هل ثمة من يلحّ على التسوية السياسية إسرائيليًا؟/ أنطـوان شلحــت

(*) لا يصعب على المتابع للشأن الإسرائيلي العام ملاحظة أن الإلحاح المثابر على عدم نزع المسؤولية، التي تقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، جراء ما يسمى بـ "جمود العملية السياسية"، في سياق أعم هو التوكيد على ما تنطوي عليه هذه العملية من أهمية فائقة من ناحية إسرائيل، حاضرًا ومستقبلاً، يكاد يكون منحصرًا في الآونة الأخيرة في مجموعة مقلصة من المحللين السياسيين الإسرائيليين، ولا يصيب برشاشه كبار المسؤولين في المؤسسة السياسية، سواء الحاكمة أو المعارضة، إلا فيما نـدر.

ويقف في طليعة هذه المجموعة المثابرة الصحافي عكيفا إلـدار، المحلل السياسي في صحيفة هآرتس، الذي كان مثلاً أول من بادر إلى لفت نظر وسائل الإعلام الإسرائيلية، في غمرة "احتفالها" المفرط في ريائه بـ "مساهمة" إسرائيل "الإنسانية" في تجاوز الآثار المدمرة للهزة الأرضية العنيفة في هاييتي، إلى معاناة الأهل في غزة، الأقرب جغرافيًا والأكثر استحقاقًا، تحت وطأة الحصار والعدوان الإسرائيليين، والتي لا تحظى قطّ بما تستأهله من اهتمام وتضامن وكفاح. وقد أتبع ذلك، لاحقًا، بصبّ جام نقده على رئيس الدولة الإسرائيلية، شمعون بيرس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، والذي بات يتبنى، إزاء كل ما يتعلق بـ "العملية السياسية" الإسرائيلية- الفلسطينية، مواقف أشدّ يمينية من مواقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (صحيفة هآرتس، 25/1/2010).

وفي هذه الأثناء، فإن ما تتسم مواقف نتنياهو به، هو مزيد من تكويم العراقيل أمام العملية السياسية، الكسيحة أصلاً، والتي لن يكون آخرها على ما يبدو تصريحه بشأن إصرار إسرائيل على "الاحتفاظ" بغور الأردن، حتى في حال افتراض تنفيذ شرط إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وذلك تطبيقًا لرؤية يغئال ألـون في الخطة المعروفة باسمه منذ ما قبل أربعين عامًا، والتي قال فيها، ضمن معرض تلخيصه عبارة "الحدود القابلة للدفاع عنها"، إنه إذا كانت إسرائيل معنية ببقاء المناطق الفلسطينية التي تنسحب منها مناطق منزوعة السلاح فإنه يتعين عليها الاحتفاظ بغور الأردن، وفقما أشار إلى ذلك أحد المقربين من نتنياهو، وهو دوري غولـد، السفير الإسرائيلي الأسبق في الأمم المتحدة، الذي جرى تداول اسمه مؤخرًا في بورصة الأسماء المرشحة لتولي هذا المنصب، مرة أخرى.

وفي واقع الأمر، فإنه لا ينقضي يوم واحد في إسرائيل من دون أن توفر مؤسستها السياسية نصوصًا جديدة تؤكد أنها في حلّ من تقديم أي استحقاقات ولو صورية لدفع العملية السياسية قدمًا، تحت غطاء ذرائع مختلفة أكثرها إفكًا أنها قدمت ما يكفي، ولم يؤد ذلك إلى ثني الفلسطينيين والعرب عن مواقفهم "المعادية للسلام والتسوية" وعن سياستهم المناوئة لإسرائيل.

وقد بزّت الجميع، في هذا الصدد، وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي أصدرت، خلال الفترة القليلة الفائتة، وثيقتين جديدتين تتناولان الموضوع من جوانبه المختلفة. وقد حملت الوثيقة الأولى عنوان "الرفض الفلسطيني للتفاوض حول السلام"، وتضمنت الادعاء بأن "رفض الفلسطينيين الثابت لمبادرات السلام الإسرائيلية ورفضهم الحالي للتفاوض يجعل إسرائيل تتساءل عما إذا كان جيرانها ملتزمين بالسلام فعلاً؟". أمّا الوثيقة الثانية فجاءت بعنوان "إسرائيل والنزاع والسلام"، وتميزت بكونها حافلة بالتفصيلات التي تزكي خلاصات الوثيقة السابقة.

