بوق الأمير: ترحال صحافي لبناني../ د.أسعد أبو خليل*

هذه المذكّرات الخياليّة لم تُكتب بعد، لكنها يجب أن تُكتب خدمة للمنفعة العامّة التي أرّقت الإمام محمد عبده. وهذه المذكرات محفوظة في أرشيف الأمير تركي الذي لم نعرف بعد سبب إقصائه أو تخلّيه عن منصبه في الاستخبارات السعوديّة قبل أيّام.

بدأت قصتي التي أرويها لكم عند اجتياح صدام للكويت عام 1990. كنتُ قبل ذلك من الصادحين في الإعلام العربي الموالي للقذّافي حيناً والموالي لصدّام حيناً آخر. هتفت بحياة البعث وهتفت باسم الجماهيريّة. تنقّلتُ بين عدد من المطبوعات والمحطّات الإعلاميّة. بدأتُ في الصحافة في الستينيات. ناديتُ مع المُنادين بعبد الناصر: كانت الصحافة آنذاك سياسيّة وعقائديّة. وأحمد سعيد الذي يسخرون منه اليوم كان، على علاّته الكثيرة، مبدئيّاً غير مرتزق. لم يصح ولم يزعق تكسّباً: كان مؤمناً بقضيّة وأضرّ بها دون أن يدري. وعاش حياة متواضعة من دون صخب ولم يكن ليمتلك ثمن منزل في «الوسط» قرب السوليدير، ويعيش مغموراً في القاهرة. كانت موجة من الموجات. الكلّ كان يبدأ في الصحافة ليخدم عبد الناصر وليخدم فلسطين. صحيح أن «الجماهير كانت عايزه كده»، وصحيح أن السفارة المصريّة في بيروت كانت تمدّ يد العون (المتواضع مقارنة بالعون النفطي) إلى بعض المطبوعات الصديقة، لكن الالتزام كان حقيقيّاً. مات نسيب المتني مؤمناً بقضيّة لم تكن طائفيّة.

طبعاً، الإعلام لم يكن وحدانيّاً. كان هناك نزاع، وما سمّاه مالكولم كر «الحرب العربيّة الباردة»، في إشارة إلى الحرب بين عبد الناصر وخصومه (من البعث ومن الأنظمة الشخبوطيّة ـ والتسمية لياسين الحافظ الذي يسوّقه بعض معلّقي آل سعود اليوم كأنه كان في خدمة الأمير خالد بن سلطان، مع أن الحافظ عرّف الشخبوطيّة بـ«حزمة من التظاهرات السياسيّة، الأيديولوجيّة، السوسيولوجيّة، الآخذة في التوسّع في المرحلة ما بعد الناصريّة، حيث يتمفصل تأخّر سوسيولوجي وأيديولوجي بدوي تارة وريفي مقترب إلى حافة البداوة تارة أخرى، مع ثروات ماليّة لا صلة لها بإنتاجيّة المجتمع العربي (أي مع غنى مفرط لم يأت به الشغل العربي)»، (راجع كتاب «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة»، في «الأعمال الكاملة لياسين الحافظ»، ص.809).

وجريدة «الحياة» كانت سبّاقة في تسويق الدعاية النفطيّة والسياسة الغربيّة المعادية لمشاريع الوحدة العربيّة وتحرير فلسطين (على عشوائيّة تلك المشاريع وصبيانيّتها وخيبتها). جمعت جريدة «الحياة» عدداً من اليمينيّين العرب (وما اصطُلِح على ترجمته) لتبثّ دعاية مضادة لإعلام عبد الناصر. بعض هؤلاء لا يزال يعمل في صحافة النفط.

