بين الغضبة وبين السياسة../ زكريا محمد

سيسجل التاريخ، ربما، أن حادثة سحب تقرير غولدستون من أمام لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لعبت دورا حاسما في حياة الحركة الوطنية الفلسطينية. بل لعله سينظر إلى هذه الحادثةعلى أنها، مع ما أعقبها، أحدثت انعطافة أسدلت الستار على مرحلة غريبة من تاريخ هذه الحركة.

فقد نتج عن هذا الحدث، الذي قد يبدو صغيرا مقارنة بأحداث كثيرة أخرى، انتفاضة دعاها الدكتور هيثم مناع باسم (انتفاضة حقوق الإنسان). لكن هذه الانتفاضة كانت أعمق من ذلك بكثير. صحيح ان رأس حربتها تمثل، في البداية، بالناشطين في مجال حقوق الإنسان، إلا أنها سرعان ما اكتسبت عمقا متحولة إلى ما يشبه انتفاضة سياسية وطنية ضد الطريق الذي سارت فيه السياسة الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، وخلال السنوات الخمس الأخيرة على وجه التحديد.

ويمكن وصف هذه الانتفاضة في الحقيقة بأنها (انتفاضة عودة الوعي)، أو (انتفاضة الوعي على الوهم)، انطلاقا من وصف الزميل هاني المصري للوضع بعدها بأنه يمثل طرازا من عودة الوعي.

وليس الحديث هنا عن انتفاضة مبالغة. فقد تزلزل إثرها رسوخ السياسة السائدة، وانبعث الخوف وعدم اليقين في صفوف من بنوها. ونتج عن ذلك أن القيادة أرغمت على أن تتصرف بشكل مختلف. فمن دون هذه الحركة- الانتفاضة كانت المفاوضات ستستمر إلى ما لا نهاية، وبلا اهتمام بمسألة توسع المشروع الاستيطاني. لقد أرغمت القيادة على وضع الشروط، وأرغمت على أن تتحدث من جديد عن المرجعيات. بل إننا سمعنا في ذكرى الرئيس الراحل عرفات من يتحدث عن (المفاوضات الرشيدة) بما يوحي ان المفاوضات التي جرت كانت غير رشيدة.

وإذ أرغمت انتفاضة الوعي قيادة السلطة والمنظمة على وضع شرط لاستئناف المفاوضات، فقد أجبرتهما في الواقع على التصرف ضد طبعها، وضد طريقتها. إذ عنى هذا أنه تحت الضغط ألغيت، عمليا، نظرية الرئيس التي تقول: (إذا فشلت المفاوضات، فالحل يكون بالمزيد من المفاوضات).

لقد حطم هذا الطوطم، وأصبح بالإمكان تصور قطع المفاوضات وتأزيمها. أي أنه تم كسر منطق الاتجاه الرئيسي في السياسة الفلسطينية، الذي أرغم على أن يستعير أشياء من منطق مخالفيه: الضغط وقطع المفاوضات. والأهم، أنه تم كسر هذا المنطق في اللحظة التي بدا فيها وكأنه قد حقق انتصاره النهائي في مؤتمر حركة فتح الأخير.

ولم تكن المشكلة مع هذا التيار في أنه يريد التفاوض، بل في أنه حول التفاوض إلى عقيدة دينية لا تمس. لقد تكثفت سياسته في كلمة واحدة: المفاوضات. من أجل هذا رد الناس برفع شعار: (وقف المفاوضات). المفاوضات صارت اختصارا للطريق الذي سارت فيه القيادة، فصار شعار وقف المفاوضات اختصارا لرفض لهذا الطريق.

وقد كان يمكن تصور وضع يتم فيه تعديل الاتجاه والطريق من دون وقف المفاوضات، خاصة أن التفاوض مطلب جدي لقوى دولية وإقليمية لها القدرة على إيذائنا. لكن تحويل المفاوضات إلى ديانة وعقيدة، وإلى كنيسة نؤدي صلواتنا فيها كل يوم لا كل أحد، أدى إلى أن صار مطلب الناس هو: وقف المفاوضات. وهذا يعني أن السياسة الفلسطينية السائدة هي التي جعلت من التفاوض عفريتا يثير الخوف والشؤم عند الناس. أما في الوضع الطبيعي، فيمكن لطاولة المفاوضات أن تكون، في لحظة ما، وسيلة من وسائل المواجهة. كما يمكن من داخل فكرة التفاوض ذاتها تصور تكتيكات تشمل الذهاب إلى التفاوض، الانسحاب من المفاوضات، تأزيم المفاوضات، العودة إلى المفاوضات، تفجير المفاوضات. غير أن جنون التفاوض الذي لا ينتهي، والذي لا بديل له ولا سند، جعل الناس يرفضون التفاوض من أساسه.

