أسئلة المرحلة الانتقالية../ د.عصام نعمان*

يبدو العالم الإسلامي في هذه الآونة محور اهتمام العالم الأوسع. هو كذلك لأن أحداثاً وحوادث تُصنع فيه على مدار الساعة. لكل بلد فيه قضية تتجاوز بمفاعيلها وتداعياتها حدوده الوطنية. إنه عالم الحركة والمتغيرات المتناسلة، وحاضر الخيارات التي ستصنع المستقبل المنظور والبعيد.

غير أن العالم الإسلامي ليس سيد نفسه. ثمة لاعبون دوليون يتدخلون، سياسياً وعسكرياً، ليصنعوا فيه الأحداث. إنه ملعب وساحة لهؤلاء اللاعبين، ولا يشارك لاعبوه في اللعب إلا بمقدار ما يسمحون به. وما كان هؤلاء ليلعبوا دوراً ويمارسوا نفوذاً وسيطرة لولا وجودهم، مباشرةً أو مداورةً، في ملاعب العالم الإسلامي وساحاته المتعددة.

الولايات المتحدة، كبير اللاعبين، موجودة مباشرةً بقواتها العسكرية في العراق وأفغانستان، وبالذراع الطويلة لطيرانها الحربي في باكستان، وبقواعدها وتسهيلاتها العسكرية في كثيرٍ من البلدان الإسلامية، وبأساطيلها البحرية في مختلف المحيطات التي تجاور العالم الإسلامي والبحور التي تحتضنها شطآن يابسته المترامية الأطراف.

إلى ذلك، تتواجد الولايات المتحدة مداورةً في قلب جغرافية العالم الإسلامي وفضائه السياسي. فهي موجودة جغرافياً في الكيان الصهيوني ذاته الذي له دور ووظيفة في استراتيجية أمريكا في غرب آسيا، لاسيما في الشرق الأوسط العربي. وهي موجودة سياسياً بالوكالة أو بالإنابة من خلال الشبكات الحاكمة في مختلف البلدان الإسلامية المتحالفة معها. فحكومات العراق وأفغانستان وباكستان ملتزمة، بموجب اتفاقات ثنائية وقرارات صادرة عن مؤسسات دولية (مجلس الأمن) بمساعدة الولايات المتحدة في “الحرب على الإرهاب”.

في وجه أمريكا وحربها العالمية على “الإرهاب” اندلعت مقاومات وطنية شتى يغلب على معظمها الطابع الإسلامي. معها بدا عالم الإسلام برمته يقاتل أمريكا على امتداد مساحته الواسعة الشاسعة، من موريتانيا غرباً إلى ماليزيا شرقاً، ومن جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية شمالاً إلى بلدان القرن الإفريقي جنوباً.

أفلحت المقاومات الإسلامية في مواجهة أمريكا واستنزافها. أليس هذا ما حدث ويحدث مباشرةً في العراق وأفغانستان وباكستان، ومداورةً في فلسطين ولبنان والسودان؟

بانتخاب باراك أوباما رئيساً، أفاقت أمريكا من أوهام حروبها الفاشلة. وبمبادرته وتحت قيادته قررت الخروج من حمأة أزمتها العالمية المتفاقمة. أعلن ذلك أوباما نفسه في خطبة تنصيبه إذ دعا إلى فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي. ثم دشن ذلك عملياً بزيارة تركيا من حيث هي، في رأيه، نموذجاً متقدماً لإسلام عصري متصالح مع الغرب. وها هو يستعد لزيارة مصر من حيث هي قلب العالم العربي في 4 يونيو/حزيران المقبل.

يتردد أن أوباما قد اختار مصر ليعلن من قلب عاصمتها استراتيجيته المتكاملة لمقاربة كل قضايا أمريكا (والغرب الأطلسي) العالقة مع العالم الإسلامي ومحاولة حلها. باب المقاربة سيكون قضية فلسطين. منه سيلج إلى القضايا الأخرى وأبرزها قضايا العراق وأفغانستان وباكستان والسودان وغيرها. واستعداداً لهذه المهمة الجلل، يقوم الرئيس الأمريكي بجمع المعلومات، وإعداد الملفات ووضع الخطط والمقاربات اللازمة. وفي هذا الإطار اجتمع، أولا، إلى عاهل الأردن عبدالله الثاني، وسيجتمع لاحقاً إلى كل من بنيامين نتنياهو وحسني مبارك ومحمود عباس.