قدري قلعجي كان السبّاق. قد يكون أول «شيوعي سابق» في زمانه (كان ذلك قبل أن ينضم إلياس عطا الله إلى «الأمانة العامة» لـ14 آذار، وهذه أبقت اجتماعاتها مفتوحة كما أعلن فارس سعيد ـ النائب في عصر الوصاية فقط): يزعم أنه اكتشف حب الحريّة، مع أنه كان بوقاً لأنظمة الخليج التي لم يُعرف عنها حتى الساعة حبّها للحريّة. سَخّر قلمه لمقارعة رفاقه السابقين ولتبجيل سلالات النفط، ولا سيما آل الصباح (هناك مشهد عن قلعجي في مذكّرات إبراهيم سلامة التي لم تنل حقّها من التغطية الإعلاميّة لأسباب لا تخفى على اللبيب واللبيبة، وهو يحمل حقيبة نقود يدور فيها على أقطاب الصحف في لبنان لشراء المواقف).

حظي حلف الملك فيصل بمطبوعة لبنانيّة يوميّة زمن كانت الصحافة في لبنان متعاطفة ومؤيّدة بطواعية لجمال عبد الناصر. لكن آل سعود لا يحظون بالتأييد المجاني: لا تأييد من دون مال، وهذا دليل على غياب التأييد. (مثل العلاقة المعكوسة بين السلطة والعنف، بمفهموم حنة أرندت). هل هناك فعلاً من هو مُعجب بالملك السعودي؟ يضحك المرء عندما يجهدون لتبيان فضيلة أو موهبة واحدة له، كما يجهد إعلام آل الحريري في تبيان فضيلة أو موهبة واحدة للحريري الصغير.

ثم شاء القدر أن تخلو الساحة للشخبوطيّين بعد وفاة عبد الناصر. كان البعض ينتظرُ منه الخلود ـ وهذا دليل اتكاليّة سياسيّة غير ثوريّة فظيعة ـ لكنّه خذلهم. تغيّر كل شيء بعد ذلك. تغيّرت مهنة الصحافة وتسارعت أنظمة النفط إلى شراء الإعلام، اللبناني خصوصاً، لما له من تاريخ ومن تأثير في ذلك الزمن.

كما أن الإعلام اللبناني كان ذا سمعة شبيهة بسمعة القبائل الأفغانيّة: كان المُستعمِر البريطاني يقول إنك لا تستطيع أن تشتري القبائل الأفغانيّة، لكنّك تستطيع أن تستأجرَها. والإيجار لم يكن يوماً باهظ الثمن في لبنان. قلّة كانت تحظى بالعطايا النفيسة: هؤلاء هم أصحاب الصحف والشبكات وما شابه ـ الذين ينفخون دخان سيجارهم الفاخر ويعرضون ساعاتهم الماسيّة. لكنّ الإيجار في السبعينيات من القرن الماضي كان أفضل مما هو عليه الآن. كان الطلب أكبر مما هو حالياً.

كان المرء يستطيع في السبعينيات والثمانينيات أن يفاصل وأن يدخل في بازار مع الأنظمة، لأن النظام الليبي والعراقي والإماراتي والكويتي كانت كلها تريد الحصول على أبواق. النظام العراقي، من خلال الجهاز الذي سيطر عليه صدّام حسين، كان أكثرهم كرماً: حُرم صدّام (مثله مثل القذافي) السحرَ الجماهيري أو الكاريزما، فحاول أن يعوّض بالإنفاق السخي على الدعاية السياسيّة. يتفوّق على الراعي السعودي والليبي في الإنفاق. والليبي كان ولا يزال مزاجيّاً.

وعندما انتقلت الصحافة اللبنانيّة من بيروت إلى أوروبا ـ لندن وباريس بالتحديد ـ لم تنعم بالحريّة النظريّة التي كانت تقول إنها تنشدها. على العكس: انتقلت لتمتهن الإذعان.

تشتّتت الصحافة اللبنانيّة بين الولاء الليبي والسعودي والعراقي والإماراتي. تعلّمت الأنظمة من تجربة سليم اللوزي (علم من أعلام الصحافة اللبنانيّة بقياس مسخ الوطن): كيف عاتبه مرّة الشيخ زايد لأنه لا يكيل له المديح في مجلّة «الحوادث». أجابه اللوزي ضاحكاً وفق الرواية المعروفة: «أنت دفعتَ لكي لا أنتقدك، المديح يكلّفك أكثر».

