السودان، وباقي بؤر التوتر الست ورابطها الجنوبي../ عبد اللطيف مهنا

لا تقتصر بؤر التوتر ذات التأثير بعيد المدى، على مستقبل السودان، ووحدته واتجاهات مصيره، أو تماسك موزاييك تنويعاته المتعددة في خارطته الثرية الراهنة، على ما كنا تعرضنا لها في المقالات السابقة. أي على تلك البؤر الثلاث التي استوطنت جنوبه وغربه وشرقه. وإنما يمكن إضافة ثلاث أخرى لها، لسوف نتعرض لها مجتمعة في هذا المقال الأخير حول السودان.

اثنتان منها شهدتا تمردين عسكريين، خمدا الآن، أو أخمدتهما المتغيرات التي طرأت على العوامل الداخلية والخارجية، التي كانت قد أشعلت فتائلهما ثم أطفأتهما إلى حين عندما تبدّلت، وبالتالي أسهمت هذه المتغيرات فيما يعرف باتفاقات السلام التي عقدت بين الحكومة المركزية في الخرطوم ومتمرديهما. أي تماماً شأنهما شأن ما جرى مع متمردي الشرق.

أما الثالثة فثقافية السمة لم تصل بعد إلى حدود العنف المسلح، لجملة من السمات والظروف المختلفة المحيطة بها، وإنما إلى ما هو من الممكن وصفه بحالة من التبرم، الذي قد لا يقل بتعاضده مع سواه خطورة في المستقبل على النسيج السوداني الثري وعروبة هذا القطر ذي الخصوصية الفريدة.

وإجمالاً، فإن كل بؤرة من بؤر التوتر الست في الجسد السوداني المترامي هذه لها خصوصيتها وظروفها، وإن كان قد غذّاها جميعاً وأسهم في بعثها وكان المحرض المباشر لها طوال الحقبة الماضية طرف واحد هي مرتبطة أو وثيقة الصلة به. إنه التمرد في الجنوب، هذا الذي رأى في بعث سواه من التمردات عوامل ضغط مساعدة له في مواجهة المركز وإضعافه، فالذي يسهّل بالتالي له تحقيق أهدافه. ويمكن القول أن مستقبل جنوب السودان إن كان وحدة أم انفصالاً، أو مستقبل اتفاق نيفاشا، سيكون له الأثر البعيد في إطفاء باقي البؤر الخمس أو إذكائها.

هذه البؤر الثلاث التي لم نعرض لها سابقاً هي ما يعرف بجبال الأنغسنا، في جنوب النيل الأزرق، أو على مدخله إلى أراض السودان من حيث الحدود الأثيوبية، وجبال النوبة، المحاذية لمنطقة أبيي شمالاً، التي تشكل الأخيرة حلقة الوصل لها مع الجنوب. ثم منطقة النوبا المعروفة في شمال السودان وجنوب مصر والواقعة على الحدود فيما بينهما وتوغل في البلدين جنوباً وشمالاً.

الاثنتان، الأنغستا وجبال النوبا، التي يقطنها النوباويون، المختلفون عن النوبيين، شهدتا، كما هو معروف، تمرداً عسكرياً، أما الثالثة، أو بلاد النوبة فاقتصر الأمر، كما أشرنا ووصفنا، على نوع من التمرد الثقافي، وتنفرد عن سابقتيها بأن تململها الثقافي لازال مستمراً، وإن خبت جذوته قليلاً جراء اختلاف حال العوامل المؤثرة الأخرى المشار إليها بدايةً... وحيث لا اتفاقات أو حلول تمت مع المركز، وذلك لاختلاف طبيعة المسألة وظروفها وحجمها أو تأثيرها، أو موقعها وترتيبها في أولويات صراع هذا المركز مع أطرافه، وليس لعدم جديتها... ولنعرض لهذا البؤر الثلاث واحدةً واحدة:

