منطق إسرائيل في مواجهة الضعف والقوة../ سمير كرم

لا يمكن اتهام العرب بالتقصير في تشييد المؤسسات البحثية ـ مصانع الأفكار ـ الرامية إلى فهم إسرائيل: التاريخ، الحروب، الأيديولوجيا الصهيونية، السياسات والصراعات الداخلية وكذلك السياسات والصراعات الخارجية، الأوضاع الاقتصادية صعوداً وهبوطاً، النفوذ الصهيوني على أميركا وأوروبا، أدوار المخابرات الإسرائيلية العسكرية والمدنية في بقاع الأرض،...الخ.

اذ لا تكاد تخلو عاصمة عربية من مصانع الأفكار الحكومية والأهلية المتخصصة بالشؤون الإسرائيلية ككل أو من زاوية ما. وهو وضع لم يكن متاحاً عندما كانت البلدان العربية بدرجة أو أخرى في حالة حرب مع إسرائيل.

فهل أصبحت حكوماتنا العربية تفهم إسرائيل على نحو أفضل مما كنا نفهمها في زمن الصعود القومي؟ هل تستند سياساتنا العربية الرسمية إلى دراسة متأنية وعميقة بما يكفي للشؤون والسياسات الإسرائيلية؟ باختصار هل أصبحنا نفهم العقل الإسرائيلي في الوقت الحاضر على نحو أفضل مما كنا نفهمه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي؟

ثمة دلائل على أن مراكز الأبحاث العربية ـ فلسطينية وغير فلسطينية ـ تتبرع في تحقيق تراكم هائل من المعلومات عن إسرائيل، لكنها لا تزال مقصّرة في استخراج النتائج الصحيحة والموضوعية لتضعها أمام صناع القرار العرب ليتأملوها قبل اتخاذ قراراتهم، خاصة المصيرية، أو على وجه التحديد قضايا الحرب والسلام.

الظروف الراهنة ـ ومع الأسف منها الانقسام الفلسطيني بين سلطة ومقاومة ـ تقدم أوضح الأدلة على أن مصانع الأفكار العربية بشأن إسرائيل لم تستطع أن تدرس في العمق طبيعة الاختلاف بين الطريقة التي تتعامل بها اسرائيل مع منطق القوة العربي ـ المنطق الذي يأخذ بالمقاومة في مواجهتها، والطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع منطق الضعف العربي ـ المنطق الذي يأخذ طريق التسوية والتنازلات والاعترافات في مواجهة إسرائيل استناداً الى الولايات المتحدة وقدراتها على التأثير في قرارات إسرائيل.

إنها مفارقة هائلة إلى حد يصعب معه إيجاد تفسير لهذا الاختلاف بين منهج إسرائيل في التعامل مع السلطة ـ ومع أميركا ـ بشأن الجزئية المتعلقة بتجميد الاستيطان، ومنهج إسرائيل بالتعامل مع المقاومة ـ ومن يساندونها ـ بشأن الجزئية المتعلقة بتبادل الأسرى. لكن التفسير لا يعود مستحيلاً ولا صعباً إذا رأينا الطريقة الأولى منهجاً للتعامل مع الضعف والثانية منهجاً للتعامل مع القوة. فالأمر الذي لا شك فيه ان المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة حماس بشأن تبادل إطلاق الأسير الاسرائيلي جلعاد شاليط مقابل إطلاق الأسرى الفلسطينيين هي محادثات ناتجة عن فعل القوة الذي انتهى بأسر شاليط، بل إن المقاومة الفلسطينية هي الطرف الداعي لاستخدام القوة ضد إسرائيل كوسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية التحررية للفلسطينيين.

وبالمقابل فإن الامر الذي لا شك فيه ان السلطة الفلسطينية اتخذت قرارها بأن تدخل في محادثات مباشرة مع حكومة إسرائيل من موقع الضعف، من موقع التعهد لإسرائيل والولايات المتحدة بـ «نبذ العنف» واستنكار المقاومة والتبرؤ منها بل ـ اذا امكن ـ إنهاء وجودها. فكيف تقابل إسرائيل هذا المنطق وكيف تتعامل مع السلطة بل وكيف تتعامل مع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سلطة هذه السلطة. هل نقول إن إسرائيل لا تحترم ضعف السلطة الفلسطينية بينما تحترم قوة المقاومة الفلسطينية؟

ربما يكون هذا هو الشعور الداخلي لدى الاسرائيليين... لكنهم لا يعبرون عنه صراحة وبطريقة مباشرة إنما يتركون العالم، وبالأخص وسطاء هذه المفاوضات، ليفهموا أن إسرائيل مستعدة لتلبية طلبات المقاومة، بل إن إسرائيل تعي تماما إن المقاومة قادرة على الوفاء بالتزاماتها إلى أدق التفاصيل.