في انتظار تبلور استراتيجية أوباما وإعلانها، يمر العالم الإسلامي كما الولايات المتحدة ودول الغرب الأطلسي في مرحلة “انتقالية”، مرحلة الانتقال من حال التخاصم والتصادم إلى حال التجاور والتفاهم. وهي مرحلة حساسة تثور فيها لدى الجانبين كثير من الأسئلة المفتاحية على النحو الآتي:

* هل اقتنع أوباما وفريقه الحاكم فعلاً بأن إيجاد تسوية عادلة للصراع العربي- “الإسرائيلي” انطلاقاً من قضية فلسطين مستحق لذاته من جهة وكمدخل لا بد منه، من جهة أخرى، لمعالجة قضايا لبنان وسوريا (الجولان) والعراق وإيران (البرنامج النووي)؟

* هل “إسرائيل”، في ظل أكثر الحكومات تطرفاً وتصلباً منذ ستين عاماً، قادرة وراغبة في تقديم التنازلات والتسهيلات التي تراها إدارة أوباما لازمة وممكنة لإنتاج تسوية يعتبرها الفلسطينيون والعرب عادلة ومقبولة؟

* ما الغاية المتوخاة من وراء قيام إدارة أوباما بالتوفيق بين الطرفين العربي و”الإسرائيلي” وإقناعهما باعتماد أسس متفق عليها للتسوية العادلة المنشودة؟ هل هي تحقيق تسوية مقبولة وفاءً لاستحقاق مزمن يفيد منها الطرفان المتصارعان كما الولايات المتحدة، أم هي تدبير سياسي يرمي إلى اجتذاب العالم العربي وإغراء قادته بجدوى التحالف مع الولايات المتحدة في وجه إيران وخيارها النووي من حيث هي “الخطر الأول” الذي يواجه المنطقة؟

* إذا كان جواب قوى المقاومة معروفاً في حال امتناع حكومة “إسرائيل” عن تقديم التنازلات والتسهيلات المطلوبة وهو المزيد من المقاومة، ما تراه يكون موقف دول “الاعتدال” العربية، بل ماذا سيكون موقف إدارة أوباما المتجهة إلى مزيد من التورط في أفغانستان وباكستان، ناهيك بعودة الاضطرابات الأمنية إلى العراق؟

* هل صحيح أن سوريا رفضت شرطاً “إسرائيلياً” - أمريكياً لإعادة الجولان إليها وهو فك تحالفها مع إيران مسبقاً، وان دمشق عادت نتيجة ذلك إلى تسهيل مرور “المجاهدين” إلى العراق والإسهام في عملية تكتيل القوى القومية والإسلامية في وجه أمريكا، ما حمل هذه الأخيرة على إعادة تجديد العقوبات بحق سوريا من جهة والتحذير علانية من محاذير “تهريب” المجاهدين إلى العراق من جهة أخرى؟

* ماذا سيكون موقف قوى المقاومة العربية، لاسيما حركة “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين و”حزب الله” في لبنان في حال انضمام سوريا إلى صف العرب “المعتدلين” الموافقين على أسس محددة لتسوية مقبولة مع “إسرائيل”، أو في حال رفضها ذلك واستمرارها في نهج التحالف مع إيران ودعم قوى المقاومة في العراق؟

* ماذا سيكون موقف إيران في حال انضمام سوريا إلى صف العرب “المعتدلين” الموافقين على أسس محددة لتسوية مقبولة مع “إسرائيل”، أو في حال رفض سوريا وقوى المقاومة العربية، لاسيما في فلسطين ولبنان والعراق، أسس التسوية المعروضة؟

هذه الأسئلة المفتاحية مطروحة على جميع الأطراف المعنيين بالصراع العربي- “الإسرائيلي” في المرحلة الانتقالية. وهم معنيون ومهتمون بإيجاد أجوبة عنها لمساعدتهم على الانتقال بعدها، بشكل أو بآخر، إلى مزيد من حال التخاصم والتصادم أو إلى نمط من أنماط التحاور والتفاهم.
"الخليج"