يقطن منطقة جنوب النيل الأزرق مجموعات عرقية أربع هي الفونج والعرب والأنغسنا والمابان، الأولى زنجية مسلمة وتشكل مع العرب المسلمين الغالبية السكانية، والاثنتان الباقتان هما زنجيتان وثنيتان. وتاريخياً شهدت المنطقة ما عرف بمملكة الفونج، هؤلاء الذين كانوا بتحالفهم مع العرب المعروفين بالعبد اللاب ضد الممالك النوبية المسيحية قد حسموا عروبة السودان، أما التمرد فقد بدأ فيها عندما أسس جون غرنق زعيم حركة التمرد الجنوبية فرعاً لحركته في المنطقة، أطلق عليه وارتو، أو مربع الحرب الثاني، وساعده على هذا تواجده على مقربة حيث الطرف الأثيوبي للحدود، الذي وفرته له سياسة أديس أبابا الداعمة والراعية لحركته في حينه، إبان نظام منغستوهيلامريم، ليسهم سقوط نظامه فيما بعد، واتفاق نيفاشا لاحقاً، في عزل هذه البؤرة وساعد على خبوها، وحيث اكتفى هذا الاتفاق بإعطائها وضعاً خاصاً في حالة اختار الجنوب الانفصال في الاستفتاء المنصوص عليه في نهاية المرحلة الانتقالية المقتربة.

أما جبال النوبا، فهي مزيج من قبائل زنجية وعربية غالبيتها مسلمة، إلى جانب أقلية مسيحية وأخرى وثنية، ويقطن النوباويون المناطق الجبلية المرتفعة التي يشهد وسطها وجنوبها حالة التمرد، أما العرب من قبائل المسيرية والزريقات والحوازمة، المعارضون للتمرد، فيقطنون السفوح المحيطة. أما بوادر التمرد فنشأت عندما أسس الأب فيليب عباس غبوش حركة قومية اجتماعية وقادها. أطلق عليها الحزب القومي السوداني، ومن المعروف أن النميري حاكم السودان في حينه قد حكم عليه بالإعدام ثم عفا عنه، وبعدها نشأت حركة ذات نزوع يساري أطلق عليها اتحاد جبال النوبا، بيد أن الحالة شهدت تطورها اللاحق عندما اعتمد جون غرنق على اليسار والوسط المسيحي في إنشاء فرع لحركته هناك، أو ذات الأمر الذي فعله في جبال الأنغسنا، وكان بقيادة يوسف كوه مكي، انقسم فيما بعد إلى قسمين، وأحدهما ظل موالياً لغرنق بقيادة مكي، والآخر انحاز إلى جانب الحكومة المركزية بقيادة محمد هارون كافي. كما، شهد هذا التمرد مثله مثل مثيله في جبال الأنغسنا خاتمة نيفاشية أيضاً، حيث رسمت الاتفاقية مع الجنوبيين وضعاً خاصاً لجبال النوبا مشابه لجبال الأنغسنا، كما أسهم في مثل هذه النهاية أن المنطقة برمتها يحول بينها والجنوب محيط بدوي عربي ليس في وارده قبول مساومة على وحدة السودان وعروبته وإسلامه.

أما البؤرة الأخيرة، ذات السمة الثقافية، فهي بلاد النوبا شمالي السودان أو المنطقة التي تشطرها الحدود السياسية الراهنة للقطرين السوداني والمصري، حيث يعيش في الطرف السوداني ثلاث مجموعات نوبية تعددت لهجاتها المنتمية للغة واحدة وثقافة واحدة ضاربة الجذور في التاريخ، هي، الدناقلة جنوباً، والسكوت - المحس وسطاً، والفيدجا في أقصى الشمال، والأخيرة ثلثاها على الجانب المصري من الحدود. ويقال إن المشكلة قد بدأت في مصر، حيث لعهود لم يعرفها السودان، بل أن المهدي الذي تنسب له الثورة المهدية ذات الأثر البعيد في التكوين السوداني الراهن، وامتدادتها الموروثة المتمثلة في حزب الأنصار بقيادة زعيمة الحالي الصادق المهدي، هو نوبي، وأن عبدالله الخليل أول رئيس للسودان بعد الاستقلال والرئيسين العسكريين إبراهيم عبود وجعفر النميري هم نوبيون دناقلة، وتقليدياً يظل حوالي نصف مجلس الوزراء السوداني وكبار الضباط نوبيين.

