أحسنتم../ أيمن حاج يحيى

أحسنتم.. أحسنتم فعلا.. نقولها لكافه أبناء شعبنا الفلسطيني في كافه أماكن تواجده ممثلا بفعاليته الشعبية والوطنية والتي هبت عن بكره أبيها لتقويم اعوجاج قيادتها والذي تمثل بموافقة قيادة السلطة على القبول بتأجيل نقاش تقرير جولدستون نزولا عند ضغوط إسرائيلية أمريكية متعددة.

تجربة رائدة بحق تستحق التوقف عندها والاستفادة منها وتحويلها إلى نموذج يحتذى به. فعل شعبي محسوب دون أن تفلت الأمور محددا لنفسه أهدافا واضحة رافضا لأن يكون مجرد زوبعة في فنجان يفرض على قيادته تصحيح الخطأ.

تجربة لو انتقلت عدواها الطيبة لباقي الشعوب العربية لكان حالنا أفضل مما نحن فيه. ففي هذه الحالة تجلى الرفض الشعبي لخطيئة سياسية ارتكبتها قيادته في أبهى صوره، وأثبت شعبنا أنه قادر على فرض مواقفه ورؤياه على قيادته رافضا لأي أعذار ومبررات.

ومن اللافت للنظر في هذه التجربة أن غالبيه الفريق المؤيد للسلطة (حركه فتح) اختار أن يكون مع شعبه، ورفض منح السلطة أي غطاء تنظيمي، والذي قد يكون العامل الأساسي الذي حسم الأمر لصالح هذه الحركة الشعبية، وأجبر السلطة على الرضوخ للمطالب الشعبية وإعادة طلب مناقشة التقرير ومن ثم إقراره. فالسلطة الوطنية رغم كل ما يقال عن مقومات وجودها واستمرارية هذا الوجود قد تستطيع أن تغامر بعده أمور إلا أن الشيء الوحيد الذي لا تستطيع المغامرة به هو الغطاء الفتحاوي لهذه السلطة، فبدون فتح ستكون أيام هذه السلطة معدودة عمليا.

موقف تستحق القاعدة الفتحاوية الواسعة وجزء كبير من قيادتها التحية عليه في انتصارهم لوطنيتهم على فئويتهم وتغليبهم لفلسطين على فتح ،إذا جاز التعبير. ظاهره نفتقرها عند الطرف الآخر من معادله الصراع القبلي الذي ابتلينا فيه. فطبيعة تركيبه حماس سواء الفكرية ( الإخوان المسلمين) أو التنظيمية (تركيبة مؤسساتها) تجعل من هذه الظاهرة شبه مستحيلة عند حماس فمهما حصل، سواء خطأ أم لا، فلن تسمع أي صوت انتقاد أو نقد من الداخل جماعي أو فردي لأنه غير مسموح به أصلا. ورغم أن لكل قاعدة شواذ فما حصل مع غازي حمد عندما حاول أن ينتقد من الداخل خير دليل. وللحديث عن حماس فيبدو أن حماس مره أخرى تحاول أن تفرض أجندتها على الأجندة الوطنية بل أن تحول أجندتها لتكون الأجندة الوطنية.

فقد كان واضحا محاولة استثمار حماس للغضب الشعبي على قرار أبو مازن وتجييره لمصلحتها، وهو استثمار سرعان ما كاد يتحول إلى ابتزاز بعد أن أدركت حماس مدى الغضب الشعبي على أبو مازن، وأن الأخير بات يتأرجح، مع أن هذا الغضب لا يمكن تفسيره ولا بأي حال من الأحوال أنه دعم وتأييد لسياسة حماس، هذا إن كانت هناك سياسة لحماس نعارضها أو نؤيدها، عدا عن سياسة محاصصة السلطة وسياسة الاستمرار في الحكم. وللدقة نقول محاصصة السلطة على إفرازات أوسلو والتي أشبعتنا حماس ذما وقدحا لها، إلا أن حقيقة ما تتصارع عليه حماس مع أبو مازن وفريقه هو أوسلو بكل تجلياته. ولا أعرف إذا كان يصح أن نقول إنجازاته، ولا حاجه بنا للعودة إلا كون السيد إسماعيل هنية رئيس حكومة منتخبة لإدارة سلطة أوسلو، وأقسمت اليمين وتلقت كتاب التكليف من رئيس سلطه أوسلو.

وعوده بنا إلى الحراك الشعبي والذي قد يكون بصيص الضوء الوحيد في ظلمتنا الحالية، فهذا الضوء وإن كان يبدو خافتا يستلزم كل الرعاية والإمداد بالطاقة ليكون النبراس الذي سيضيء نفق الاقتتال الداخلي ليرشدنا إلى المخرج المنشود من هذا النفق الحالك الظلمة.

فسيكون من الخطيئة التعامل مع هذا الفعل الشعبي كردة فعل عابرة سرعان ما ستختفي بل على الجميع العمل على تحويل هذه التجربة إلى حركة شعبية منظمة واسعة وقادرة تستقطب أكبر قدر ممكن من مختلف شرائح شعبنا على اختلاف مشاربهم في بنية فوق حزبية لتكون الحكم والقائد في مرحلة ما أحوجنا بها إلى الحكم العادل والقائد الشجاع المسؤول.

حركة شعبية شجاعة قوية قادرة على إلزام أطراف الاقتتال على إنهاء هذه المهزلة المبكية، وقادرة على محاسبة ومعاقبة أي جهة تتلاعب بمصالح شعبنا وأهدافه المشروعة.

حركه شعبيه لها رؤياها السياسية النابعة فقط وفقط من المصلحة الوطنية الفلسطينية والعربية نائية بنفسها عن أي أجندة خارجية أو مصالح إقليمية تكون في قلبها وثيقة الأسرى المنسية عمدا من الطرفين قاعدة لأي اتفاق مصالحة وطنية، بل تكون الوثيقة هي الاتفاق الذي سيعيد تنظيم الحركة التحررية الفلسطينية ويعيدها إلى جادتها من خلال برنامج سياسي واقعي غير مرتهن بأي ضغوط، ويحافظ على حق الشعب في مقاومه الاحتلال قولا وفعلا ويمنع التفريط بأي من ثوابتنا واضعا كل الأطراف على المحك العملي وأمام امتحان الشعب مبتعدا بنا من صراع على سلطة منقوصة مجتزأة، ومدركا بنفس الوقت لأهمية وضرورة وجود سلطة وطنية على الأرض تسير أمور شعبنا الحياتية وتدعم صموده وبقاءه بدون التقليل والاستخفاف من حقيقة أهمية هذه الاحتياجات لشعبنا مثله مثل باقي شعوب العالم.

قد يكون هذا الكلام أقرب إلى التمني والحلم من واقعنا المرير، ولكن أليس بالحلم والتمني بدأ كل شيء في عالمنا؟