بعد تراجع الإدارة الأميركية عن وعودها: ما العمل؟/هاني المصري

بعد قمة نيويورك الثلاثية، والموقف الأميركي من تقرير غولدستون ومن المصالحة الفلسطينية، وبعد اللقاء الذي جمع الرئيس أبو مازن بهيلاري كلينتون في الإمارات العربية، والتصريحات التي أدلت بها في إسرائيل، وامتدحت فيها الموقف الإسرائيلي من تجميد الاستيطان بوصفه "غير مسبوق"، وأن تجميد الاستيطان ليس شرطاً لاستئناف المفاوضات، وأنه لم يكن شرطاً مطروحاً في السابق، يتضح أن إدارة اوباما عاجزة عن الوفاء بما وعدت به، وانتقلت من الضغط اللازم على إسرائيل الى الضغط على الفلسطينيين حتى يقبلوا باستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، والسماح لإسرائيل بمواصلة الاستيطان وتهويد القدس وأسرلتها، واستكمال جدار الفصل العنصري، والحصار الخانق على قطاع غزة، ومصادرة أحواض المياه، والتحكم بحياة الفلسطينيين على كل المستويات والأصعدة.

من السابق لأوانه نعي عملية السلام كلياً، فهي ماتت منذ زمن بعيد وشبعت موتاً، ولكن هناك مصلحة لأطراف محلية وعربية ودولية مختلفة بعدم نعيها ودفنها، لأن بقاء العملية ولو بدون سلام أصبح مطلوباً بحد ذاته.

بعد هذه التطورات النوعية الحاسمة سقطت سياسة الرهان على الإدارة الأميركية وعلى إمكانية إحياء عملية السلام، بحيث تكون عملية جادة قادرة على إنهاء الاحتلال والتوصل الى حل للصراع خلال عامين. السؤال الذي يطرح نفسه على الجميع: ما العمل؟ وأنا سأحاول أن أجيب عليه.

لقد قدمت الإدارة الأميركية تخريجات لإنقاذ ما يسمى "عملية السلام" مثل أن تعوض الإدارة الأميركية الفلسطينيين عن التعنت الإسرائيلي من خلال تقديم ضمانات أميركية، وأن تكون هناك لقاءات أميركية - فلسطينية لا تعتبر "استئنافا للمفاوضات" وإنما "جلسات للمناقشة" للتحضير لاستئناف المفاوضات. ومنها عقد مفاوضات غير مباشرة، هي بدأت بالفعل من خلال اللقاءات التي تجريها الإدارة الأميركية مع الجانبين كلاّ على حدة، سواء من خلال جولات ميتشل وكلينتون أو من خلال زيارات مبعوثين إسرائيليين وفلسطينيين لواشنطن.

إن كافة التخريجات التي قدمت ويمكن أن تقدم لن تكون قادرة على إخفاء أن مرحلة "عملية السلام" كما جرت عليه منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى الآن قد انتهت أو شارفت على الانتهاء، وكل ما تهدف إليه هذه التخريجات هو الإيحاء بأن "الطبخة" على النار، وما على الجميع سوى الانتظار، مع أن الذي على النار ليس سوى حجارة لن تنضج أبدا.

إن الفلسطينيين مطالبون لإنقاذ ما تبقى من أرضهم وقدسهم وحقوقهم وقضيتهم بالتوقف فورا وعدم الاستمرار بالانخراط بعملية أهدافها أصبحت واضحة وعارية وهي منح إسرائيل الوقت اللازم لتطبيق ما تبقى من مشاريع إسرائيلية (استيطانية عدوانية عنصرية) تستهدف منع أي جهود أو مبادرات أو تدخلات أخرى عربية ودولية، وخلق أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا.
كفى جريا وراء الأوهام حول "الحل القريب" و"الدولة التي على مرمى حجر"، فطريق المفاوضات حياة وصل الى محطته الأخيرة.

على أهمية الموقف الفلسطيني الجديد المتمسك بتجميد الاستيطان وتحديد مرجعية المفاوضات قبل استئنافها، إلا أنه لوحده لا يكفي، بل يجب البناء عليه، لأنه إذا استمر ضمن هذه الحدود سرعان ما سينهار. فالإدارة الأمريكية أوضحت موقفها وقالت أن شيئا أفضل من لا شيء، وأن وقف المفاوضات لا يوقف الاستيطان. ونتنياهو أوضح موقفه هو الآخر ورفض تجميد الاستيطان واعتبر أن مطلب تجميد الاستيطان جديدا ومرفوضا ولم يطرح من قبل.

