أداة لمشروع سياسي فلسطيني - حضور الفكرة وغياب الإرادة../ خالد خليل

من دون شك أن هناك حاجة ماسة لفهم الخلفية التاريخية لمسألة الدولة الواحدة والإشكاليات التي حالت دون تطور هذه الفكرة الى مشروع سياسي واضح المعالم له أدوات تحقيق محددة ومعرفة بدقة.

إنّ منزلق التعميم والمثالية الزائدة في طرح الإشكاليات تزيد الأمور تعقيدًا وتبقي الفكرة ذاتها في برزخ الخيال. فليس مفهومًا على الإطلاق التساؤل حول هوية الدولة الواحدة، إلا إذا كان هناك شك بأن فلسطين ليست عربية، وإذا كان الأمر مفروغًا منه، فإنّ مسألة تعدد الأثنيات وحل مشاكل الأقليات وعلاقة هذه الدولة بالمحيط الاقليمي العربي هي مسألة أيضًا مفروغ منها وليست بحاجة إلى تحديدٍ، لأنّ فلسطين في الواقع متعددة أثنيًا، ولا بدّ من أنْ تكون جزءًا من مشروع وحدوي عربي منشود. وبما أنّ المشكلة والحل قائمان على أساس حسم التناقض مع الاستعمار الكولونيالي في المنطقة العربية، فإنّ من الواضح أن الحركة الصهيونية ليست مؤهلة لتقديم حل ديمقراطي للمسألة اليهودية، لأنّها هي هي ممثلة الاستعمار الإحلالي وهذا هو أصلاً مبرر وجودها. اذن لم يبقَ سوى الطرف الآخر في المعادلة، هو وحده القادر على تقديم الحل الديمقراطي للمسألة اليهودية، وهذا الطرف بالطبع هو حركة التحرر الوطني الفلسطيني والعربي.

إنّ التصور بإمكان وجود مزيج بين الصهيونية وحركة التحرر لحل المسألة اليهودية يتناقض مع أي فهم موضوعي لطبيعة الحركتين ولوظيفتيهما، فنحن في هذه الحالة أمام نقيضين، من السذاجة مجرد التفكير في إحلال التوافق بينهما، كما نتلمس من طرح أسعد غانم للدولة الواحدة الذي يتركز فيه على الشراكة العربية اليهودية دون تعريف لهذه الشراكة، بل الأنكى من ذلك استدعاء صهيوني (الباحث ميرون بنبنستي) يتفاخر بصهيونيته ويحاول جاهدًا نزع صفة العنصرية عنها، للترويج لهذه الدولة الواحدة، كما يبدو لغرض في نفس غانم (ربما حزب برلماني جديد كما ألمح في مداخلته عن الدولة الواحدة قبل أشهر).

مما لا ريب فيه أنّ هاجس المسألة اليهودية صحيح وضروري عند الحديث عن حل استراتيجي ونهائي لكنه زائد وغير منطقي فيما يتعلق بموضوع الأداة السياسية لتحقيق المشروع السياسي الفلسطيني وإنجاز الدولة الواحدة على اساس التحرر من الكولونيالية.

إنّ تحديد المشروع السياسي المذكور على انه مشروع سياسي فلسطيني يسهل عملية تحديد الأداة السياسية لتحقيقه حتى وان كان لهذا المشروع أبعاد أخرى كالبعد العربي والبعد الاقليمي والبعد الأممي.

لذلك فمن الطبيعي أن تكون هذه الأداة فلسطينية، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال غلق الأبواب أمام أي مناضل أو مجموعة من الانضواء في صفوفها إذا كان المقياس هو قبول البرنامج السياسي لحزب مشروع الدولة الواحدة على أساس محاربة الإستعمار وليس على أساس المزج بين الصهيونية وحركة التحرر الوطني. والشراكة العربية اليهودية إن توفرت، ينبغي أن تكون بمنأىً عن القبول بالصهيونية أو التوافق معها. وإذا كنا نتمثل التجربة الجنوب افريقية في هذا السياق، فلا نعتقد أن المؤتمر الوطني الإفريقي حقق مشروع الدولة الواحدة المؤسسة على المواطنة المتساوية بعد إلغاء الابرتهايد بسبب توافقه مع الحركة العنصرية التي أسسّت نظام «الأبرتهايد»، وإنما بسبب مواجهته لهذه الحركة وتعريتها تمامًا أمام الرأي العام العالمي والمحلي وسد طريق التطور أمامها بشكل نهائي.