وكالت الصحافة المهاجرة المدائح. أصبح لفؤاد مطر مطبوعة خاصّة به من لندن، وزاد عليها كتاباً من أسئلة التبجيل عن صدّام حسين. كانت السفارات العراقيّة حول العالم توزّع كتاب مطر بلغات تزيد على الثلاث.«الوطن العربي» أدّت دوراً مهمّاً (ورثته من صحيفة «المحرّر» في بيروت والتي لم تسمح لها المواهب الصحافيّة العاملة فيها بتحويلها إلى منبر دعائي بعثي عراقي، بل كانت أكثر من ذلك بكثير وأسهمت في إضفاء حيويّة دافقة على الثقافة السياسيّة والشعبيّة اللبنانيّة في زمن عزّ صحيفة «النهار» اليمينيّة الخبيثة في طائفيّتها ونخبويّتها الطبقيّة، والتي فقدت مجدها وبريقها، وعن استحقاق وجدارة، إلا إذا كنت من متسوّلي المديح اليومي لآل الحريري وآل سعود والبطريرك العروبي ـ ليوم واحد فقط).«الوطن العربي» كانت منبراً دعائيّا فقط، لا أكثر. لكنّ الإعلام الخليجي تناغم معها آنذاك، لأن تكبير صدّام ودعم حربه على إيران كانا مهمّة عربيّة مشتركة، زاد الدعم الأميركي من أولويّتها.

النظام الليبي كان أكثر صعوبة. القذّافي أقنع نفسه، ووجد في بعض المثقّفين اللبنانيّين ـ بعضهم ناشط في تيّار المستقبل الحريري اليوم ـ من يقنعُه، بأنه مثقف هو الآخر. كان يصرّ على إجراء مقابلات صحافيّة غير سياسيّة يسمّيها «فكريّة». صفحات طوال من الهذيان غير الثوري.

كان على الناشر أن يعدّ ـ مثل الطالب قبل الامتحانات ـ من خلال قراءة مكثّفة لـ«الكتاب الأخضر» الذي يصلح للاستعمال منوّماً يحتاج إلى وصفة طبيّة لشدّة وقعه. كان على الناشر ومن يرافقه من الصحافيّين تصنّع الاهتمام بـ«الكتاب الأخضر» والمناقشة فيه، والذي لا يمكن أن ينال علامة ناجحة في مباراة إنشاء في مدرسة ابتدائيّة. وكان النظام الليبي يدعو مثقّفين لحضور ندوات ومؤتمرات لبحث «الكتاب الأخضر»، وكان جورج حاوي ومحسن إبراهيم من المواظبين على الحضور إلى ليبيا للثناء على نظريّات العقيد. والعقيد أجزل العطاء في حقبة الحرب الأهليّة في لبنان: كان يخصّص مبلغاً شهريّاً لكل تنظيم محظي في «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة»، وكان كل أمين عام لتلك النظيمات يتلقّى مبلغاً شهريّاً كبيراً يتصرّف به كما يشاء. من ليبيا لهم هذا، وذاك. (أقام النظام الليبي علاقات خاصّة مع أمين الجميّل).

لكن كل تلك الرعاية من الأنظمة تغيّرت. نائب قائد العمليّات الحربيّة الأميركيّة ضد العراق، خالد بن سلطان، تولّى فقط مهمة قيادة العمليّات الإعلاميّة العربيّة ليحرم صدّام وسائل دعايته. مجلّة «الوطن العربي» أشادت في الأسابيع الأولى للاجتياح بحكمة صدّام وعظمته، لتعود وتجد فيه طاغية بعد أيام من الثناء. وصل إليهم خالد بن سلطان. انتقل الولاء، واحتاج آل سعود إلى أن «يستأجر» على مدى سنوات جريدة «الحياة» التي كانت ليبراليّة إلى حدٍّ ما في التسعينيات. زالت مطبوعات النظاميْن الليبي والعراقي من الوجود، وساد آل سعود. حكمتُهم طغت. تشتت بعض الصحافة وتيتّم البعض الآخر.

