هل يستنهض استهداف الأقصى الإرادة العربية؟../ عوني فرسخ


لعل في مقدمة التحديات المصيرية وأكثرها خطورة على حاضر ومستقبل الأمة العربية التواطؤ الأمريكي الأوروبي على تصفية ما تبقى من حقوق فلسطينية. وذلك بالضغط لاستكمال التطبيع والاعتراف بيهودية “إسرائيل”، وبالدعم المادي والسياسي لمخطط الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية، وإجراءات تهويد القدس والحفريات المسكوت عنها في البلدة القديمة وتحت الحرم القدسي وفي جواره، والبدء بإحلال أسماء عبرية محل الأسماء العربية التراثية لمعالم العمران في عموم فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر، عدا قطاع غزة الذي لم يعد خاضعاً للسيطرة المباشرة لسلطة الاحتلال. وكل ذلك في تناقض مع قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الصهيوني، وشرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي العام.

وحين النظر في الضغوط المستهدفة ما تبقى من حقوق وطنية فلسطينية مشروعة يتضح أن المقصود من ذلك إعفاء “إسرائيل” من مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية عن عدم تنفيذ حقوق ما يجاوز الخمسة ملايين لاجئ فلسطين بالعودة لديارهم واستردادهم عقاراتهم المصادرة والتعويض عليهم. فضلاً عن وضع حد لقلق التجمع الاستيطاني الصهيوني بسبب تنامي الوجود العربي في الأرض المحتلة سنة 1948. وما يعنيه الأمران في التحليل الأخير من إلقاء عبء اللاجئين ومن قد يهجرون من الجليل والمثلث والنقب والقدس على شبه الدولة إن أقيمت في ما تبقى من الضفة المحتلة، والدول العربية المضيفة للاجئين، وما قد يستتبع ذلك من احتمالات تفجر نزاعات قطرية عربية تفاقم من حدة الواقع القطري والقومي المأزوم.

والملاحظ أن ضغوط استكمال التطبيع وانتزاع الاعتراف بـ“إسرائيل” “دولة يهودية” تكثفت خلال السنوات التي أعقبت نكسة الجيش الصهيوني في عدوانه على لبنان صيف 2006 وسقوط قوة ردعه. الأمر الذي يدل على مسعى أمريكي أوروبي لتأمين حاضر ومستقبل التجمع الاستيطاني الصهيوني تجاه تنامي فعالية قوى الممانعة والمقاومة الشعبية العربية، وما يعنيه ذلك من احتمال استعادة الأمة العربية قدرتها الفذة على دحر الغزاة وتحرير ترابها المقدس من دنسهم. وذلك في مراهنة غير خافية على سعة وعمق التدخل الأمريكي والأوروبي في دوائر صناعة القرارات الرسمية العربية، باستغلال ما بات جلياً من افتقاد غالبية هذه الدوائر الإرادة السياسة واستقلالية القرار.

غير أن ما لا يأخذه كثيرون في حسبانهم أن استهداف الحرم القدسي الشريف طالما كان عاملاً فاعلاً في استنهاض إرادة الفعل العربية، والدفع باتجاه تصويب بوصلة القوى السياسية ورفع سوية كفاءة إدارتها الصراع مع الغزاة الفرنجة ماضياً، والتحالف الامبريالي الصهيوني منذ ثلاثينات القرن العشرين.

والثابت تاريخياً أن العدوان الصهيوني على الحرم القدسي الشريف كان على الدوام نتاج واقع صهيوني مأزوم، فيما كان المستهدف منه استدرار الدعم المالي والسياسي من الرأسمالية اليهودية العالمية ورعاة المشروع الصهيوني الأوروبيين والأمريكيين، وهذا ما توضحه الوقفة مع أبرز حالات العدوان السابقة.

فالذي يذكر أنه كنتيجة لشعور الوكالة اليهودية بتراجع أرقام الهجرة وموارد الجباية اليهودية عبر العالم، اغتنمت ذكرى ما تسميه “تدمير هيكل سليمان” للقيام بمظاهرة صاخبة في القدس يوم 15 أغسطس/ آب 1929 اتجهت إلى حائط البراق (المبكى) رافعة العلم الصهيوني ومرددة “الهاتكفاة” النشيد الرسمي الصهيوني. وصادف اليوم التالي الجمعة ذكرى المولد النبوي فقام العرب بمظاهرة مضادة، أعقبتها صدامات امتدت لمعظم مدن فلسطين خاصة الخليل وصفد.

وينسب ديفيد هيرست في "البندقية وغصن الزيتون" ص 219 للصحافي الأمريكي فنسنت شيهان، الذي كان موجوداً بالقدس حينها، أن الصهاينة كانوا قد أعدوا للصدام مسبقاً، وقدروا أن تفوقهم بالعدد والسلاح والتنظيم سيمكنهم من الإضرار بالعرب وإحداث أمر واقع على الأرض بالسيطرة على حائط البراق. غير أنهم برغم الدعم الذي تلقوه من القوات البريطانية فشلوا في تحقيق ما كانوا يصبون اليه.

وكان من نتائج نجاح التصدي للتحالف البريطاني الصهيوني نمو الوعي على العلاقة العضوية بين الاستعمار والصهيونية، وتعاظم الحراك الجماهيري، بما في ذلك النشاط النسائي، الذي جسده انعقاد المؤتمر النسائي الفلسطيني الأول بحضور 300 سيدة مسلمة ومسيحية في 26/9/1929. فيما تجاوزت مطالب “اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني “الاعتدال” الذي عرفت به في السنوات السابقة. فالمؤتمر الوطني الذي عقد في 27/10/1929 أعلن سحب الثقة من المندوب السامي والنائب العام ومدير المعارف الإنجليز، وشكل لجنة لدراسة الامتناع عن دفع الضرائب. كما تنامى الوعي على الخطر الصهيوني في المشرق والمغرب العربيين، وبرزت في أوساط النخب السياسية المصرية مؤشرات الشعور بالانتماء القومي العربي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ثمانية عقود من هبة البراق، وتسع سنوات من انتفاضة الأقصى، هل إن التصدي بالصدور العارية لغلاة اليمين الصهيوني وشرطة الاحتلال، ووضوح فعالية إرادة الممانعة الشعبية في مواجهة الغزاة، سوف يستنهض إرادة الفعل العربي واستعادة الوعي بالخطر الصهيوني عند من فقدوه، ويؤدي إلى رفع كفاءة إدارة الصراع المفروض على الأمة وعليه فهل فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر على عتبة انتفاضة ثالثة تفشل مخطط التصفية الأمريكي الأوروبي البادية نذره؟
"الخليج"