

وعليه ظلوا لفترة طويلة وما زالوا يراهنون على أنهم سيتوصلون إلى تسوية أو اتفاق سلام مع ما يسمى باليسار الصهيوني الذي سقط ومهدد بالتفكك، وفضحه العدوان على غزة، وزاد البعض منهم في خلط تلك المفاهيم عندما أخذوا يروجون أن حزب كاديما، وهو حزب "يميني جل أعضائه هم من الذين فروا من حزب ليكود للبحث عن مصالح شخصية"، على انه أقرب إلى يسار الوسط من كونه حزب يمين الوسط كما يطلق المسؤولون فيه على أنفسهم ذلك.

وهم ما زالوا يراهنون على المضي في مسار "أنابوليس" الذي تعتبره ليفني و كاديما، المسار الحقيقي للتوصل إلى حل على أساس إقامة الدولتين، والذي ترفض على حد زعمها الدخول في ائتلاف مع حزب ليكود الذي تتهمه بأنه غير مؤمن بالعملية السلمية، ويدعو إلى التوصل إلى حل اقتصادي مع الفلسطينيين.

وعلى رغم فشل مسار "أنابوليس" وما يسمى بالعملية السلمية، التي راهن وما يزال الرئيس محمود عباس عليها، ومعه تيار الاعتدال العربي الذي ما يزال يصر أيضا على التمسك به وبالمبادرة العربية كأساس للوصول إلى تسوية مع دولة الاحتلال. ويدل بعض المسؤولين في حزب ليكود على فشل مسار "أنابوليس" انه كان من المفترض التوصل إلى حل من خلاله حتى نهاية العام 2008، ونحن الآن في العام 2009، أي بمعنى انتهاء عمره الافتراضي.

فنتائج الانتخابات الإسرائيلية لها انعكاسات على الوضع الفلسطيني، ولتقليل سلبياتها على الفلسطينيين الإسراع في إعادة توحيد صفوفهم، لأن لديهم فرصة وهم موحدون أن يكشفوا ويعروا نتنياهو وحكومته الفاشية القادمة.
فالحوار الفلسطيني سينطلق في السادس والعشرين من الشهر الجاري في القاهرة، وعلى رغم أن الطرفين المتنازعين عقدا عدداً من اللقاءات بداية الشهر في القاهرة، ورام الله جمعت قيادات ذات وزن ثقيل من حركتي فتح وحماس، هناك أجواء تفاؤل فإن المصالحة الفلسطينية تبدو بعيدة المنال، وهي ليست تنقية للأجواء فقط، بل مرتبطة بالغوص في كل التفاصيل التي قد تبدو صغيرة.

والمصالحة الفلسطينية أيضاً ليست معزولة عن الحديث الدائر حول المصالحات العربية، وتنقية الأجواء بين أطراف النظام العربي الرسمي، خاصة مصر وسورية والسعودية، وكذلك الحديث الدائر عن أن المصالحة الوطنية الفلسطينية، والمصالحة العربية مرتبطة بانتهاء ولاية بوش، وضرورة عقد المصالحة العربية يأتي ارتباطا بالواقع الجديد الذي ستحدده الإدارة الأمريكية الجديدة، وأخذ كل ما يجري في منطقتنا العربية كرزمة واحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

صحيح أن المصالحة العربية ضرورية لنا نحن الفلسطينيين لانعكاسها المباشر على الحال التي وصلنا إليها من الانقسام، وذهبنا في طريق أجبرنا على السير فيه من خلال المشروعين العربيين اللذين يميزان الحال العربية أيضاً.

فلا يكفي أن ننتظر المصالحة العربية أو أن تكون الأجواء ايجابية أثناء الحوار، أو أن تكون النوايا صادقة، فألاهم أن تكون هناك الإرادة الحقيقية النابعة من الخروج من المأزق وحال الانحطاط، والوضع السيئ الذي وصل إليه الفلسطينيين وقضيتهم. فالأمور ليست بهذه السهولة والتبسيط فالحال التي وصل إليها الفلسطينيون من التعقيد والتشابك والتناقض فيما بينهم أصعب ما يتخيله البشر، و يتعزز ذلك كل يوم من خلال الممارسات التي قام ويقوم بها الطرفان كل تجاه الآخر، وبرز ذلك جلياً خلال العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، والممارسات المرتكبة من الطرفين كل في حق الآخر والشعب والقضية.

فهل أدرك الفلسطينيون الذاهبون إلى القاهرة للحوار مدى الخطر الكبير الداهم عليهم، وعلى قضيتهم؟ وان المصالحة ضرورة وطنية مقدمة على كل الأولويات ومن دون شروط، ليس فقط بسبب ما أفرزته نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، بل الايدولوجيا الصهيونية التي تحكم مجموع اليهود في دولة الاحتلال، التي تنطلق في علاقتها بالآخرين من خلال فرض الشروط والاملاءات، وعدم إيمان دولة الاحتلال بحق الآخرين في العيش بحرية وكرامة.