الصحافة الخليجيّة (سعوديّة وكويتيّة) هي التي أسهمت في بناء عبادة شخصيّة صدّام، وهي التي عادت بأمر أميركي وتذكّرت خروقه لحقوق الإنسان، عام 1991، تمهيداً للحرب الأميركيّة على العراق، ومرّة أخرى عام 2003 تمهيداً لحرب أميركيّة أخرى على العراق. لكنّ الإعلام السعودي عاد وبثّ نوعاً من الحنين إلى صدّام للمساهمة في إثارة الفتنة الطائفيّة في العراق، ولدعم المعارضة لحكم الميليشيات الشيعيّة الطائفيّة في بغداد. وأنا ـ أي الصحافي اللبناني الذي يكتب لكم خواطره، لا كاتب هذه المقالة ـ كنتُ واحداً من هؤلاء: عندما عملتُ في الإعلام العراقي، كنّا نتناقل كتاب فؤاد مطر في تبجيل صدّام.

لم يكن الأخير يقبل أن يُشبّه بصلاح الدّين أو بعبد الناصر. رأى في نفسه شخصيّة تتفوّق على كلّ عظماء التاريخ العربي والعالمي: لكنه انتهى قابعاً في حفرة تحت الأرض يستجدي جنود الاحتلال الأميركي للحصول على حاجاته اليوميّة. كان مطلوباً من الصحافي في إعلام صدّام المساهمة في كتابة التقارير الأمنيّة، وكان جهاز الاستخبارات العراقي يتولّى الكثير من عمليّات التمويل للإعلام العربي. لكن كل ذلك تغيّر بعدما ساد إعلام آل سعود (وتابعه، آل الحريري).

لم أشعر بالدوار وأنا أتنقّل من إعلام ناصري في الستينيات إلى إعلام صدّامي في السبعينيات إلى إعلام سعودي في التسعينيات وما بعد. ليست حالي استثنائيّة. هناك فريق مجلّة «الوطن العربي» ومجلّة «التضامن» اللندنيّة وقد تحوّل بالكامل إلى خدمة آل سعود وآل الحريري. والإعلام السعودي يتمتع بنسبة صفاقة الدعاية ذاتها التي يتمتع بها إعلام صدّام: لا يطال المديح فقط الملك وأفراد عائلته، بل أيضاً كل فرد من أفراد العائلة الحاكمة ومن يخدمه من العامة، مثل الوزراء. وإذا مرّ أمير أو تابع أمير في لندن أو باريس بهدف السياحة، علينا أن نجعل غرض الزيارة سياسيّاً لدعم القضايا العربيّة. ولذلك، فإن صيف ألف ليلة وليلة للملك فهد في إسبانيا كان من أجل التحادث مع الحكومة الإسبانيّة في شأن القضيّة الفلسطينيّة.

الإعلام السعودي كان يتجنّب استفزاز الأنظمة العربيّة في التسعينيات. وكان المطلوب إغداق الثناء على الأنظمة الوثيقة الصلة بالنظام السعودي، مثل المصري والسوري خصوصاً، لدورهما في دعم الحرب الأميركيّة على العراق في 1991. وكانت صفحات الصحف السعوديّة مملوءة بالدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة وذم إسرائيل والصهيونيّة واليهوديّة من كتّاب أصوليّين وعلمانيّين. الكلّ في خدمة آل سعود. لكن كل ذلك تغيّر بعد 11 أيلول وبعد 2003. قوانين اللعبة تغيّرت. ازدادت الضغوط لإصدار مواقف واضحة وقاسية في الدفاع عن آل سعود (والتوابع في آل الحريري): الثناء على الأنظمة المُتحالفة مع النظام السعودي كان مطلوباً والحرب الشعواء على خصوم السعوديّة من الأنظمة العربيّة باتت شرطاً وظيفيّاً.

