استقلال الدولة باستقلال الفرد../ الفضل شلق

قبل أيام احتفل لبنان بعيد الاستقلال. قبل الاحتفالية تشكلت الحكومة. مع تشكّلها تراجعت حدّة التشنجات بجميع أشكالها. انطلقت اللجنة المعنية في نقاش البيان الوزاري، أي برنامج الحكومة للفترة المقبلة. تخوّف البعض من طول النقاشات. دارت النقاشات حول الشأن الاقتصادي كما حول الشأن السياسي. لا خوف من النقاش والحوار ما داما مستمرين. انقطاع الحوار هو الخطر. ما دام اللبنانيون، بمؤسساتهم الشرعية، يناقشون أمورهم، ويأخذون الوقت الكافي لذلك، فإن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.

اكتشف اللبنانيون، خاصة أهل السياسة منهم، ان الحوار حول قضاياهم يمكن أن يصل بهم إلى التسوية وإلى إيجاد المساحة المشتركة بينهم. ليست التسوية عيباً. العيب اذا لم تكن هناك تسوية وتسويات. تبنى الدولة بتراكم التسويات، لا بغيرها. غياب التسويات يؤدي في كل مجتمع الى تفاقم التشنج، وهذا يؤدي بدوره الى تعمّق الانقسامات، وربما الى انفجارها في نزاعات أهلية. جرّبنا النزاعات الأهلية زمناً طويلاً. كانت حرباً أهلية شديدة التدمير كثيرة القتل بين العامين 1975 و1990. ثم خضنا تجربة التسويات بين 1990 و2005 فكان الإعمار وكان التحرير، وكان النهوض بالوطن وعودة الدولة. ثم مرت أعوام من التشنج وغياب التسويات مما أدى الى تفاقم العجز، في السياسة والاقتصاد وموازنة الدولة. والآن هناك تباشير العودة إلى سياسة التسوية وسياسات الإعمار والعمل والإنتاج.

ليست التسوية دليل عجز، بل العكس تماماً. بالتسوية يعاد تشكيل الإرادة، إرادة اللبنانيين شعباً وحكومة. بالتسوية يعاد تغليب الداخل على الخارج. بالتسوية يعاد اكتشاف المشترك لدى اللبنانيين، ويعاد تحفيز الجميع على طريق العمل والإنتاج. بالعمل والإنتاج يكون القضاء على البطالة وتخفيض الهجرة. وما كانت جريمة بحرصاف إلا نتيجة الهجرة، والهجرة لا تنتج إلا عن البطالة وفقدان فرص العمل وانسداد الأفق والبؤس المعيشي والنفسي، والغضب المؤدي الى ارتكابات تدل على عمق الأزمة الاجتماعية.

التسوية دليل على القوة، القوة على مناقشة القضايا والمشاكل، القوة على إيجاد الحلول لها. تبعث القوة على الثقة بالنفس. الواثق من نفسه يناقش، يطرح القضايا على بساط البحث، يدلي برأيه، يسمع آراء الآخرين، يعدل رأيه حسب تبيان الوقائع والحقائق، ويدفع الآخرين ايضاً الى تعديل رأيهم بالحجاج العقلاني الهادئ. بالحوار يكتشف الجميع ان المساحة المشتركة هي ساحة التعاون؛ بالتعاون يكتسب المجتمع أسباب القوة والثقة بالنفس؛ بالتعاون تتشكل قاعدة الاستقلال.

لا يتعلق الاستقلال بالمواجهة مع الخارج وحسب. المواجهة مطلوبة تجاه كل اعتداء خارجي. لكن المواجهة، كي تكون فاعلة، تتطلب قبل كل شيء بناء القوة الداخلية، وتحقيق التماسك الاجتماعي وتحرير الناس من الفقر والعوز. وهذه هي مهمة الدولة الأساسية، اذا أرادت الدولة ان تكون دولة المجتمع وأن تكون دولة شرعية. الدولة الشرعية تحقق استقلال الفرد اولاً. هذا الاستقلال المطلوب كي يصير المواطن شريكاً في الدولة وفي المجتمع. الدولة القوية هي دولة مواطنين شركاء لا دولة رعايا خاضعين.

استقلال الفرد، وصيرورته إلى مواطن حقيقي، هما قاعدة كل استقلال جدي للدولة. عندما يتحقق استقلال الفرد في مواجهة الدولة، يتحقق استقلال الدولة. لا تكون الدولة قوية إلا عندما يكون الناس شركاء فيها. عندما تنعزل الدولة عن الناس ومشاركتهم، تصير هي عالة على الناس وتضعف وتصاب بالعجز فيتراكم عجز موازنتها، وتتراكم موازنات العجز عاماً بعد عام.

مع العجز يزداد الفقر ويخرج الناس إلى الغضب، ومن الغضب إلى التشنج وإلى الانقسامات، إلى الطوائف والعشائر والعائلات، إلى كل ما يعتقدون انه يحميهم من الأزمات التي لم تستطع الدولة حلها، أو على الأقل، الأزمات التي لم تحاول الدولة حلها؛ وأحياناً أنكرت أن عليها التدخل لإيجاد الحلول.

العقد الاجتماعي ليس مفاده أن الناس اجتمعوا وعقدوا اتفاقاً في ما بينهم. هو غاية ووسيلة؛ هو غاية وسيلتها الحوار، الحوار بين الناس، والحوار بين الناس والدولة، والحوار بين أطراف الدولة. ليس مهماً إذا اتجه الحوار من الأدنى إلى الأعلى، أو من الأعلى إلى الأدنى، بل المهم أن يكون الحوار وأن تنتج عنه تسوية. تراكم التسويات هو العقد الاجتماعي. بهذا العقد تفقد الدولة غربتها، تتخلى عن غربتها لتصير جزءاً من المجتمع وتعبر عن حاجاته.

الحاجات كثيرة والمطالب كبيرة، لكن الحلول ليست مستحيلة وإن بدت مستعصية. تستعصي المشاكل عندما تنعدم السياسة وتغيب التسوية ويتراجع الحوار أمام التشنج وعوامل الفرقة والانقسام. لا يحلم اللبنانيون بحالة طوباوية مثلى؛ وهذا من حسن الحظ. لكن الجميع يدركون أن لدينا موارد كثيرة وإمكانات كبيرة، مادية وبشرية. العجز في مكان والفائض في مكان آخر. السياسة الرشيدة الحكيمة هي أن نعالج العجز بالفائض؛ أن نضعهما سويا، في سلة واحدة، وأن لا نترك الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون غنى.

ليس المطلوب أن تكون الدولة «روبين هود» الذي يسلب الأغنياء ليعطي الفقراء. المطلوب هو التعاون الاجتماعي لاستخدام الإمكانات لتلبية الحاجات، وأن يساهم الجميع بالنسبة نفسها مما لديهم.

ينتج التعاون عن الحوار. والحوار هو السياسة الوحيدة الممكنة، إذا كان المراد تجنب مزيد من الأزمات. قصر النظر طريق العمى. لا نستطيع أن ندفن رؤوسنا في الرمل ونوهم أنفسنا بغير حقائق الأمور.

ما يعد اللبنانيون أنفسهم به هو أن يستمر الحوار، وأن يتحول الحوار إلى عمل إنتاجي مثمر، كي يتحول تفاؤلهم إلى نتائج مرضية. الخطط كثيرة، برامج العمل متعددة، مؤسسات القطاعين العام والخاص قادرة على الشغل. المهم أن ينتقل الحوار في أعلى المستويات إلى عمل على جميع المستويات.
"السفير"