تدخل إسرائيل في محادثات سلمية ـ بوساطة ألمانية، ويقال إنها وساطة أيضا مصرية ـ من أجل إطلاق سراح أسيرها شاليط، وتبدي ساعة وراء أخرى من الضعف ما يلزمها بالموافقة على إطلاق سراح مئات من الأسرى الفلسطينيين. وتبدي أيضاً استعداداً عملياً لتقديم مزيد من التنازلات إزاء مطالب المقاومة بشأن شروط جماعية وشروط فردية تتعلق بمن يُطلَق سراحهم من الأسرى الفلسطينيين. اسرائيل هنا تتعامل مع المقاومة وكأنها تتعامل مع دولة لها مركزها ولها قدرتها... تماماً كما فعلت مع حزب الله من قبل.

تعاملت إسرائيل مع دولة لبنان بمنطق واختارت أن تعاقب لبنان بأكمله عسكرياً في حرب صيف 2006، وبعد أن أجبرت إسرائيل على أن توقف آلتها الحربية في مواجهة حزب الله تعاملت معه بمنطق مختلف. فقد دامت الحرب 33 يوماً لم تستطع إسرائيل فيها أن تحقق مكسباً عسكرياً واحداً.

خرجت مهزومة عسكرياً وسياسياً واضطرت لأن تدخل في محادثات إطلاق سراح الأسرى. ثبت بالدليل القاطع أن إسرائيل تسلم بقدرة حزب الله على الدخول معها في اتفاق بشأن تبادل الأسرى وتطبيق هذا الاتفاق والالتزام بما نص عليه إذا التزمت إسرائيل بما نص عليه حتى أدق التفصيلات.

هذا هو الفرق بين إسرائيل منتصرة وإسرائيل مهزومة. وهي لهذا لا تتعامل في قضية تجميد الاستيطان مع السلطة الفلسطينية، التي أصابتها العزلة والتراخي، بنفس الاستقامة التي تتعامل بها مع المقاومة في قضية تبادل الأسرى. وعندما تحدثت وزيرة إسرائيلية متطرفة ـ هي وزيرة الثقافة ليمور ليفنات ـ عن قرار حكومتها التي يرأسها بنيامين نتنياهو فإنها أرادت أن تلقي اللوم كله على طرف غير إسرائيلي... على باراك اوباما الرئيس الاميركي الذي وصفته بأنه «يذيق نتنياهو الأمرّين». فهو الذي مارس ضغوطه على رئيس الوزراء الإسرائيلي فاضطره لاتخاذ قراره بتجميد الاستـيطان في الــضفة الغربية بصورة مؤقتة. ووصفت الوزيرة الاسرائيلية وضع اسرائيل بأنه معقد والإدارة الأميركية بأنها متشددة (...)

وعندما تحدث وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان عن القرار الإسرائيلي نفسه ـ بعد رفض السلطة الفلسطينية له ـ قال إنه «لا أهمية لرفض السلطة الفلسطينية لخطة إسرائيل وقف بعض أعمال البناء في مستوطنات الضفة الغربية لمدة عشرة أشهر». وأضاف ليبرمان إن «الفوز بالتأييد الدولي أكثر أهمية» من الحصول على موافقة السلطة الفلسطينية. هذا مع أن موافقة السلطة الفلسطينية كانت مطلوبة لاستئناف محادثات السلام بين إسرائيل وهذه السلطة وليس بين إسرائيل والمجتمع الدولي.

اما خارج الحكومة الإسرائيلية فإن الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي تساءل في صحيفة «هآريتس» الإسرائيلية»، «لماذا نستطيع أن نتحدث مع حماس بشأن شاليط إنما ليس بشأن السلام»؟ وقال لقد «حان الوقت لكي نخلص أنفسنا نهائياً من بعض التحريمات الحمقاء التي نفرضها على أنفسنا وعلى المجتمع الدولي بأسره».

وتحدث ليفي عن المحاولات الفاشلة التي قامت بها إسرائيل لإجبار حماس على إطلاق سراح شاليط بالقوة العسكرية، وأضاف «وعندما أدركت إسرائيل أخطاءها التي لا يزال مليون ونصف المليون من المقيمين في غزة يدفعون ثمنها بأجسادهم وأرواحهم فإن إسرائيل حولت انتباهها إلى الوسيلة الوحيدة العادلة والفعالة وهي المفاوضات الدبلوماسية».