هناك من تخصّص في المديح (أي مديح آل سعود وتوابعهم)، ومن تنطّح للبروز في المديح، مثل منير الحافي في كتابه المسلوق سلقاً، الذي يعجّ بالأخطاء والتملّق والهوان. وهناك أيضاً من تملّص من مهنة المديح عبر المديح المُبطّن والهجاء المتواصل لكل خصوم النظام السعودي في الشرق الأوسط. تذاكٍ.

لذلك، من طرائف الليبراليّة العربيّة أن دعاتها في إعلام آل سعود يناصرون حريّة المرأة في إيران ويطالبون بالمزيد من تمثيل المرأة، فيما هم لم يلاحظوا بعد وضع المرأة في السعوديّة. هم من خصوم النظام السوري والليبي، لكنهم معجبون بتجربة القمع في تونس والمغرب والأردن. الليبراليّة الوهابيّة السائدة في صحف أمراء آل سعود هي في استفظاع تسلّط حماس في غزة، لكن في تجاهل تسلّط مضاعف في الضفة حيث تعترف مجلّة «نيوزويك» في مقالة تبجيل بسلام فيّاض (الذي استطاع الحصول على 2،4% من أصوات شعبه في القائمة التي ضمّته مع حنان عشراوي في آخر انتخابات اشتراعيّة فلسطينيّة ـ وكل المطبوعات الصهيونيّة والسعوديّة تضخ ثناءً على سلام فيّاض لأن الراعي الأميركي قرّر أن فيّاض هو الخليفة في حكم «كويزلنغ» في رام الله) أن حكم فياض ـ دحلان ـ أبو مازن اعتقل 8000 فلسطيني في عام واحد، ومعارضة الدحلانيّة ممنوعة هناك. لكن الحكم الوكيل عن الاحتلال يحظى بدعم إماراتي ـ أردني ـ مصري ـ سعودي وذلك من أجل الدفع قدماً بعمليّة التطبيع مع إسرائيل.

وتجدني اليوم، مثلي مثل فؤاد مطر (الذي تطوّع في الستينيات وأوائل السبعينيات للدفاع عن عبد الناصر) الذي يكيل المديح الدوري لآل سعود ويجد ـ هكذا فجأة ـ أن الملك المؤسِّس للنظام السعودي يشبه في شخصيّته عبدالناصر (راجع كتابه «للقائد التاريخي قلم ينصفه»، كما أنه عاد في مقالة في الشرق الأوسط وشبّه الملك عبدالله ـ الذي يتمتّع بطلاقة سعد الحريري وفصاحته ـ بجمال عبدالناصر (راجع مقالته «عبد الله بن عبد العزيز وعبد الناصر» في جريدة الأمير سلمان، «الشرق الأوسط»، 31 يناير، 2006). المطلوب أن أجول بناظري حول العالم العربي وأن أؤيّد كل تنظيم أو شخصيّة أو نظام يحظى بالتأييد السعودي، وأن أسوق التأييد من منظار الإسلام أو الليبراليّة، لا فرق.

ولذلك، فأنا أؤيّد مشروع آل الحريري في لبنان من باب الدولة المدنيّة، وأؤيّد السلفيّة اليمنيّة من باب محاربة الشيعة. وأنا أؤيّد مشروع آل الحريري من باب دعم «أهل السنّة» (أو «لحمة الوطن» بلغة فؤاد السنيورة في خطبة تحريض مذهبي رمضاني، لكنّ الرجل معذور فلم يحمه في أسر السرايا إلا سلاح المذهبيّة)، كما أدعم القوات اللبنانيّة من باب التوافق والتعدديّة.

