السلوك الانتخابي للعرب الدروز../ سعيد نفاع

تقدمة:

لا شك أن سلوكا غريبا أو على الأقل مثيرا للتساؤل حدث في شكل تصويت جزء من العرب الدروز في الانتخابات للكنيست ال-18 للكائن الحي المسمى ليبرمان، في حين أن دعاية هذا الانتخابيّة كانت ضد العرب بشكل عام لدرجة أن بعض خفيفي الظل تندروا: "صوتوا لليبرمان لأنه سيرحل الدروز في حافلات مكيّفة ليس كبقيّة العرب!".

منذ أن قامت الدولة وحتى الآن لم تتعد قوة الدروز الانتخابيّة نسبة الحسم لعضوية الكنيست، ومع هذا ومنذ الكنيست الثانية عام ال-1951 لم تخل الكنيست من عضو أو أكثر من الدروز وفي أحزاب سلطوية طبعا من خلال قوائم عربيّة مرتبطة، ثلاثيّة: (إسلاميّة –مسيحيّة –درزيّة) بداية ولاحقا مباشرة من خلال الأحزاب الكبيرة، فقد خصص كل حزب مكانا مضمونا لدرزي بغض النظر عن القوة الالكتوراليّة. (صودرت أراضيهم ومورست ضدهم كل سياسات التمييز وأخطرها التجنيد الإجباري بوجود هؤلاء لا بل بموافقتهم في غالب الأحيان).

لا أعتقد أن اثنين يختلفان اليوم كيف ولماذا مورست مثل هذه السياسة ولخدمة أي هدف من أهداف الحركة الصهيونيّة، الهدف القديم للسلطان "فرّق تسد" لتفتيت فلسطينيي البقاء لمجموعات طائفيّة سدا على الاعتراف بهم كأقليّة قوميّة وما يترتّب على ذلك، مستغلة رواسب تاريخيّة من النزاعات المتبادلة حمائليا وطائفيا.

سلوكهم الانتخابيّ العام:

تنفيذا للسياسة أعلاه قوّت السلطات مراكز هؤلاء المنتخبين وقوّمتهم عل مقدرات الناس في العمل ولقمة العيش على طريقة القطيع والراعي، وضربت بالحديد والنار أيّة معارضة لهم وخصوصا من القوى الوطنيّة التي حوصرت أشدّ حصار.

وفي الانتخابات صار غالبيّة الدروز ينقسمون بين القائمة العربيّة الثلاثيّة الأولى وفيها الشيخ جبر داهش معدّي والقائمة العربيّة الثلاثيّة الأخرى وفيها الشيخ المرحوم صالح خنيفس، ولاحقا بين مرشح العمل من آل طريف ومقربيهم ومرشح الليكود من القوى المنافسة على حظوة لدى السلطات وليس على طريق آخر بديل، طبقا لانقساماتهم العائلية المحليّة.

ما من شك أن سياسة تغريب الدروز عن انتمائهم الوطني حققت نجاحا كذلك بسبب تساوق بقيّة العرب معها، فقد مارس هؤلاء الابتعاد عن الدروز ناظرين إليهم نظرة المتشكك مما ساهم دون نيّة مسبقة في الشعور بالاغتراب.
القوى الوطنيّة منهم، المستقلّة والتي انضوت تحت لواء الحزب الشيوعي بغياب بديل، لم تستطع تحقيق أي اختراق في سلوكهم الانتخابيّ إلا سنة 1969 حين صوت المئات من الدروز للحزب الشيوعي لتخرج صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان عريض تعليقا: " حتى أنت يا بروتوس!". واستمرّت القوى الوطنيّة بترسيخ وجودها لكن بشكل بطيء لم يرق إلى المستوى المطلوب، وفي الكثير من الأحيان بسبب السياسة الاحتوائية (بدل الانفتاحيّة) للقوة السياسية المتاحة الوحيدة الحزب الشيوعي، ورغم ترسيخ وجوده في الكثير من المواقع الدرزيّة إلا أن اتساع تأثيره ظلّ محدودا لا بل تقلّص في العقدين الأخيرين وبداية التراجع كانت تحديدا عام 1992 حين فشل محمد نفّاع في التنافس على كرسيّ الكنيست الذي كان تبوأه سابقا بالمناوبة، ولم يكن فشله من باب قدراته أو عدمها!

