الأتراك قادمون لدور تخلى عنه العرب../ جميل مطر


عائد من بلاد الشام بعدما سمعت وتقصيت عن أسباب صخب شديد في عواصم عربية عديدة. رحت إلى هناك أبحث وأنقب لمعرفة مصدر الصخب المتصاعد هناك. وجدت لبنان كعادته صاخباً ولكنه لم يكن، على غير ما عودنا، مصدر الصخب الذي أبحث عنه. وجدته لاهياً بمشكلة البحث عن صيغة مناسبة لبرنامج حكومته الحديثة، ومستمتعاً بالصخب الآتي من وراء حدوده. ولم يكن الأردن المصدر، وجدته فائراً بغضب مكتوم في أعقاب تعرض الناشط والنقابي اللامع ليث شبيلات إلى “علقة” ساخنة على أيدي عدد من “البلطجية”، ولم أكن أعرف أن هذا النوع من الخبرة وصل إلى هناك، بعدما استقر في عدد من دول شمال إفريقيا محققاً إنجازات فاقت إنجازاته في دول المنشأ. ولم يطل أمد الفوران إذ سارع ملك الأردن إلى حل الحكومة بأمل أن يؤدي تغيير الوجوه إلى ترطيب الأجواء. هنا أيضاً في الأردن، كما في لبنان، كانت الأسماع مشدودة إلى الصخب الآتي من وراء الحدود.

ولم يكن العراق مصدر الصخب، أو على الأقل لم يكن مصدر هذا الصخب تحديداً، وعلى كل حال لم أذهب لأتحقق بنفسي مثلما فعلت في لبنان والأردن، ولكن جاء من هناك أصدقاء عديدون، يحمل كل منهم حكاية مختلفة عن حقيقة ما يدور في البصرة وفي بغداد وفي الموصل وفي كركوك وإربيل، ولديهم جميعاً حكاية مشتركة، إنها حكاية الجنرالات الأمريكيين الذين اعتزلوا الخدمة العسكرية أو تقاعدوا ليعودوا رؤساء لشركات عابرة الجنسية تحتكر استخراج ثروات البلاد وتصديرها، وبخاصة نفط الشمال، ويطلق عليه الآن في الغرب وفي بعض الصحف التركية نفط الأكراد بعدما عرفه العالم على امتداد مائة عام بنفط العراق. هناك كما في لبنان والأردن، كان العراقيون مشدودين إلى تطورات وراء حدودهم وإلى صخب من نوع مختلف عن الصخب الذي عاشوا في أصدائه منذ الغزو الأمريكي في عام 2003.

لم يبق غير سوريا، وهي التي عرفناها مصدراً دائماً للصخب في المنطقة، وجدناها هذه المرة مصدراً وساحة للصخب في آن. تغيرت أشياء كثيرة في المنطقة العربية، سقطت إيديولوجيات ونشبت حروب وقامت تحالفات وتغيرت خرائط وبقيت سوريا مصدراً أساسياً من مصادر الفعل والحركة في هذه المنطقة الشاسعة التي أنجبت معظم الأنبياء والرسل وأثمرت عشرات الأديان وأبدعت في صنع الطوائف والمذاهب والأعراق.

كانت دمشق، عندما زرناها، خارجة لتوها من معركة دبلوماسية مع حكومة بغداد التي اتهمتها بتدبير مذبحة “الأربعاء الأسود” قبل أن تسعى إلى تدويل اتهامها أسوة بمحاولة أطراف لبنانية وأطراف عربية ودولية تدويل اتهام سوريا بالضلوع في مصرع رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري. هذه المرة لم تنفعل حكومة دمشق كما انفعلت عندما وقع اتهامها بقتل الحريري، وهذه المرة لم توافق الدول الغربية على تدويل الاتهام بتدبير مذبحة “الأربعاء الأسود” التي وقعت في العراق، ولم تؤيد مساعي السيد نوري المالكي لتدويل قضيته مع سوريا.