أنا أعارض النظام السوري في أسبوع، وأؤيّده في أسبوع، وأدافع عنه بوجه حملات المالكي عندما تكون العلاقات بين السعوديّة وسوريا في مرحلة هدنة أو وئام. أؤيّد التحالف المصري ـ الإسرائيلي ضد أهل غزة، لكن أعارض أي بوادر للاعتراف بإسرائيل من حماس أو قطر. أؤيّد الإصلاحيّين في إيران، وأطالب بزجّهم في السجون في السعوديّة. أنا مع الرأفة بالمعارضين في إيران وسوريا، ومع رجمهم وقطع رؤوسهم في السعوديّة ومصر. أنا مع نزاهة الانتخابات في إيران وضد الانتخابات بالمطلق في السعوديّة. أنا ضد إعادة انتخاب أحمدي نجاد، ومع حكم أبدي لحسني مبارك وآل سعود والهاشميّين في الأردن.

لكن، لا تقسوا في أحكامكم عليّ وعلي غيري من الصحافيّين. ماذا تفعل اليوم في لبنان إذا أردت أن تعمل في مجال الإعلام وحوالى 95% أو أكثر من الإعلام اللبناني (والعربي) مملوك من آل سعود (وتوابعهم، بمَن فيهم آل الحريري)؟ أين تذهب؟ كيف يمكنك أن تعمل في الإعلام إذا كنتَ معارضاً للهيمنة السعوديّة ــ الأميركيّة في العالم العربي؟ لو شاء صحافي أو صحافيّة في لبنان العمل في محطّة تلفزيونيّة غير مملوكة من آل سعود وتوابعهم، أين يذهب، من دون السعي للبطالة؟ لو شاء صحافي عربي معارض للنظام السعودي أن يعمل في الإعلام العربي غير الموالي للسعوديّة، فلن يجد ملجأً، وخصوصاً أن قطر تصالحت مع السعوديّة، ومحطة «المنار» على سبيل المثال، تطلب من ضيوفها (كما روى لي أحدهم) عدم التعرّض للنظام السعودي بالنقد. الأبواب مغلقة، النظام السعودي لا يسامح، ومحطة «الجديد» تتلقّى تهديدات من «عربسات» بسبب بثّها نقداً للنظام السعودي (ألم يحاول الداعي الديموقراطي رفيق الحريري، ونصير حريّة الإعلام، أن يُغلق محطة «الجديد»؟ ألم يكن رئيساً للحكومة عند إغلاق محطة «إم.تي.في؟ طبعاً يقولون إنه كان مغلوباً على أمره، وذلك لمدّة لم تتجاوز الاثنتي عشرة سنة بالتمام والكمال، ومن موقع سدّة رئاسة الحكومة).

أما الصحافي الذي (أو التي) يناصر آل سعود، مثل شدا عمر (التي وصفت ملك السعوديّة بقائد «الثورة الإصلاحيّة»، كما أنها بدلاً من مناصرة زميلها مالك مكتبي في الحملة التي يتعرّض لها في إعلام آل سعود، وعظت بضرورة احترام معايير القمع في المملكة الوهابيّة ـ وهي التي استنكرت على الهواء اعتقال العميل الإسرائيلي المُتهم، زياد حمصي، لأنها وجدت فيه إثارة للفتنة المذهبيّة ـ يا محسنين ومحسنات) فعلى الرحب والسعة.

والذي يكيل المديح لآل سعود وآل نهيان وآل مكتوم يجد أبواب الإعلام العربي مفتوحة أمامه وأمامها، ويستطيع أن يتنقّل بينها بخفة ورشاقة، وأن يفاوض على السعر الأفضل.

قد تسألون ما بقي مني أو فيّ من مبادئ. قد تظنّون أنني قمعت وللأبد ما يكمن فيّ من أحاسيس وعواطف وأفكار. هذا صحيح إلى حدّ ما. لكن قد يأتي يوم تزول فيه تلك الأنظمة، ويزول فيه كابوس النفط عن الإعلام والنشر العربي. عندها، سينطلق في داخلي ومن داخلي شخص آخر. لكن، إلى أن يأتي ذلك اليوم، فسمير عطا الله وفؤاد مطر هما القدوتان، وأنا ذاهب إلى الجنادريّة لا ألوي على شيء.
"الأخبار"