بداية التغيّر في السلوك الانتخابيّ:

لا شك أن دخول التجمع الوطني الديموقراطي على الساحة العربيّة الدرزيّة سنة 1999 وتحقيقه إنجازا انتخابيا من المرّة الأولى وقبل أن يحصل السفر إلى سوريّة، أوجد نوعا من المنافسة مع الجبهة شحذت همم القوى الوطنيّة التجمعيّة والجبهويّة وازداد التصويت للقوّتين مع ميل بدأ يتسع للتجمع الوطني الديموقراطي لأسباب عدّة ليس الآن المكان للخوض فيها.

يمكن اعتبار انتخابات ال-2006 نقطة بداية هامة في التحوّل في السلوك الانتخابي للعرب الدروز إذ حصل التجمع الوطني الديموقراطي على قرابة ال-5000 صوت ونسبة 28% في بعض القرى، وحصلت الجبهة على ما يقارب ال-2000 صوت. هذه الأعداد وأخذا بالاعتبار نسبة الامتناع غير المسبوقة إذ لم تتعد نسبة المشاركة ال-50% في المغار ويركا والدالية وعسفيا التي تكوّن معا 60% تقريبا من عدد الدروز، هذان الأمران لا شك كانا بداية تحول له مدلولاته من ناحية، ومن ناحية أخرى يضع مسؤوليّة تاريخيّة على القوى الوطنيّة العربيّة الدرزيّة، والعربيّة عامة إذا أرادت أن تصلح خطأ تاريخيا وغُبنا تاريخيا لحقا بنا كأقليّة قوميّة في هذه البلاد تصبو لاعتراف بحقوقها القوميّة الجمعيّة.

هل كانت انتخابات ال-2009 تراجعا ؟

حقيقة هي أن حصول هذا الكائن الحيّ المسمى ليبرمان على آلاف الأصوات من العرب الدروز ليس فقط لأنه رشح درزيا مغمورا على قائمته الانتخابيّة، تثير مثل هذا التساؤل أو السؤال وخصوصا وأن التجمع، رغم وجود مرشح "درزي" في مكان متقدم، تراجع ليس بشكل كبير، ولكن تراجع عن الانتخابات السابقة، والجبهة حققت بعض التقدم لكن ليس الكبير وبالأساس على حساب التجمع ما عدا في موقع واحد. لسنا الآن في صدد دراسة تراجع التجمع والتقدم الطفيف للجبهة مع أن الإثنين حققا معا نسبة لا بأس بها قياسا للسنوات التي سبقت وهذا بحد ذاته أمر جيّد.

رغم ذلك فبداية التغيّر في السلوك الانتخابي للدروز الذي بدأ أو على الأصح برز في انتخابات ال-2006 استمرّ في ال-2009، ومعالمه:

أولا: الامتناع الكبير الذي فاق ال-50% في التجمعات العربيّة الدرزيّة الكبرى كما ذكر، والذي لا معنى له إلا نزعا للثقة عن الأحزاب السلطويّة ومرشحيها الدروز، فقد حدث هذا الامتناع رغم وجود مرشحين دروز على لوائح حزب العمل وكديما وفي أماكن مضمونة أو متقدمة.

فالدروز غير المسيّسين عادة وبسبب اعتبارهم التصويت هو للمرشح الدرزي في هذا الحزب وذاك يصوتون بنسب عالية تبلغ فوق ال-80%، فهبوط النسبة إلى هذا الحد ليس وليد صدفة وإنما فقدان ثقة بالأحزاب السلطويّة ولكنهم لم يرتقوا إلى البديل.

ثانيا: ارتفاع نسبة التصويت للتجمع في انتخابات ال-2006 بنسبة 300% ومحافظة الجبهة على قوتها معلمان آخران لا يقلان أهميّة عن الأول بل أكثر أهميّة، وإذا استثمرا بشكل صحيح وإذا توفرت النيّة لدى الأحزاب العربيّة لتصحيح الخطأ والغبن التاريخيين فلهذين المعلمين أبعاد كبيرة على مجمل مسيرة عرب الداخل الوطنيّة والحياتيّة.

