قتل النساء ما بين العنف والإستضعاف.. / حنين زعبي

بدأت لجنة المتابعة مؤخرًا رسميًا بتبني قضية العنف، كقضية رئيسية على جدول أعمالها. والمنطلق هو اعتبار هذه القضية إحدى التهديدات الرئسية لأمن مجتمعنا ولسلامة تطوره. ولا تعتبر قضية العنف تحديًا رئيسيًا فقط، بل يعتبر التعاطي الجدي معها، شرطًا لتعبئة الناس لمواجهة التحديات السياسية العامة التي تهدد وجودنا.

فقيادات لا تعطي رسالة واضحة لمجتمعها بأنها تهتم بأمنه الفردي والمحلي، لا تستطيع أن تقنعه أيضا بأنَّها تهتم بأمنه السياسي، والجدية في مواجهة العنف المحلي، هي إحدى الآليات التي نحتاجها لتعميق الثقة مع الشارع وهمومه، حيث لا نبالغ إذا قلنا إنَّ العنف الإجتماعي بات على رأس سلم اهتماماته إلى جانب لقمة العيش.

أما فيما يتعلق بالتعاطي مع هذه الظاهرة الآفة، فهنالك حاجة لأن نركز عملنا على ثلاثة مستويات: تثقيف الأجيال الشابة على رفض ونبذ العنف والعنيفين، وعلى قيم التعددية الحقيقية وليس الشكلية وعقاب المجرمين والمعتدين عقابًا إجتماعيًا –إلى جانب العقاب الجنائي- يصل إلى درجة نبذهم ورفض التعامل معهم اجتماعيًا، وملاحقة تقاعس شرطة إسرائيل، والتي إلى جانب تقاعسها المقصود تشكل هي بحد ذاتها نموذجًا للعنف ضد مجتمعنا.

أما فيما يتعلق بالعنف ضد النساء، فهو يعتبر العنف الأكثر عنادًا والأكثر هدوءًا في مجتمعنا، فلا يمر يوم إلا وترتكب اعتداءات على جسد المرأة أو حقوقها، ولا يمر شهر إلا وترتكب جرائم قتل بحقها، وما يميز العنف ضد النساء هو هدوؤه التام، ففي الوقت الذي تحدث فيه معركة على مواقف السير ضجة كبيرة، وفي الوقت الذي تقوم فيه الدنيا في القرية التي ترتكب فيها جريمة قتل، يقابل الاعتداء على المرأة وحتى قتلها بهدوء... قاتل هو الآخر.

ومؤخرًا، كانت جريمتا قتل تمام الحاج يحيى من الطيبة ومنار زيان من يركا. لا نعرف حتى الآن أسباب هذه الجرائم، لكن أيا كانت فإنها تجمع ما بين آفتين اجتماعيتين بمقدور كل منهما على حدة إنهاك المجتمع والحد من تطوره، الأولى هي العنف والثانية هي استضعاف المرأة والاستهتار بحياتها وكرامتها وحقوقها.

بالتالي تزيد أهمية إعطاء هذه الجرائم حقها من المعالجة التي لا تقوم بالإستنكار وحده، بل أيضا باتخاذ موقف واضح على أعلى المستويات ومن قبل كافة الهيئات، يدين هذه الجرائم ويعتبرها جريمة ضد المجتمع وليس فقط ضد الضحايا من النساء.

هذا الموقف هو رسالة هامة توجه لكافة هيئاتنا وأطرنا التعليمية والتربوية، وللمجالس المحلية ولغيرها من الهيئات المسؤولة في النهاية عن تطوير مكانة المرأة وتعزيز احترامها والتأكيد على مساواتها مع الرجل.

هذه المسؤولية المجتمعية، لا تعفي الهيئات الدينية ولا الأحزاب الدينية من أن تقول كلمتها، فهناك البعض ممن يقومون بإساءة استخدام الدين أو بعض النصوص الدينية لتبرير تلك الجرائم، ولتبرير سلوكيات أخرى مهينة للمرأة ومسيئة لمكانتها.

علينا أن نعي أننا لا نتكلم فقط عن جرائم بحق أفراد، وأنَّ الجريمة لا تتوقف عند فعل قتل المرأة، بل تشمل أيضا منظومة القيم المتسامحة مع تلك الجرائم، وتلك التي تبررها، ومنظومة القيم التي تدين المرأة أو التي تبرر كل السلوكيات المهينة لها، سواء الشفوية منها أو الفعلية.

في النهاية نحن لا نتحدث عن „اجتهادات” تتعلق بمساواة المرأة، نحن نتحدث عن حق الحياة، وعن كرامة وسلامة مجتمع، بالتالي لا مساومة مع جرائم، لا مساومة مع مجرمين ولا مساومة مع كل صمت على جرائم هي ضد المرأة وضد المجتمع.