سوريا التي كانت منذ عامين، لا أكثر، واقعة تحت الحصار والصعوبات الدولية والعربية، هي الآن صاحبة فضل، معترف به في فرنسا وغيرها من دول الغرب وفي المملكة السعودية، في تشكيل حكومة في لبنان، ومدعوة لتقديم فضل آخر في تسهيل انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ومعروض عليها المساهمة في الجهود الجارية لإقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، ومطلوب منها أن تلعب وبكفاءة والتزام دور بوابة تركيا إلى العالم العربي والعالم العربي إلى تركيا. في كلمات قليلة أستطيع القول إن سوريا عادت موضوع سباق تشترك فيه دول غربية وآسيوية وعربية. عادت سوريا، ومعها المنطقة، إلى حالة أطلق عليها باتريك سيل الصحافي البريطاني المعروف تعبير “الصراع على سوريا” في كتابه ذائع الصيت، وركز عليها مالكولم كير أستاذ العلاقات الدولية الشهير ورئيس سابق للجامعة الأمريكية في بيروت في كتابه الأشهر بعنوان “الحرب الباردة العربية”. رأينا دمشق الرسمية في هذه الزيارة سعيدة، ورأينا شعب سوريا أيضاً سعيداً. ولكنها السعادة المصحوبة بصخب شديد انتقلت عدواه إلى كل دول الشرق الأوسط، ووصلت أصداؤه إلى دول الغرب ومعها أصداء صخب مماثل وإن باعتدال من دول القوقاز وإيران ودول في وسط آسيا، حتى الصين ودول جنوب آسيا وإفريقيا انضمت إلى الدول الباحثة عن تفسير، وكذلك الدول التي توترت أعصاب السياسيين فيها وانتابهم القلق.

عدت من بلاد الشام متيقناً أن وراء الصخب الكلامي والقلق السياسي والانبهار الإعلامي والأكاديمي، ووراء فورة النشاط في جميع وزارات خارجية دول الإقليم، روايات وأفعالاً وممارسات تجتمع جميعاً تحت لافتة تحمل عنواناً من أربع كلمات هي “تركيا تعود إلى الشرق الأوسط”. في البداية بدا لي الاهتمام العربي و”الإسرائيلي” مبالغاً فيه، وتصورت لبعض الوقت أن الصخب السائد في المنطقة حول هذه العودة ما هو إلا فقاعة في عصر فقاعات كثيرة، مالية أو سياسية، ما إن يكتمل تكوينها إلا وتنفجر، وتسرب إلى نفسي الشك في أن التركيز الإعلامي الغربي على التغيرات في السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط هدفه دفع حكومة حزب العدالة والتنمية إلى الكشف عن نواياها الحقيقية واتجاهاتها الدينية والتزاماتها الليبرالية والديمقراطية.

وما كان يمكن أن أجد إجابة شافية عن سؤال أو آخر من أسئلة كثيرة تراكمت في الذهن، وأزيل شكاً أو آخر من شكوك ثبتتها في النفس ذكريات علاقات أليمة وتاريخ مأساوي ربطنا لعدة قرون بالأتراك، وأتيقن من سلامة فكرة تزداد إلحاحاً منذ وقت غير قصير تدعوني إلى الاهتمام بالعواقب المحتملة لاستمرار حالة الفراغ القيادي التي تمسك بخناق الأمة العربية وكذلك بالأمة الإسلامية، إنها فكرة تتعلق بضرورة تكثيف كل الجهود العربية بحثاً عن جهة أو تجمع أو دولة تملأ هذا الفراغ وتمنعه من أن “يشفط” إلى القاع دولة عربية بعد أخرى، وقيمة قومية أو إسلامية بعد أخرى، وآمال شعوب تريد أن تنهض.

بسبب هذا الصخب ورغبة في الحصول على إجابات، وحرصاً على إزالة شكوك وتثبيت يقين أو آخر، وللتعرف إلى جهود سد الفراغ الإقليمي، لم أتردد في قبول دعوة للسفر إلى تركيا للالتقاء بمفكرين أتراك، عسى أن أجد بينهم من يروي عطشي إلى معلومات جديدة وتحليلات عاقلة ورؤى مختلفة، ولنرى بأنفسنا، وعلى الطبيعة، كيف تنهض الأمم بعد أسبوع قضيناه في بلدنا وفي الجزائر أيضاً رأينا فيه دلائل ومؤشرات مؤكدة عن أمة تقاد إلى التخلف.