في انتخابات ال-2009 للكنيست ال-18 حاولت الأحزاب الصهيونيّة التقاط أنفاسها وإعادة العرب الدروز إلى الحظيرة خصوصا وقد شهدت الفترة البينيّة أحداثا هامّة في البقيعة وفي قضيّة أراضي الكرمل وأراضي يركا وفك دمج عسفيا، عملت هذه المؤسسة موجهة من المخابرات على إعادتهم للحظيرة عبر وضع أربعة مرشحين على لوائحها في أماكن مضمونة أو قريبة، ولكن كل هذا لم يستطع أن يغيّر من الحقيقة الأولى: "نسبة الامتناع" لا بل فإن النسبة ازدادت.

ففي المغار بلغت النسبة 34% فقط وبالذات بين الدروز، وفي الدالية وعسفيا بلغت النسبة 44% وفي الكثير من المجمعات الأخرى عدا القلّة كـ -بيت جن ويركا وشفاعمرو وحرفيش لم تتعد ال-51% . فعدد المصوتين الدروز الكلّي 65540 مصوتا صوّت منهم 33620 مصوتا.

والأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الصهيونيّة هذه المرّة لم تزد لا بل نقصت بسبب ازدياد نسبة الامتناع وكل ما كان هو تبادل أرقام فيما بينها فأصوات الكائن ليبرمان هي من كديما وكذلك الليكود وذلك كتصويت فرديّ للمرشح، ولكن الحقيقة التي غابت عنّا ويجب أن نتحمل مسئولية ذلك، أن ليبرمان دخل الساحة الدرزيّة طريقة الخاصرة الضعيفة للمجالس بالنشاطات الشبابيّة والمنح الدراسيّة والدورات التدريبيّة عن طريق جمعيّة كان يرأسها مرشحه!!!

صحيح أن الأحزاب العربيّة وبالذات التجمع لم يعزز نسبته لكن الازدياد في التصويت للأحزاب العربيّة قد ترسخ إذ لم تتراجع عن الانتخابات السابقة، فالتراجع الذي حصل لدى التجمع (وكان بالأساس لصالح شكيب شنّان شخصيا بسبب توجهه الاستعطافيّ (ليس للحزب) ولأسباب تتعلق بالانتخابات المحليّة والمثال الصارخ على ذلك في المغار والبقيعة وساجور وطبعا لا يخلو الأمر من أسباب ذاتيّة)، أكثر منه تراجعا فعليا هو عدم تحقيق الهدف الذي وضع لل-2009 ولم يتحقق مما أظهر وكأن التراجع كان كبيرا وهو ليس كذلك نسبيا، فقد حصل التجمع على حوالي ال-4000 صوتا، والجبهة كما قيل حافظت على قوتها لا بل تقدمت في بعض المواقع فقد حصلت على حوالي ال-2000 صوتا.

الخلاصة:

هذه القراءة تحتّم علينا نحن القوى العربيّة الوطنيّة بغض النظر عن اختلاف الانتماءات أن ندرسها معمقا لعلنا نستطيع أن نصحح خطأ وغبنا تاريخيين نحن بأشد الحاجة لتصحيحهما، ففي ذلك مصلحة هوياتيّة وحياتيّة والفرصة ما زالت سانحة.

ملاحظة: لا بدّ هنا من اقتباس ما جاء بالاستطلاعات التي عرضت في مؤتمر هرتسليا التاسع مؤخرا حول "المناعة القوميّة والوطنيّة الإسرائيلية" لدى اليهود والعرب وبضمنهم العرب الدروز، فقد جاء: "وردا على سؤال كم تحب إسرائيل وتفتخر بها انخفضت علامة الدروز إلى أوطى معدلاتها منذ 1990، فقد وصلت إلى 1.4 نقطة من 6 نقاط سنة 2008 في حين كانت 2.4 نقطة من 6 نقاط سنة 2007". ويضيف: "وينوه أولئك (القيمون على الاستطلاعات في المؤتمر) أن نسبة المتجندين الدروز تنخفض لأقل من 50% من مجمل الملزمين بالخدمة العسكريّة محذرين من مخاطر فقدانهم وخسارتهم" (!)