إنّ طرح حزب الدولة الواحدة في فلسطين يحتوي على إشكاليات أعقد بكثير من تلك التي تناولناها حتى الآن وهي مرتبطة بالتنظيم والبرنامج النضالي، وقبل ذلك مرتبطة بالجهة أو الجهات صاحبة المصلحة في مشروع سياسي كبير من هذا النوع. فالقول إنَّ هذا المشروع فلسطيني لا يعني أنّ كل الشعب أو الأطراف الفلسطينية ستؤيد أوتوماتيكيًا هذا الحزب. فالمشاريع والأحزاب السياسية تبنى عادة على أساس التحيزات الثقافية بمعناها الشامل، والتحيزات الثقافية في الحالة الفلسطينية ليست بالضرورة تحيزات أيديولوجية. وهي غالبًا ما تكون برنامجية تلتقي فيما بينها في لحظة تاريخية معينة، خاصة إذا كانت القضية الوطنية في معرض الخطر والتصفية كما يتضح بجلاء في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، حيث إنتقلت مجموعة كبيرة مستأثرة بالسلطة كانت في الماضي القريب في صلب حركة التحرر الوطني، إلى دائرة التهادن والمساومة مع الاحتلال حتى على الدم الفلسطيني المسكوب.

إنطلاقًا من هذا الفهم فان أداة تحقيق مشروع الدولة الواحدة لا تقتصر موضوعيًا على فصيل أو تيار بعينه، وإنما تتسع لمجموع التيارات والفصائل المناهضة للصهيونية والاستيطان الكولونيالي في فلسطين، وهي بهذا المعنى لا تقتصر على ساحة معينة من ساحات العمل الوطني، بل تشمل كافة الساحات بما في ذلك ساحة الداخل. وقد نكون بحاجة إلى تمثل نموذج المؤتمر الوطني الإفريقي في موضوع خلق الأداة الحاملة لهذا المشروع، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن منظمة التحرير التاريخية لعبت هذا الدور عندما كانت ممثلا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، إلا أنّ دورها تلاشى بعد أن تحولت إلى أداة في أيدي سلطة أوسلو المتهادنة مع الاحتلال بكل المعاني المهينة، وأصبح دورها وتمثيلها مقتصرين على جزء من الوطن وجزء من الشعب.

لا شك أن فكرة تشكيل أداة جامعة لمركبات العمل الوطني في كل الساحات على أساس رؤية موحدة للدولة الواحدة تستند كما أسلفنا إلى محاربة الاستعمار ورفض أدواته ورفض التسويات المنقوصة، هي فكرة جديدة وتستدعي حوارًا جادًا من خلال التواصل المستمر بين هذه المركبات بهدف الوصول إلى حلول للإشكاليات المتضمنة في هذا المشروع، وهي إشكاليات وان كانت كبيرة غير مستعصية على الحل، والحوار الجدي كفيل بالتصدي لها نظريا وتفصيليا.

باعتقادي إن الإشكالية الرئيسية تكمن في مدى جاهزية المركبات المذكورة لخوض غمار التجربة والحوار، خاصة وان كل الأسباب الموضوعية باتت متوفرة لطرح هذا المشروع السياسي والتنظيمي. ومن غير المنصف اعتبار غياب التعريفات المحددة لمكونات أداة الدولة الواحدة وأشكال عملها وطرائقها التنظيمية هو العائق أمام تشكيلها كما يزعم البعض، وإنما غياب الإرادة السياسية النابع من القصور الذاتي للأطراف المعنية في حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي العائق الحقيقي لإحراز أي تقدم على هذا الصعيد.