هناك في وديان هضبة الأناضول الآسيوية وعلى مسافة غير بعيدة من اسطنبول الأوروبية، بدأنا رحلة البحث عن تفسير للصخب الذي تسببت فيه تركيا.“الدولة التي تجهد نفسها للتأثير من خلال حدودها باستخدام القوة الناعمة، هي الوحيدة التي تتمكن من المحافظة على نفسها”. تنسب هذه الكلمات إلى أحمد داود أوغلو، المعروف في تركيا والعالم الغربي باسم أحمد دافتوغلو، الرجل الذي تولى منصب وزير الخارجية التركية منذ فترة غير طويلة قضى معظمها متنقلاً بين عواصم الدول المجاورة، كنت في تركيا وكان في إسبانيا. كنت أسأل عن علاقات تركيا بالدول الأوروبية المنضمة إلى الاتحاد الأوروبي، ومدى الإنجازات التي حققتها تركيا في الشرق الأوسط، بينما كان أوغلو في إسبانيا يجيب عن سؤالي قبل أن يسمعه مني فيقول للإسبان “لن تستطيعوا فهم تاريخ خمس عشرة عاصمة أوروبية إذا لم تفتحوا الأرشيف العثماني وتقرأوا تفاصيل أحداث القرون الخمسة الماضية”،

بهذه الدرجة من الثقة يتحدث الوزير التركي. وليس وحده على كل حال. ففي زيارة خلال الأسبوع الماضي إلى “حكومة” كردستان قال ظافر شاجلان وزير التجارة التركية في احتفال جرى في مدينة الموصل وهو يفتتح قنصلية جديدة من بين قنصليات عديدة قررت تركيا فتحها بالعراق، “نحن أبناء العثمانيين جئنا إلى هنا لنعلن عن اهتمامنا بتنمية الموصل تماماً كما فعل أجدادنا عبر القرون”.

لا يقتصر الشعور بالثقة بالنفس وبتركيا على قادة حزب العدالة والتنمية وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان، ففي أوساط تركية عديدة سمعنا الناس تردد عبارات تنبئ بغضب مكبوت تجاه الغرب “الذي لا يريد أن يتفهم أهداف السياسة الخارجية النشطة التي تنتهجها تركيا”.

استنكر أحد الأتراك أمامي تعمد دول غربية الاستهانة بسياسة تركيا الحديثة، وأشاد بموقف حكومة أردوغان والإعلام التركي من انتخاب رئيس وزراء الدنمارك سكرتيراً عاماً لحلف الأطلسي، وهو الرجل الذي لم يرتح الأتراك لموقفه خلال أزمة الرسوم الكاريكاتيرية، إذ بدا غير منصف لمشاعر الطرف الإسلامي، يقول محدثي: “لا يهمنا الآن ما يقال عن أن تركيا بهذا الموقف اختارت مراعاة الحساسية الإسلامية وأهملت مراعاة الحساسية الأوروبية الليبرالية”.

ولا يخفي الأتراك دهشتهم للحملة الإعلامية في الولايات المتحدة وحملة الأكاديميين الأمريكيين ضد الانفتاح التركي على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي عموماً. حول هذا الموضوع يقول إبراهيم كالين مستشار رئيس الوزراء للسياسة الخارجية، “غريب أمر هذا الغرب. عندما انفتح الأمريكيون على روسيا قيل إنه عهد جديد في الدبلوماسية. ولكن عندما انفتحنا على الجيران سئلنا إن كنا قررنا تبديل تحالفاتنا؟”.

وفي جدل مثير يقول وزير المالية الجديد في حكومة أنجيلا ميركل في برلين إنه لو صارت تركيا عضواً كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي فلن تتمكن من ممارسة وظيفة الجسر الذي تدعي أنها تستطيع أن تفيد منه جميع الأطراف بما فيها الأطراف الغربية والشرقية في وقت واحد. إن الجسر التركي مثل أي جسر لا يمكن أن يكون تركياً غربياً من جهة وتركياً إسلامياً أو شرقياً من الجهة الأخرى”. بمعنى آخر، الجسر يكون تركياً غربياً أو لا يكون.

