مسلسل الفرص العربية الضائعة../ إلياس سحاب

لا تطمح هذه السطور إلى سرد كامل لتاريخ العرب الطويل في إهدار الفرص السانحة في كل المجالات، لكنها تنطلق أصلا من ملاحظة عامة دقيقة، مفادها أنه لو كان ما لدى العرب من تعداد بشري، وموقع جغرافي استراتيجي، وثروات طبيعية هائلة، وفوائض مالية يصعب حصرها، لدى أمة أخرى، أقل منها في تعدادها البشري، وفي موقعها الاستراتيجي، لأحسنت استثمار ما تتيحه لها هذه الإمكانات والقدرات من فرص تاريخية للتطور، واحتلال موقع بارز بين الامم المتقدمة في هذا العصر.

من هذه الملاحظة العامة، أود التركيز على نمط محدد من الفرص الذهبية التي تهيأت للعرب عموما، وللفلسطينيين خصوصا، في مجال القضية الفلسطينية بالذات، والتي أهدرها العرب فرصة وراء الأخرى.

وأود التركيز على ثلاث فرص رئيسية تاريخية، تصلح رمزاً دقيقاً لملف الفرص العربية الضائعة والمهدورة، سواء في ملف القضية الفلسطينية بالذات، أو في سائر الملفات المهمة الاخرى.

الفرصة الأولى الكبرى التي أتيحت لنا في العقود الأربعة الأخيرة، وقبل أن ينفرط عقد الحرب الباردة عندما كان للسياسة العربية ظهير دولي اسمه الاتحاد السوفييتي، عندما صدر قرار تاريخي من الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية نظام تمييز عنصري موازيا لنظام التمييز العنصري القائم في جنوب إفريقيا.

مثل هذا القرار، عندما حصلت عليه حركة التحرر الوطني في جنوب افريقيا، بزعامة نلسون منديلا، السجين لدى النظام العنصري، أدى في نهاية الأمر الى التصفية التاريخية النهائية للنظام العنصري في جنوب إفريقيا. مع أنه لم يكن لدى حركة التحرر الوطني الإفريقي، ما لدى العرب، من قوى داعمة في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.

أما عندنا نحن العرب. فقد بقي هذا القرار الذي يمكن اعتباره كنزا دبلوماسيا لا حدود لطاقاته، ملفاً في أدراج الامم المتحدة، اعتلاه الغبار سنوات طويلة، من دون أن تستطيع أي مجموعة من الدول العربية (بمن فيها منظمة التحرير الفلسطينية) تحويله الى استثمار في مجال السياسة الدولية، كان يفترض أن يؤدي في فلسطين المحتلة إلى النتائج نفسها التي أنجزها في جنوب إفريقيا، ليس بإلقاء اليهود في البحر، بل بإنهاء الحركة الصهيونية المتحكمة بمصير يهود العالم وفلسطين العربية المحتلة معا.

وظل هذا القرار مهملا يعلوه الغبار، حتى انهار الاتحاد السوفييتي، وتفردت الولايات المتحدة بحكم العالم، فانتهزت أول فرصة سانحة لإلغاء هذا القرار الخطير، بكل بساطة، في الامم المتحدة.

الفرصة التاريخية الثانية التي سنحت للعرب وللفلسطينيين، في مجال القضية الفلسطينية، هي قيام محكمة العدل الدولية، بإصدار بيان استشاري، تقرر فيه عدم شرعية جدار الفصل العنصري، والمستوطنات “الإسرائيلية” في الضفة الغربية لنهر الاردن، لأنها مقامة على أراض محتلة.

مثل هذا القرار لو تمت متابعته بوعي كامل، وبإرادة سياسية تضع الإمكانات العربية كلها وراءه، لأدى في سنوات معدودة إلى إجبار “إسرائيل” على إزالة المستوطنات وإزالة جدار الفصل العنصري. لكن الذي حدث أن العرب عاملوا القرار كأنه لم يكن.

والأغرب أن السلطة الفلسطينية قد اتخذت من القرار الموقف العربي المتخاذل نفسه، فلم تسع لأي جهد في استغلاله حتى في نشاطها الدعائي أو الدبلوماسي، إلى أن وصلنا إلى الوضع الحالي، الذي يرجو فيه رئيس الولايات المتحدة نفسه، السلطة “الإسرائيلية” ليس لازالة المستوطنات أو جدار الفصل العنصري، بل لمجرد تجميد توسيع المستوطنات لأشهر معدودة، تجميدا مؤقتا، فتقابله “إسرائيل” برفض مطلق.

الفرصة التاريخية الثالثة المهدورة، هي التقرير الأخير الذي حمل اسم “تقرير غولدستون”، الذي يعتبر بمثابة مذكرة ادعاء على “إسرائيل” بجرائم حرب، وجرائم ضد الانسانية، ارتكبتها في أثناء عدوانها الأخير على غزة، وهي مذكرة تتيح عند متابعتها جديا وبقوة كاملة من العرب والفلسطينيين، إلى تقديم عدد من كبار المسؤولين “الإسرائيليين” السياسيين والعسكريين إلى المحاكم الدولية.

وبدل أن يحصل ذلك، استغلالا لفرصة نادرة قدمتها لنا لجنة غولدستون على طبق من ذهب، إذا بالقوى العربية الخاضعة كلها لأبسط أنواع الضغوط الامريكية، تتفنن في سرد الحجج الداعية إلى قيام العرب والفلسطينيين والقوى الاسلامية بطلب تأجيل البحث في هذا التقرير.

ليس هنا طبعا مجال الدخول في نقاش مع هذه الحجج التي لا تساوي ثمن الورق الذي طبعت عليه، فالأهم من ذلك إن هذا التقرير بالذات (الى جانب بيان محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العنصري) هو من الفرص التي لم تقفل الأبواب بعد أمام إلافادة منها.

لكننا مع ذلك، نكاد لا نجد في الظروف العربية الراهنة أي بصيص أمل. فهذه الظروف تقول لنا إن تحولاً بطيئاً وعميقاً يحدث في أوروبا وأمريكا اللاتينية، خاصة في مؤسسات المجتمعات المدنية هناك، يتجه نحو الاقتناع الكامل بعنصرية النظام “الإسرائيلي” من أساسه، وعنصرية الاحتلال “الإسرائيلي” لأراضي العام 1967، ونحو تحويل هذا الاقتناع إلى قوة سياسية قائمة، تتجه في عدد من هذه الدول إلى مقاطعة اقتصادية وثقافية لـ”اسرائيل”، اصبحت تثير هلع الدوائر الصهيونية، التي تخشى تفاقم هذا الاتجاه إلى حدوده القصوى.

أما في الأنظمة العربية الحالية، فهناك اتجاه إلى التطبيع مع “إسرائيل”، مقابل أي فتات تافه تلقي به الينا، في الاراضي المحتلة، بل من دون أي مقابل لدى بعض الأنظمة العربية. الأمر الذي يدفع، إذا قارنا الحالة الدولية بالحالة العربية، إلى ترجيح كفة السلبية على المستقبل القريب. ذلك أن إيجابية المواقف الدولية المتصاعدة إزاء عنصرية الحركة الصهيونية، لا يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية جارفة، إذا بقي التخاذل العربي أمام التحالف الأمريكي “الإسرائيلي” على هذه الحالة من التهافت وانعدام الوزن والإرادة السياسية.

إنه مسلسل الفرص العربية التاريخية الضائعة، الذي سيبقى عرضه متواصلا، حتى يغير العرب ما بأنفسهم.
"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018