ولعل الدكتور صائب عريقات هو وحده من أفلح في رفع نهج التفاوض إلى مرتبة النظرية الشاملة بجملته الرهيبة التي ستذكر في كتب التاريخ: (الحياة مفاوضات). في هذه الجملة تحولت الممارسة الشخصية للدكتور عريقات- فحياته كانت بالفعل جلوس لا يتوقف حول طاولة التفاوض- إلى نظرية، وتحولت الأداة إلى غاية. ولاختصار، لقد تحول البؤس إلى نظرية.

ولم تكن هذه الجملة تعكس منطق الدكتور عريقات وحده. لا، لقد كانت تعكس منطق القيادة الأساسية كلها. وهناك أناس حول الرئيس يؤمنون بهذه النظرية أكثر مما يؤمن بها الدكتور عريقات، لكنهم أشد ذكاء من أن يتجرأوا على صياغتها علنا وبهذه الفجاجة.

على كل حال، فقد حصلنا بجملة الدكتور عريقات على (تطوير) فلسطيني للمبدأ الأساسي في السياسة الدولية، أي السياسة بين الدول والأمم، الذي يقول: (الحياة صراع مصالح). فالحياة لم تعد صراعا بل صارت مفاوضات. والتفاوض سيؤدي يوما ما، بإذن الله، إلى حل ما. لكن لن يؤدي بالضرورة إلى حل نحصل فيه على المصالح والحقوق. فالمصالح تحتاج إلى صراع ومصارعين. وقد حذف الدكتور عريقات الصراع بجملته الرهيبة.

ولأن الحياة مفاوضات وليست صراعا على مصالح، فقد ضاعت في الواقع مصالحنا عبر ما يقرب من عقدين من التفاوض. وكما يقول الدكتور عزمي بشارة: فقد تحولت هذه المفاوضات من وسيلة لتحصيل الحقوق، إلى تفاوض على هذه الحقوق ذاتها.

ومصداقا لهذا، أي لتحول المفاوضات إلى تفاوض حول الحقوق لا لتحصيلها، ها نحن نسمع اليوم دعوات من القيادة السياسية ذاتها إلى تحديد مرجعية المفاوضات بوضوح ودقة! وهذا اعتراف رهيب لا مثيل له بأننا كنا نفاوض من دون مرجعيات، أو بمرجعيات غائمة. وهو اعتراف يمكن وصفه بأنه اعتراف باقتراف جريمة يصلح أن يعاقب مرتكبوها. فالمرجعيات غير المحددة تعني أننا كنا نفاوض على أرضية ملائمة للعدو. وهذا يعني، في الواقع، أن الأرض متنازع عليها.

ولا يكفي لإصلاح هذا القول بأننا لن نعود إلا بعد وقف الاستيطان. هذا لا يكفي أبدا. يجب أن يتم تغيير النهج بكامله. لحظة غضب لا يمكن لها أن تبني سياسة. لا يمكن بناء سياسة انطلاقا من (غضبة عباسية)! السياسة لا تنطلق من غضبة، أو من رغبة في استعادة كرامة شخصية، بل من التحليل البارد للمعطيات ولموازين القوى في لحظة محددة. كما أن لحظة غضب تعكس اليأس والعتب، أكثر مما تعكس سياسة، لا يمكن لها أن تأتي بثمار حقيقية. يمكن لها أن تثمر عن شيء صغير، عن ترضية بسيطة، لكنها لن تغير شيئا في الجوهر. فالتغيير الجوهري يتم عبر عمل صبور متعدد الأوجه انطلاقا من سياسة محددة وثابتة. وباختصار، فالغضبة تعني الإصرار على السياسة ذاتها، وعدم الإحساس بالحاجة إلى تغييرها.

على كل حال، فإذ أرغم الاتجاه السائد بعد (انتفاضة عودة الوعي) على السير في طريق لا يألفها، فهو يعيش اضطرابا واسعا. فهو غير قادر على العودة إلى القديم الآمن، أي المفاوضات دوما ومن دون توقف- أو المفاوضات طويلة الأمد على غرار الكفاح المسلح طويل الأمد- ولا على السير بثقة وقوة في الطريق الجديد، طريق الضغط والتفاوض معا. فهو لا يتقن السير على الحبل الرفيع الذي يقتضيه ذلك. كما أنه مزاجه لا يتوافق مبدئيا مع هذه اللعبة التي تقتضي رمي شيء ما على الإسرائليين عند الحاجة، في حين أن الرئيس حذرنا منذ مجيئه أنه (لا يريد رمي حتى ولو زهرة على الإسرائيليين).