مثل هذا الكلام، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه ناتج عن انفعال أكثر من كونه ناتجاً عن تعقل وروية، يرد عليه إيجيمين باجيس EGEMIN BAGIS وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في الحكومة التركية بالقول “كان الغرب يقول لنا.. تركيا جسر بين الشرق والغرب، الآن تركيا لا يمكن أن تكون إلا أوروبية.. كيف يمكن لجسر أن يقف على دعامة واحدة في جهة واحدة؟”.

جدل في الغرب، وجدل بين الغرب وتركيا، وجدل أشد صخباً في تركيا، وجدل صامت كالعادة بين المسؤولين في العواصم العربية، ولكنه صاخب، بين المثقفين العرب والمسلمين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وجدل في روسيا وبين روسيا وتركيا، وجدل في إيران وبين إيران وتركيا.

كان مذهلاً أن تكون تركيا أول دولة تهنئ محمود أحمدي نجاد بفوزه في الانتخابات الإيرانية التي قيل إنها خضعت للتزوير. كان مذهلاً أيضاً ما سمعته في اسطنبول عن تخلي حكومة أردوغان عن قاعدة ثابتة لم تتغير إلا حين وُفق للرئيس الإيراني على أن تجري مراسم استقباله في زيارته إلى تركيا في مدينة اسطنبول ليتفادى الجميع إحراج نجاد إذا زار أنقرة، إذ كان سيتعين عليه زيارة ضريح كمال أتاتورك ووضع الزهور على قبره. وليس سراً أن تركيا أبلغت الولايات المتحدة رفضها المطلق لأي محاولة لضرب إيران، لأنها تدرك جيداً أن ضرب إيران يعني احتمال وقوع اضطرابات في سوريا ولبنان، وكلاهما تحرص تركيا أشد الحرص على حماية الاستقرار فيهما، فضلاً عما يمكن أن يحدث في العراق.

هناك طرفان في تركيا يعيشان حالة انتظار لمعرفة إلى أي حد تبدو حكومة حزب العدالة والتنمية مستعدة للاعتراف بحقوقهما. الأكراد لا يصدقون أن ما يحدث في أنقرة وأكثره يخص مستقبلهم يسير في اتجاه إيجابي لمصلحتهم. والعلويون ونسبتهم لبقية السكان قد تصل إلى ما يقرب من 15 في المائة، هؤلاء يعرفون أنهم يمثلون ورقة مهمة في تطور العلاقات التركية السورية منذ أن اقتطعت تركيا لواء الإسكندرون من سوريا وضمته إليها. وعندما سألت عما إذا كان هؤلاء العلويون أنفسهم ورقة يمكن لسوريا أن تستخدمها للضغط على تركيا قوبل سؤالي بالاستنكار.

والأرمن حائرون، هل يقبلون باعتذار تركي خافت الصوت عن مذبحة الأرمن في 1916، أم يصرون على تعظيم الجرم والتنديد بتركيا، والآذريون غاضبون لأن التقارب التركي مع الأرمن قد يأتي على حسابهم كدولة تحتل أرمينيا جزءاً من أرضها؟ و”إسرائيل” لا تعرف كيف تنتقم، يعتقد بعض المعارضين للتعاون بين تركيا و”إسرائيل” أن مرحلة الجدل انتهت وبدأت مرحلة العقاب والضغط لوقف الزحف التركي وإثارة الشكوك بين العرب حول النوايا التركية.

تخشى “إسرائيل” أن تنتقل بالعدوى من أنقرة إلى عواصم العرب كبرياء القوة التركية الصاعدة. والعراقيون متوجسون، منهم من لا يريد تركيا طرفاً في ميزان قوى إقليمي ساحته العراق، ومنهم من لا يريد تركيا ضامنة لكردستان العراق وحامية لنزواتها، ومنهم من يريد تركيا على أي شكل وبأي هدف تختاره، ففي كل الأحوال ستكون أفضل من عرب غير موجودين.

