أحمدي نجاد.. العربي../ نصري الصايغ

العلاقات الندية بين الدول، تضاءلت كثيراً. الزمن الذي وقف فيه الجنرال ديغول في وجه أميركا قد ولّى. عندما قرر أن تكون فرنسا خارج حظيرة الحلف الأطلسي، كان قد امتلك السرّ النووي، وأدخل باريس إلى مائدة الذرة.

منذ ذلك التاريخ، صارت العلاقات الندية، حكراً على قادة المعسكرين، الرأسمالي والشيوعي، ونُسجت السياسة بين البلدان، المتفاوتة القوى، على قاعدة موازين المصالح وموازين القوة.

عربياً، الندية الخطابية، حضرت في مهرجانات السياسات القومية، وتفرد عملياً جمال عبد الناصر بتطبيق ذلك، عبر تأميمه قناة السويس، وخوضه معركة «صد العدوان»، ومعركة إزالة الاستعمار، ومعركة «القرار المستقل»، من خلال تكتل دول عدم الانحياز.

بعد ذلك، خفتت الندية العربية الرسمية، وتحوّل الخطاب العربي إلى بيان سياسي تلفيقي، تتفوق فيه اللغة الخشبية التي تقول شيئا واحدا: «أيتها الدول الكبرى، خذينا بحلمك». وسادت السياسة التي ترى في التأني السلامة، وأن العين لا تقاوم المخرز.

بعد ذلك، تبنى النظام الرسمي العربي عقيدة العجز، وبنى عليها سياسة مراكمة الخسائر، وتصرف على قاعدة: «نأخذ ما يعطى لنا ونرضى بما يؤخذ منا». ولا ندعو على اليد السارقة بالكسر.

والخارطة العربية اليوم، تنضح بما تمليه أو تفرضه السياسة الأميركية، كما أن الجغرافيا العربية، مزدانة بالدماء العربية المسفوكة على أيدي الولايات المتحدة الأميركية، وقوات حلف شمال الأطلسي. ولا يشذ الاقتصاد العربي عن جادة الأسواق المالية والسلعية وتسييل الثروة العربية، إلى صناديق العواصم المالية، المالكة سعيداً، لمعظم الأنشطة البترولية.

تختلف إيران «الفارسية»، بحيث تظهر أنها أكثر عروبة من العرب، وأكثر فلسطينية من القوميين، والأكثر جسارة على الوقوف في وجه أميركا، متشبثة بالعلاقات الندية التي تضع حداً لطموحات وغلواء الأميركيين، في ممارسة الاملاء الكوني.

أحمدي نجاد يقول لأوباما: «بأي حق تقول لنا ما يجب أن نفعله». أحمدي نجاد ذاته، يقول عن غوردن براون ونيكولا ساركوزي: «إننا لا نعيرهما أي اهتمام ولا يملكان صدقية. يلعبان لعبة إعلامية سخيفة».

يقول ولا يخشى. يقول ويدعم قوله بالفعل، لأن ايران، منذ العدوان العراقي/العربي/الدولي عليها، بعد قيام ثورتها، قررت أن تحمي ثورتها ومكاسبها بقوتها. فبنت دولة وجيشاً وصناعة وسلاحاً، وأكملت ما كان قد تبناه الشاه في سابق عهده، فطورت برنامجها النووي بدقة وصبر وطول أناة، حتى باتت إيران قوة، إذا تحدث رئيسها، اهتز العالم.

وعلى الرغم مما يؤخذ على نجاد، من تصريحات «همايونية» أحياناً، وعلى الرغم من إصراره على إقحام الهولوكوست في خطبه الموجهة إلى الغرب (وهي خطب شديدة الضرر)، فإنه بدا أشد رصانة وأكثر تموضعاً عالمياً، من الثلاثي: أوباما ـ براون ـ ساركوزي، الذين تصرفوا كصبيان السياسة عندما علموا ببناء منشأة نووية بالقرب من مدينة قم.

ولم يأبه نجاد بتهديداتهم، وفضح صدقيتهم (وهي في الأساس مفضوحة، إلا لدى النظام الرسمي العربي) عندما ذكّر الغرب بأن العراق، عندما قامت الولايات المتحدة باغتياله واجتياحه، كان بحجة انه يملك أسلحة دمار شامل وأسلحة نووية. ان إيران «دولة شريفة وعادلة وحضارية»، لم تقم باجتياح واحتلال بلد آخر.

وفضح نجاد الكذب الغربي عندما اعتبر ان ايران ترى إلى الأسلحة النووية «انها مجرمة ولاإنسانية، ومن يملكها فهو متخلف سياسيا». ورأى ان امتلاكها لا جدوى منه عسكريا، «فالسلاح الذري لم يحم الاتحاد السوفياتي، ولم يعط قوة اضافية للأميركيين في العراق وأفغانستان، كما ان السلاح النووي الاسرائيلي لم يضف إلى قوة التدمير الاسرائيلية في غزة».

أحمدي نجاد... أو بالأحرى ايران، بسياستها الندية، وضعت نفسها في مرتبة القطب الدولي الجديد، وسيعتاد العالم على ذلك. وستدخل نادي الدول المساهمة بصنع السياسات الدولية والاقليمية.

أمام العرب خيارات صعبة جداً، فهم قرروا الالتحاق بالأميركي ظالماً أو مظلوماً، محاربا (لبعضهم) أو مسالما، منتصرا (أين؟) أو مهزوما. ولا يجدون قدرة على تسجيل نص مستقل له علاقة بأمنهم القومي الاستراتيجي، معوضين بذلك، بأمنهم الوطني القمعي، والمحمي (مؤقتا) من قبل الأمن المعولم، والمسموح تغلغله في أجهزة الأمن المحلية.

لكن لا مفر من البحث في مآلات خياراتهم. فالمعركة بين إيران وأميركا، تحصل فوق أراضيهم، إما مباشرة وإما بالواسطة. و«عدم الانحياز» مستحيل. فهم مطالَبون أميركيا بأن يكونوا الوقود السياسي والأمني والعسكري والثقافي والإعلامي، وأن يكونوا حصيلة ما ينتج عن هذا الاحتراق، من تلوث فتاك للقضايا العربية.

أي انحياز إلى أحد القطبين، سيكون ثمنه باهظاً جداً، إنما كلفة البقاء في الضفة الأميركية، ستجعل العرب، خارج الحلبة، وعندما يأتي أوان التفاوض، بين واشنطن وطهران، سيكون مرجحاً عدم حضور أي نظام عربي إلى طاولة الحلول. سيكون أمن الخليج من دون العرب، والأمن العربي موزعا بين اميركا وايران، أما قضية فلسطين. فتبقى اللغز... والعرب اللغز الأكبر.
"السفير"