إن الموقف الفلسطيني يجب أن يكون بالقول: لقد أخطأنا وجربنا المفاوضات بدون تجميد للاستيطان طوال أكثر من 16 عاما، ولم نقترب من تحقيق حقوقنا خاصة إقامة الدولة بل وصلنا الى كارثة تنذر بحصول كارثة أكبر. وإن الاستمرار في هذه العملية الآن يعني في الحد الأدنى انتحارا سياسيا وفي الحد الأقصى تجاوزا للخطوط الحمر والمحرمات.

إن استراتيجية اعتماد السلام كخيار وحيد، والمراهنة على المفاوضات الثنائية كأسلوب وحيد لحل الصراع، ووضع كل البيض في السلة الأميركية، فشلت فشلا ذريعا، ولا يمكن أن تخرج القيادة الفلسطينية من مأزقها الشامل سوى باعتماد استراتيجية جديدة أو ترك الراية لمن يقدر على حملها. أما الموافقة على التخريجات المطروحة، فمن شأنها أن تؤخر الانهيار لا أكثر.

إن هناك من يريد أن يخيف القيادة الفلسطينية والفلسطينيين جميعا، بحجة أن رفض استئناف المفاوضات سيؤدي الى تحميل الفلسطينيين مسؤولية انهيار عملية السلام، ورفع يد الإدارة الأميركية عن ملف الصراع، وترك الحرية لإسرائيل أن تفعل ما تشاء، وهذا سيؤدي الى عزلة وحصار الرئيس ابو مازن والقيادة الفلسطينية، ووقف أو تراجع الدعم المقدم للسلطة الفلسطينية ما سيقود الى انهيارها واندلاع انتفاضة ثالثة ستفتح طريق العودة للفوضى والفلتان الأمني. وإن استئناف المفاوضات من شأنه إحراج إسرائيل والحفاظ على الصداقة مع اميركا والدعم الدولي، ويعطينا وقتا خصوصا أننا - على حد زعمهم - نفتقر الى بدائل أخرى.

رداً على الآراء التي ازدهرت في مرحلة المفاوضات وأصبح همّ أصحابها الأكبر هو الدفاع عن مصالحهم ونفوذهم ولو على حساب كل شيء، يمكن القول إن المفاوضات متوقفة منذ أكثر من عام، وهي تحولت الى مفاوضات من أجل المفاوضات، منذ اغتيال اسحق رابين، حيث تجاوزت جميع الحكومات الإسرائيلية، التي أتت بعد ذلك حتى اتفاق اوسلو، سيئ الصيت والسمعة.

إن المطروح في إسرائيل حلول وبدائل مرفوضة فلسطينياً تبدأ من استمرار الوضع الراهن أي الحكم الذاتي، الى العودة الى الخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب، الى الدولة ذات الحدود المؤقتة، الى إحياء الخيار الأردني والوطن البديل والوصاية المصرية، ولا تنتهي بالتمسك بإسرائيل الكبرى.
أما بالنسبة للسلطة، فيجب أن ننظر إليها كترتيب انتقالي وليس غاية بحد ذاتها، ويجب إعادة النظر بوظائفها وشكلها بحيث تكون أداة من أدوات المنظمة، لا أن يكون استمرارها والدعم الذي تحصل عليه بديلا عن تحقيق الأهداف الفلسطينية.

إن مرتكزات الاجابة على سؤالنا تتمثل في النقاط التالية:

أولاً: إن وقف المفاوضات ورفض استئنافها بدون تحديد مرجعية واضحة وملزمة لعملية السلام وتجميد الاستيطان تجميدا كاملا، خطوة جيدة ولكنها لا تكفي وحدها، وإنما هي بحاجة الى بلورة رؤية متكاملة تنجم عنها استراتيجية جديدة تقوم على إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني باعتبار فلسطين تحت الاحتلال، وتمر بمرحلة تحرر وطني وليست دولة ينقصها الاعلان والاعتراف أو دولة على وشك الميلاد.

ثانياً: إن المفاوضات الثنائية استنفدت أغراضها وأضرت بالقضية الفلسطينية ضررا فادحا، وأدت الى تآكل مرجعية عملية السلام وساهمت بإحداث الانقسام الفلسطيني، بحيث المطلوب الآن وقف المفاوضات الثنائية، والمطالبة باستئناف المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة وضمن إطار دولي، وبحيث تكون مرجعيتها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية. فالمفاوضات الثنائية حيدت المجتمع الدولي وأهملت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ووضعت الفلسطينيين تحت رحمة إسرائيل، والرعاية الأمريكية المنحازة كليا لإسرائيل.