ولعل أبرز ما ورد في هذه الوثيقة الجديدة كامن في ما تسميه بـ "أركان السلام"، وهي "خمسة أركان، تدور الثلاثة الأولى منها حول الاعتراف بشرعية إسرائيل، فيما يتعلق الركنان المتبقيان بالشؤون الأمنية"، وجاء في تفصيلها ما يلي:
1) تماما كما يطلب من إسرائيل الاعتراف بالدولة القومية للفلسطينيين، فإنه يترتب على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل دولةً قومية للشعب اليهودي، علما بأن رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية هو من صميم النزاع.
2) من الواجب حل قضية اللاجئين الفلسطينيين في إطار الدولة القومية الفلسطينية. وفي حين يجب أن تكون للاجئين الفلسطينيين حرية الاستقرار في الوطن الفلسطيني، فإن إسرائيل لا تستطيع السماح لنفسها من الناحية السكانية بأن تجتاحها موجة من اللاجئين، تقوض الهوية الأساسية لإسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية الوحيدة على وجه الأرض.
3) يجب أن يشكل أي اتفاق للسلام نهاية مطلقة للنزاع، إذ يترتب على السلام أن يكون سلاما دائما وليس مرحلة مؤقتة يستخدمها الفلسطينيون منطلقا لمتابعة النزاع مع إسرائيل، فمن غير الجائز إثارة مطالب جديدة بعد التوقيع على اتفاق السلام.
4) استنادا إلى حقيقة الاعتداءات التي تعرضت لها إسرائيل بعد خروجها من كل من قطاع غزة وجنوب لبنان، فمن الأهمية بمكان ألا تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية دولة تهدد دولة إسرائيل. وعليه فإن أي أرض يتم إخلاؤها في نطاق اتفاق لا يمكن أن تستغل من قبل الإرهابيين أو أدوات إيران للاعتداء على إسرائيل. والطريق الوحيدة لبلوغ هذا الهدف والحيلولة دون وقوع نزاع آخر هي أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح فعلا.
5) يجب أن يقدم المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضمانات لأي معاهدة سلام، وبوجه خاص ما يتعلق بنزع السلاح والترتيبات الأمنية. أما الدعم فيكون بالوسائل السياسية وليس العسكرية، على أن تكون الضمانات المذكورة بمثابة وسيلة إضافية لردع أولئك الذين يرغبون في نزع الشرعية عن ترتيبات التجريد من السلاح أو خرق الترتيبات المتعلقة بذلك.

من نافل القول إن هذه الأركان ليست وصفة للسلام بتاتا، وإنما لأي شيء آخر يمكن أن يطرأ على البال، عدا السلام.

مهما يكن، فإن من الطبيعي إزاء ما تقدّم كله أن يثور السؤال التالي: من أين تستمد إسرائيل القوة أو الوقاحة للتمسك بهذه المواقف والمتاجرة بها، على الرغم من أن أنظارها ليست غائبة عن مستجدات كثيرة حدثت في الآونة الأخيرة في الساحة الدولية وتتضاد مع مسلكها، وعلى الرغم من تظاهرها بالقلق الشديد حيالها؟.

لا شكّ في أن جانبًا مهمًا من الجواب عن هذا السؤال ينبغي البحث عنه، ضمن أشياء أخرى، في واقع أن "الرياح الجديدة"، التي خُيّل أنها هبّت من واشنطن، تزامنًا مع تسلم إدارة أميركية جديدة مهمات منصبها (وربما تكون هبّت فعلاً لفترة محدودة للغاية)، قد اضمحلت كثيرًا. وإن مجرّد ما استتبعه اضمحلالها من مواقف وتصريحات إسرائيلية تعيد إنتاج الذرائع القديمـة، هي بمثابة فرصة أخرى لإعادة توكيد أن خطوات نتنياهو الأخيرة كلها، التي قرأها البعض كما لو أنها تضمر "تحولات جادة" في فكره السياسي ونهجه العملي، لم تتجاوز غاية المناورة والتي تهدف، أكثر من أي شيء آخر، إلى إرضاء واشنطن، وإلى تخفيض الرأس حتى تمر "العاصفة"، ولم تكن تعبيرًا عن رغبة خفية لديه للجنوح إلى طريق التسوية السياسية.

وثمة أمر مؤكد آخر هو أن هذه الغاية (المناورة) لم تعد تبهـظ أكثرية الساسة في إسرائيل، لا سيما وأن هذه الأكثرية كفّت منذ فترة طويلة عن الإلحاح على طريق التسوية السياسية. وبالعودة إلى ما بدأنا به، فإن ما بقي من هذا الإلحـاح كله، بغض النظر عن كون غاياته الأكبر هي غايات إسرائيلية قلبًا وقالبًا، ما انفك من نصيب مجموعة محدودة للغاية من الصحافيين والمحللين، وعلى الرغم من افتراض كون هؤلاء هم الأكثر مدعاة للإنصات، إلا أنهم لا يؤثرون في الواقع الإسرائيلي، ولا في مواقف الإجماع الصنمية المهيمنة عليه، أولاً ودائمًا.