بطبيعة الحال لم يذكر الصحافي الإسرائيلي شيئاً عن منطق القوة كما تمثله المقاومة ومنطق الضعف كما تتبعه السلطة الفلسطينية كسبب لاختلاف السلوك الإسرائيلي.
لكن كاتباً إسرائيلياً آخر ـ هو اسرائيل هاريل، وهو ليس من الصحافيين الإسرائيليين ذوي التوجه الليبرالي مثل ليفي ـ أدرك من هذا الدرس نفسه عجز إسرائيل عن تعلم الدرس من الثمن القاتل لاستسلامها السابق. وهو يقصد باستسلام إسرائيل السابق قبولها دفع الثمن غالياً في تبادل الأسرى مع حزب الله. ويستنتج «أن ثمة شيئاً أساسياً قد أصابه الخطأ في غريزة إسرائيل للبقاء».

ويقول «لقد تحولنا من مجتمع متفائل محب للحياة ويشعر بمسؤولية جماعية إلى مجتمع يندب وينعى، مجتمع يطالب بحقوق كثيرة ويتلقى ما يطالب به من دون التزامات، مجتمع ينظر إلى الفرد باعتباره القيمة الأسمى، وعدونا يدرك هذا ويعرف أياً كان الثمن الذي سيطالب به فانه سيحصل عليه».

عندما تنجح المفاوضات غير المباشرة وتتم عملية تبادل الأسرى ـ شاليط من ناحية ومئات الأسرى الفلسطينيين من ناحية أخرى ـ وهي لم تتم حتى كتابة هذه السطور وقد تتم خلال الوقت الذي ينقضي بين كتابتها ونشرها ـ يكاد يكون من المؤكد أن يحدث تماماً ما حدث داخل اسرائيل على اثر تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله. ستزداد إسرائيل اكتئاباً وتشاؤماً بسبب تعمق الانقسام بين الاعتراف بالأمر الواقع وقبول السلام ودولة فلسطينية حقيقية من ناحية، ومن ناحية أخرى العودة الى الجذور العنيفة لإسرائيل واستخدام القوة لمنع السلام من أن ترافقه دولة فلسطينية حقيقية... وبالتالي الاستعداد لحرب عربية إسرائيلية أخرى تفرضها إسرائيل...

هل سيكون هذا نتيجة لضعف إسرائيل أمام سياسة القوة التي تأخذ بها المقاومة، أم أنه سيكون نتيجة ضعف السلطة الفلسطينية وتخاذلها طلباً لسلام إسرائيلي أميركي ودولة فلسطينية ناقصة منزوعة السيادة ومنزوعة السلاح؟

لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تدّعي لنفسها التسبب في إحداث الآثار السلبية التي ينضح به جسم المجتمع الإسرائيلي وروحه. وبالمثل لن تستطيع دول الاعتدال ـ المنظومة التي تتزعمها مصر بلا حرص والسعودية انما بقدر قليل من التردد ـ أن تنسب لنفسها أياً من ظواهر الضعف التي تصيب إسرائيل. وحدها المقاومة ـ بما في ذلك ما يمكن أن يكون باقياً منها في زوايا السلطة، بدليل الاعتقالات اليومية في الضفة الغربية التي تنفذها السلطة بالتنسيق مع إسرائيل وتنفذها إسرائيل بالتنسيق مع السلطة ـ تستطيع أن تنسب الى عملها وسياساتها ما يصيب إسرائيل من ضعف حتى وهي في ذروة قوتها من حيث التسليح والتدريب والمخابرات.

متى تدرك إسرائيل هذه الحقيقة فتتعامل مع المقاومة باعتبارها الطرف الآخر القادر على صنع الحرب وصنع السلام إذا توفرت شروطه؟

هذا هو السؤال الصعب الذي يحاول أنصار حل الدولة الواحدة أن يقدموا له إجابة واضحة ممكنة وقادرة على الاستمرار ... فيما يتأكد مع الوقت أن حل الدولتين، ووراءه قوة اميركا ونفوذها، ووراءه استسلام منظومة الاعتدال العربية بما فيها السلطة الفلسطينية انتظاراً لرئيس أميركي يستطيع ان يضغط على إسرائيل ـ يعاني من شلل حقيقي يعجزه عن الحركة.

والآن مطلوب من مصانع الأفكار العربية أن تنظر بعين العقل الموضوعي الى المقاومة ودورها في إضعاف إسرائيل لتصل إلى استنتاجات سليمة ومشروعة بشأن المستقبل الفلسطيني والعربي. ويتطلب هذا أول ما يتطلب أن تعمل وتبحث وتستنتج بعيداً عن سطوة الحكام المعتدلين وتأثيرات النفوذ الثقافي الاميركي.
"السفير"