أبو مازن يؤبن التسوية والمفاوضات../ راسم عبيدات*

في المأثور الشعبي يقولون "إكرام الميت دفنه". وحسناً فعل الرئيس أبو مازن في خطابه التأبيني للتسوية والمفاوضات.

إن وصول شخص كأبي مازن، الذي يعتبر من الذين وقفوا على رأس معسكر الاعتدال العربي والفلسطيني، إلى مثل هذه النتيجة والخلاصات فهو تأكيد على فشل المفاوضات كنهج وخيار وثقافة في استرداد الحقوق وتحرير الأوطان، بدون الاتكاء على خيارات أخرى تدعم وترفد هذا الخيار. وأبو مازن طالما وجه سهام نقده نحو المقاومة، ونعتها أحياناً بأوصاف تصل الحد الإساءة والإدانة، وكان يصر على أن المفاوضات هي الخيار الوحيد من أجل استعادة حقوق شعبنا الفلسطيني.

ونحن لسنا من المزاودين ولا من أصحاب الأحكام المسبقة،أو المنتفعين من مال خارجي همه تنفيذ أجندة إقليمية وليس فلسطينية،بل كنا دائماً في الساحة الفلسطينية مغلبين للهم الوطني العام على الهموم الحزبية والفئوية الضيقة. وقناعتنا بأن المفاوضات وفق الأسس التي قامت عليها، وفي ظل غياب المرجعية الدولية، لن تقود إلى أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال، وما طرح ويطرح من مشاريع ومبادرات دولية كان همه بالأساس ليس حل الأزمة، بل هو العمل على إدارتها، فاللجنة الرباعية جاءت على أنقاض فشل أوسلو والعملية السياسية، ودخولها في مأزق جدي، وتعيين "بلير" كمندوب للرباعية لم يكن بهدف إنهاء الاحتلال بل العمل على ترويض الفلسطينيين، وتكيفهم مع الاحتلال، ومن بعدها جاءت مبادرة أو خطة "أوباما"،والتي كانت تصب في نفس الخانة والاتجاه، رغم ما لقيته من زخم في بداية عهدها، ولكن في السياسة ليس المهم الأقوال بل الأفعال وما يترجم على الأرض، فهذه المبادرات والمشاريع جميعها، وبما فيها المبادرة العربية، رغم كونها جميعا لم ترتق إلى مستوى الحد الأدنى من حقوق شعبنا، فإن الأساس الذي كانت تقوم عليه، هو الأرض مقابل السلام.

وفي مجال التطبيق كنا نجد إسرائيل بدعم وحضانة وحماية من الغرب والأمريكان الطارحين والمتبنيين لهذه المبادرات، لم يستخدموا ولا مرة واحدة العصا الغليظة أو الضغط الجدي مع إسرائيل لحملها على الالتزام بهذه المبادرات أو المشاريع، بل كان هناك دائماً إنحياز أعمى لإسرائيل وتبن لمواقفها، وكان الضغط دائماً من نصيب الأطراف العربية والفلسطينية من أجل الاستجابة للاشتراطات الإسرائيلية، وبما يفرغ تلك المبادرات والمشاريع من مضمونها ومحتواها، وبما يظهر الأطراف العربية والفلسطينية بالعاجزين، أو المتصادمين مع أهداف وطموحات شعوبهم. وفي المقابل كانت إسرائيل تواصل القيام بمواصلة الاستيطان ونهب الأرض الفلسطينية وتهويد القدس وأسرلة سكانها.

وفي ظل كل ذلك كانت أمريكا وأوروبا الغربية تطلب من الفلسطينيين والعرب مواصلة المفاوضات، واعتبرت عدم الاستمرار فيها شروط مسبقة، وبمعنى آخر أن الاستيطان وتمدده وتوسعه، هو الذي يحدد ما يسمى بحدود الدولة الفلسطينية، هذا الاستيطان المستمر والمتصاعد الذي يقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، ويحولها إلى مجرد كانتونات متناثرة، يراد منا كفلسطينيين شرعنته والاعتراف به كأمر واقع ومواصلة المفاوضات على أساسه، وبما يعني بالملموس أن أي طرف فلسطيني، سيوافق على ذلك سينتحر سياسياً، ويصبح في الخانة المعادية لأماني وأهداف وطموحات شعبه.