من أجل هذا، نحن لا ندري الآن إلى أين نحن ذاهبون. ولا ندري إن كان سيتم التراجع عن شرط وقف الاستيطان أم لا. كما أننا لا ندري إن كان الرئيس سيعود عن قراره بعدم الترشح أم لا، رغم أن تأجيل الانتخابات يلغي مسألة تنحيه برمتها. ويبدو وكأن الأمر كله يتعلق الآن بكرامة الرئيس شخصيا، لا بالطريق الذي علينا ان نسير فيه. فإذا أعطي شيئا يحفظ كرامته أمام شعبه فسنعود إلى المفاوضات، وإذا لم يعط فلن نستطيع أن نعود. وحين يتعلق الأمر بكرامة شخص الرئيس فلا يمكن للمرء أن يفتي وأن يقول. إذ من المفترض أن نتحدث عن النهج والطريق لا عن كرامة الأشخاص. يعني أننا بحاجة إلى البحث عن خيارات أخرى وطرق أخرى، لا البحث عن استعادة كرامة هذا الشخص أو ذاك.

من المؤكد، بالطبع، ان الرئيس أصيب بصدمة شديدة، وبجرح ثخين، نتيجة رد الفعل على سحب تقرير غولدستون. فهو لم يكن يتوقع الأمر بتاتا. ونعتقد أن مواقفه السياسية هي صدى لهذا الجره وهذه الصدمة. اي انها لا تمثل محاولة لتعديل النهج، بل محاولة لتخطي الصدمة. بل ونعتقد أن الرئيس يبدو كما لو أنه، في جانب من تصرفاته الأخيرة، يريد معاقبة الناس على رد فعلهم، ومعاقبة من حوله لأنهم خذلوه، ولم يدافعوا عن موقفه.

كما أنه ليس من المستبعد أن يكون لمواقف الرئيس علاقة ما بتقرير لجنة التحقيق في مسألة سحب تقرير غولدستون. فقد ترافق موقفه مع اكتمال التقرير وتسليمه للمعنيين. ويقال أن الرئيس طلب تأجيل نشر التقرير، الذي توصل إلى أنه هو شخصيا المسؤول عن سحب التقرير. وقد أجل نشر التقرير بالفعل إلى ان جاء موقف الرئيس الأخير كي ينسى الناس هذا التقرير. لقد وعد الرئيس بتحقيق شفاف، وبأن تصل نتيجته إلى الناس خلال أسبوعين. لكن ها هو التقرير يحبس في الأدراج، ويتم العمل على أن ينساه الناس.

بالطبع، يمكن للمرء ان يتصور ان أحداثا كبيرة قد تنسي الناس الأحداث التي قبلها. لكن هناك شبهة ما، ولو صغيرة، في أن الرئيس لا يريد لتقرير اللجنة أن يرى النور في هذه المرحلة على الأقل. فما استنتجه هذا التقرير، حسب التسريبات، يخالف كل ما أكده الرئيس. فالرئيس أكد أن سحب غولدستون لم يكن قراره الشخصي فقط، بل كان قرارا فلسطينيا عربيا إسلاميا، في حين أن تقرير اللجنة يحمل المسؤولية للرئيس. والرئيس يؤكد أن القرار كان صحيحا، في حين ان اللجنة تخالف في هذا التقدير أيضا كما يبدو.

وإذا كان الرئيس لا يريد لهذا التقرير ان يرى النور بالفعل، فلدينا مشكلة مصداقية. فقد وعد الرئيس، لكنه ولم يف بوعده. غير أن الأهم هو أن هناك شبهة في أن الرئيس ربما يكون قد اتخذ بعض الخطوات الساسية من أجل التغطية على التقرير وتمويته. وإذا كان هذا صحيحا، فإنه لمن السيء جدا أن يُدفع الناس إلى الشك بأن سياسة محددة يمكن ان تكون قد اتخذت من أجل دفن تقرير ما، أيا كان الموقف من هذه السياسة.

في كل حال، فمنذ تقرير غولدستون لم تعد السلطة تتصرف كما كانت تتصرف، ولم يعد الناس يتصرفون كما كانوا يتصرفون. لقد حصل تطور ما.
هذا التطور سيجعل من السياسة الفلسطينية أمرا مختلفا تماما في الفترة القادمة.
لقد ذهب زمن، وحل آخر.
لقد عاد الوعي أخيرا. وهو وعي يريد أن يعود إلى جذر المسائل، وأن يتفكر فيها من جديد من أجل المستقبل.