ومجموعة الدناقلة تتسم راهناً بتوجهها الإسلامي إلى جانب وجود نفوذ تقليدي للمهدية لازال فاعلاً. إلى جانب تيار يساري يمثله الحزب الشيوعي السوداني يتوزع تأثيره هنا و هناك في سائر مناطق النوبة. من هنا، يمكن القول، أنه لا مشكلة سياسية هنا، بقدر ما هي ثقافية نخبوية، مصدرها حركة إحياء ثقافي قديمة عابرة للحدود ناشطة على طرفيها المصري و السوداني يقتصر تأثيرها على النخبة ورهن وسطها المنادي بالتركيز على الثقافة النوبية التاريخية، بلغت حدتها بإنشاء حركة كوش ذات النزعة القومية الاجتماعية التي أسسها زعيمها الدكتور تيسير، العضو في حركة غرنق، وبتشجيع من الأخير للهدف إياه فتح جبهة مساندة لتمرده الجنوبي في الشمال، بيد أن الكوشيون هؤلاء نأوا بأنفسهم فيما بعد عن غرنق بعيد اتفاق نيفاشا، الذي لم يلحظ أي وضع لهم في السلام الموعود، واكتفوا بالتركيز على إحياء الثقافة النوبية التاريخية، لكن خطورة مثل هذه الظاهرة المتلطية وراء الثقافة الموروثة، تكمن في كونها تلاقي رعاية و دعماً غربياً كبيراً، فيه لمسة توراتية تتسم بنظرة شبيهة بالنظرة إلى الآشوريين، تتحدث عن ما يدعى مملكة كوش التوراتية النوبية المعروفة في العبرية ب "كوشيم"!

... وأخيراً، لابد من الإشارة إلى أنه بتركيزنا على الأخطار التي تتهدد سودان العرب بما يعنيه للأمة العربية موقعاً ودوراً، أو دقنا لجرس الإنذار عبر المقالات الأربع التي نأتي هنا إلى آخرها، لا يعني أبداً انتفاء تفاؤلنا بنجاح السودان في اجتياز عواقب مثل هذه الأخطار وتغلبه عليها، لاسيما وأن نسيج هذا البلد المتعدد المتنوع لا تنظم عقده إلا عروبته الغالبة وإسلامه العميق، ولا تصوغ تكوينه وتؤطره وتعطيه هويته وتحميها إلا ثقافته العربية الإسلامية الراسخة. وعليه، فلا خيار له إلا حفاظه عليها كضرورة. وباستثناء أم مشاكله في الجنوب ورافعتها، فإن سائر المشاكل الخمس تظل في حكم الهامشية على تفاوت خطورتها وعلاقتها بهذه المشكلة الأم، ويظل مصيرها محكوم بالحل. لكن السؤال يظل هو السؤال: وماذا يفعل العرب أو سوف يفعلون لحماية سودانهم من أخطار التشرذم المبيت الذي يسعى أعداء الأمة مجتمعين له؟

متى ينظرون بجدية أكثر لمشاكل السودان؟ هل لهم أن يحاولوا فهمها أو دراستها بعمق قبل اتخاذ مواقفهم السياسية المطلوبة حيال ما يجري هناك؟ وباختصار، ما مدى إحساسهم بمسؤوليتهم إزاء ضرورة الإجابة على كل هذه الأسئلة؟

...هنا، يؤسفنا التذكير بمفارقة مؤلمة، وهي أن بعضاً من قوات غرنق المتمردة، في مرحلة من المراحل التي كان يرفع فيها راية ماركسية، ويقيم أوسع العلاقة مع الصهيونية، و يتلقى الدعم من الكنائس التبشيرية الغربية، قد تلقت تدريباتها القتالية في ما كان اليمن الديموقراطي قبل الوحدة اليمنية... وأن المتمردين تمكنوا في مرحلة من الحرب من إسقاط عشرات الطائرات السودانية باستخدامهم المفاجئ حينها لصواريخ سام سبعة ليبية المصدر!