إن نهج المفاوضات العبثية المدمر هو بالأساس الذي أوصل الساحة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، وكان عاملاً هاماً في تفسخ الساحة الفلسطينية وضعفها الداخلي، وأعاق وعطل بناء إستراتيجية فلسطينية موحدة، حيث أن بعض الفلسطينيين كان يراهن على أوهام وأكاذيب كانت تروجها أوروبا الغربية وأمريكا، بأنها ستعمل على تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة من خلال المفاوضات، مقابل أن يهجر الشعب الفلسطيني المقاومة كخيار ونهج وثقافة، ولكن على أرض الواقع كان مطلوباً من الشعب الفلسطيني رفع الراية البيضاء والاستجابة الكاملة لشروط وطلبات إسرائيل، والتي كانت ترى أن القيادة الفلسطينية بإسقاطها لخيار المقاومة أصبحت مطواعة وغير قادرة على رفض شروطها وإملاءاتها، بل كانت إسرائيل مقابل تحسين شروط الحياة للفلسطينيين تحت الإحتلال، تريد من السلطة الفلسطينية أن تتحول إلى أداة قامعة لشعبها،وتلعب دور شرطي الحراسة لأمنها.

واليوم عندما يصل الرئيس الفلسطيني إلى قناعة بأن العملية السلمية وفق الآلية والشروط التي قامت عليها، وكذلك المفاوضات العبثية والعقيمة لن تقود إلى أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال فهذا يعني أن الحياة ليس كما روج لها البعض فلسطينياً بأنها مفاوضات، بل على دعاة هذا النهج والمنظرين له في الساحة الفلسطينية والعربية أن يعلنوا أن هذا الخيار قد وصل إلى نهاياته.

ولا بد من الشروع الجاد والمسؤول من قبل كل الأطرف الفلسطينية من أجل إعادة ترتيب الفلسطيني، وبناء إستراتيجية فلسطينية موحدة من شأنها أن تنهي حالة الانقسام، وتمهد لمرحلة فلسطينية جديدة. والقول إن إسرائيل تستغل حالة الانقسام الفلسطينية للتهرب من استحقاقات العملية السلمية، إن بدا صحيحاً فهو ليس بالعامل الحاسم، فحجج إسرائيل وذرائعها دائماً جاهزة. وعندما كان الرئيس الشهيد أبو عمار حياً نعتوه"بالإرهابي" والمعادي للسلام، وأشاعت هي والإدارة الأمريكية بأن تخلص الشعب الفلسطيني من ذلك القائد سيضع حداً لمعاناة الشعب الفلسطيني إذا ما جاءت قيادة فلسطينية معتدلة ممثلة بالرئيس أبو مازن وغيره من فريق الاعتدال الفلسطيني، ولكن مع مجيء أبو مازن وحتى اللحظة الراهنة، لم تقدم له القيادات الإسرائيلية المتعاقبة أية تنازلات جدية، بل أخذت تشيع وتروج بأنه لا وجود لشريك فلسطيني، فأبو مازن رجل ضعيف وغير قادر على تنفيذ التزاماته وتعهداته. وبدلاً من أن تعمل على مساعدته وتقويته، كانت تعمل على تقويض سلطته عبر ما تقوم به من إجراءات وممارسات بحق الشعب الفلسطيني، من تسريع وتائر الاستيطان ونهب الأرض وتهويد القدس، ومحاولة فرض أمر واقع في المسجد الأقصى بتقسيمه على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل.

نأمل بأن تكون خلاصات الرئيس أبو مازن نهائية، وألا يتم التعامل معها على أساس أنها نوع من التكتيك سيعود عنه استجابة لضغوط عربية وغربية وأمريكية، مقابل وعود فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن يبقى ممسكاً بموقفه بأن لا عودة للمفاوضات دون الوقف الشامل للاستيطان في القدس والضفة الغربية.

والمظاهرات التي تخرج لتأييد أبو مازن ودعوته للعدول عن قراره بعدم الترشيح يجب أن تتحول إلى مظاهرات غضب ضد المواقف الأوروبية الغربية والأمريكية المنحازة والداعمة لإسرائيل، وأن تدعو أبو مازن إلى المغادرة التامة والنهائية والطلاق مع نهج المفاوضات العقيمة وغير المجدية.