ثالثاً: لا يمكن لأي مفاوضات أن تحقق أهدافها إذا انطلقت من موقع ضعف وفقدان للخيارات والبدائل الأخرى. لقد خسر الجانب الفلسطيني عندما تخلى عن أوراق القوة والضغط التي يملكها وأهمها عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الأخلاقي وتمسك الشعب الفلسطيني بأهدافه واستعداده للتضحية من أجلها، والبعد العربي للقضية الفلسطينية، هذا البعد الذي تم التخلي عنه لأن العرب اختاروا التخلي عن مسؤولياتهم، ولأن الفلسطينيين أرادوا حل قضيتهم بأنفسهم.
ومن الأوراق التي نملكها أيضا البعد الإنساني والتحرري للقضية الفلسطينية وسلاح الشرعية الدولية، ووجود رأي عام عالمي متزايد الأهمية والتأثير مؤيد للقضية الفلسطينية ومستعد لنصرتها خصوصا إذا نصر أصحابها قضيتهم. وما الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي، وتقرير غولدستون وتقرير منظمة العفو الدولية حول المياه، والانتفاضة العالمية الشعبية استنكارا للحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، والمقاطعة الأكاديمية والاقتصادية الدولية لإسرائيل ولمنتجات الاستيطان، إلا شواهد كبيرة على ذلك.

رابعاً: إن الوحدة الوطنية ضرورة وليست خيارا من الخيارات، وإن الخلاف حول المفاوضات وشروط اللجنة الرباعية الدولية كانا من اهم العوائق التي حالت دون نجاح الحوار في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وبالتالي فإن سقوط الرهان على المفاوضات بفتح الطريق لاعتماد استراتيجية تتضمن في لحظة مناسبة إنهاء التزامات المنظمة والسلطة مع إسرائيل، ما يفتح الطريق واسعا لإنهاء الانقسام.

وإذا لم تتجاوب حماس بعد ذلك، وبعد إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني مع نداء الوحدة، ولم تقبل باعتماد برنامج وطني يحفظ الحقوق والمصالح والأهداف الوطنية وينسجم مع الشرعية الدولية، فإنها ستعزل نفسها وتتحول بسرعة الى أقلية غير قادرة على الوقوف في وجه تيار الأغلبية الكاسح.
خامساً: إن إلغاء خيار المقاومة المسلحة كلياً بحجة أن المفاوضات هي الأسلوب الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية، وإهمال خيار المقاومة الشعبية والمقاطعة لإسرائيل على كافة المستويات خصوصا للمستوطنات، وإهمال مقاومة التطبيع والعقوبات، والفتوى القانونية الصادرة عن محكمة لاهاي، وملاحقة إسرائيل على مصادرتها للمياه، وفضيحة تأجيل تقرير غولدستون، وعدم وضع مسألة مواجهة المخططات في القدس ضمن الأولويات، ووضع قيادة المعارك الفلسطينية بمجملها على عاتق قيادات وعناصر محلية بحيث كل موقع وكل مدينة (بما فيها القدس) أصبحت تخلع شوكها وحدها بدون قيادة وطنية موحدة تقود الشعب وتراكم انجازاته وانتصاراته.
لا يشكل ما تقدم دعوة للمقاومة المسلحة فوراً، بل الى الاحتفاظ بهذا الحق، واستخدامه عندما نجد لذلك ضرورة، و بما يخدم المصلحة الوطنية وينسجم مع القانون الدولي الذي يرفض استهداف المدنيين.

ولا دعوة لانتفاضة شعبية ثالثة فوراً قبل أوانها، وقبل توفير المقومات اللازمة لضمان سيرها باتجاه تحقيق أهدافها. فاندلاع انتفاضة عفوية أو قبل أوانها يقود الى الفوضى والفلتان الأمني الذي عانينا منه كثيرا ويجب ألاّ نعود إليه.
ولكن بدون مقاومة بكل أشكالها، وبدون مقاطعة ووقف التطبيع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل، وبدون فرض عقوبات وملاحقة إسرائيل على احتلالها وجرائمها على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لا يمكن أن تصل إسرائيل الى وضع تشعر فيه أن احتلالها أصبح مكلفا أكثر من أرباحه. كما لا يمكن أن تصل فيه الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي الى وضع يجدان فيه أن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم مهدد بقوة، إذا لم تحل القضية الفلسطينية حلاً عادلا أو متوازنا على الأقل.
لا بد أن نجعل اليهود في إسرائيل والعالم، وأميريكا والعالم كله يصلون الى قناعة بأن إسرائيل العنصرية العدوانية الاستيطانية الإجلائية عبء عليهم جميعا، ومصدر تهديد متعاظم للأمن والاستقرار والسلام في العالم بأسره.

عندها ستصبح الدولة الفلسطينية على مرمى حجر، والحل على الأبواب!!