سمعت في الشأن العراقي أن هناك في الغرب، وربما في أمريكا تحديداً، من يدعو إلى تشكيل قوة عمل task force من الولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران وتركيا تتولى المساعدة في إدارة شؤون العراق فور انسحاب القوات الأمريكية. لم أندهش لغياب طرف عربي في هذا التشكيل إذ كنت قد قضيت في تركيا ما يكفي من الوقت لإقناعي بأن الدور العربي في أي معادلة إقليمية قائمة أو قادمة غير موجود أو هامشي على أحسن الفروض. لم يكن هيناً على النفس في هذا السياق أن أسمع أن أطرافاً غربية طلبت نصيحة خبراء أتراك حول فكرة دعوة النرويج لكي تمسك بملف المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس.

وفي سوريا فرحة. الناس سعداء سعادة فائقة. ولا أظن أن الدوافع خافية بعدما شاهدوا بأعينهم حواجز على الحدود تنحى جانباً، ولعلها المرة الأولى في حياة شعب عربي يشعر فيها بأن قيداً على حرية حركة وانتقال ينكسر، وأن كابوساً ثقيلاً يرفع عن كاهله. “وقفنا مشدوهين وسط انبهار الصحافيين السوريين وذهول الصحافيين الأتراك. يسأل السوريون، ولدى كل منهم جواب عن سؤاله ومع ذلك يستمرون في توجيه الأسئلة. لماذا بدأ الأتراك بسوريا، لماذا نحن أولاً؟”. وتكاد زينب حور بانلي الصحافية التركية تجيب في صحيفة “حريات”، حين قالت: “لم يحدث أن تعاونت تركيا مع دولة أجنبية تعاونها الراهن مع سوريا”. وتساءلت بدورها “هل يمكن أن يكون هذا التعاون مقدمة لنوايا تركية في إقامة “الاتحاد شرق الأوسطي” محاكاة للاتحاد الأوروبي؟

ورغم زخم الجدل الدائر في الخارج، يبقى الأهم دائماً الجدل الدائر في داخل تركيا. الجدل الدائر في الخارج بعضه يمسنا في مصر مباشرة، لأن السائد شرقاً وغرباً هو أن الجديد في توجهات السياسة الخارجية التركية جاء ليملأ “فراغاً متوحشاً”، مصر مسؤولة عنه بالتأكيد.

والسائد أيضاً في تركيا وخارجها أن هذا الفراغ يهدد بابتلاع الأوطان في المنطقة جزءاً بعد جزء، ثم وطناً بعد وطن، وقادر على أن يهلك شعوبها. يهمنا أيضاً، أو يجب أن يهمنا، جدل من نوع آخر دائر الآن في أوساط النخب التركية حول شؤون السياسة الداخلية في تركيا. فتركيا هذه الأيام تغلي بالنقاش الحاد والموضوعي حول التوفيق أو الفصل بين اتجاهات الدولة الدينية واتجاهات الدولة المدنية، ونقاش حول دور الطبقة الوسطى الحديثة الصاعدة من المناطق الريفية في صنع مستقبل تركيا، وحول دور المؤسسة العسكرية والأساليب المبتكرة لتقييد حريتها في التدخل في الشأن السياسي ومنعها من تخطيط الانقلابات العسكرية وفضح عمليات اغتيال المعارضين لها من الزعامات المحلية والنقابية والدينية، وجدل حول العودة إلى الأساليب العثمانية التي قضت بالاعتراف بالهويات العرقية والدينية أو التمسك بالتعاليم الكمالية التي لا تعترف إلا بالهوية التركية الجامعة.

أظن أننا في بلدنا في حاجة ماسة إلى جدل مماثل في الحدة والموضوعية يبدأ بالسؤال الذي بدأ به النقاش العام في تركيا “من نحن؟ هل نحن صنيعة الغرب أم صنيعة التاريخ؟. ولا يخالج الزائر المهتم بتطورات السياسة والثقافة والفن في تركيا أدنى شك في أن حزب أردوغان الحاكم، أي حزب العدالة والتنمية، التزم أمام ناخبيه والنخب التركية بالإجابة عن هذا السؤال، وأتمنى أن نجد في مصر من يتعهد بالمثل.
"الخليج"