لا ديمقراطية للتابع../ فيصل جلول

ما الذي يفعله عرب اليوم بفضائهم الواسع المعمر منذ أكثر من 1400 عام؟ هل يعقل أن تتهاوى أمام أعينهم مناطق ودول ويتصرفون كأنهم لا يبصرون، وان أبصروا وكأن الأمر لا يعنيهم؟

لقد تهاوى الصومال وتعايشنا مع مآسيه وكأنها تقع في قارة أخرى. وتهاوى العراق وها نحن نتعايش مع مُحتله وكأن الأمر لا يعنينا. وتحاصر غزة وتمنع من رفع أنقاض منازلها فنتعايش مع آلامها وكأنها لا تعنينا. وتكاد الحفريات الصهيونية تطيح بالمسجد الأقصى ونحن نتفرج. وينهال الاستيطان الصهيوني على ما تبقى من أراض فلسطينية فنراهن على البيت الابيض لوقف الاستيطان وكأن الأمر يطال أراضي أمريكية أو كأننا نحسن الظن بواشنطن. ويصرخ السودان جنوبا وغربا وتهدد وحدته فنقول إنها مشكلة نظام حكم ونمضي في متابعة عادياتنا. وتضرب الطائفية الكريهة أكثر من بلد عربي فنقلب شفاهنا ونمتعض وكأن الخطر مازال بعيدا عنا. وتجاهر جماعات اندمجت معنا منذ أن وجدنا بتفكيك عرى الاندماج وتقول لا نريدكم فنفتح لها وسائل التعبير عندنا وكأن الوسائل الاجنبية لا تكفيها ولا تلبي حاجتها في نشر خطب الانفصال والكراهية لتراثنا الاندماجي المشترك.

لقد آن لنا أن نعترف بأن حجم مصيبتنا يتعدى الأنظمة والمعارضة معا. فالألعاب الدولية والاقليمية التي تدور في فضائنا الواسع تنطلق من حسبة بسيطة: فالمسؤول غير المطيع يهدد بمعارضته حتى يطيع والمعارضة غير المطيعة تهدد بدوام المسؤول حتى تطيع. فإن أطاع المسؤول وأطاعت المعارضة تصبح العملية السياسية بين فكي كماشة يمسك بها الأجنبي ويخضع الجميع لشروط التبعية شبه المطلقة التي تمر بالضرورة بما يتناسب مع مصالح الكيان الصهيوني أولاً.

لقد آن لنا أن نرى أن الديمقراطية ليست حلاً لأمة لا تملك زمام أمورها. انها حل للأمم السيدة فقط لا غير، وهي كانت كذلك على الدوام منذ ولادتها في روما القديمة كحل للأسياد وليس للعبيد. وبما أننا امة لا تصنع خبزها ولا تعرف كيف تداوي مرضاها وتبني مساكنها بطوب الآخرين وتلبس ملابسهم، فلا سيادة لنا وبالتالي لا ديمقراطية ولا من يحزنون.

إن المشهد اللبناني الذي ملأنا به سماء الشرق الاوسط ضوضاء وجعجعة ديمقراطية يبين لمن يفتح عينيه جيدا كيف أن صناديق الاقتراع تضج بالأصوات النازعة إلى إلغاء هذا الفريق لصالح فريق آخر، وهذه الجماعة لصالح جماعة أخرى، وأن كلفة الاقتراع تقدر بمليارات الدولارات الخارجية، وإذ يفوز من فاز بدولارات الأجنبي فهو يضرب بسيفه، وما دام اللبنانيون يضربون بسيوف مموليهم فإن ديمقراطيتهم لا تعدو كونها وسيلة لتظهير تبعيتهم من جهة ولتعبئة جماعاتهم ضد بعضها تمهيدا لجولة جديدة من حرب أهلية باردة تارة وساخنة تارة أخرى منذ الاستقلال وحتى اللحظة.

وإذ ينتصر بعضنا في مجابهة أعدائنا كما هي حال منظمات المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان لا يتحول الانتصار الى فرصة للنهوض والتصدي للتبعية بل إلى مصدر للهواجس والتطييف والعداوات القميئة والمؤامرات الدنيئة، ومعه تبدو بيئتنا وكأنها فطرت على الخضوع والتبعية إلى حد أنها باتت تكره الانتصار والمنتصرين وتواظب على الكره حتى تقفل هلالين مشرفين في سيرة سياسية معاصرة لا تدعو للافتخار.

ثمة من يعتقد أن حالنا البائسة ليست فريدة في تاريخنا الطويل فقد سبق لنا أن عرفنا الانحطاط في عهود غابرنا، وطوينا صفحته، وأن مخزوننا الحضاري ينطوي على عناصر قوة لا تقهر، وأن نهوضنا ثابت وحتمي وانحطاطنا عابر.

لا يخلو هذا التقدير من الصحة لكنه أبعد من أن يكون بوليصة تأمين لمستقبلنا خصوصا عندما نمعن النظر في التاريخ جيدا ونرى حضارات لا تقل عن حضارتنا عراقة وقوة، لكنها صارت أثرا بعد عين لا يهتم أحد بمصيرها غير قبضة من علماء الآثار ووكالات السفر وزبائنها من السياح الساذجين.

ليست هذه دعوة لليأس والإحباط بل صرخة قبل فوات الأوان. هذا إن لم يفت بعد.
"الخليج"