لا خير يرجى من قمة سرت../ جميل مطر


أمام القمة العربية، وليس بالضرورة على جدول أعمالها، تطوران يستحقان الاهتمام من جانب هؤلاء الذين نصبتهم الأمة أو نصبوا أنفسهم أولياء أمورها، ولعلهما يستحقان منهم ما هو أكثر من مجرد الاهتمام، خاصة وقد عودنا أهل القمة على ألا نتوقع أكثر من ساعات وأحياناً لحظات تفصل بين إبداء الاهتمام والانصراف عنه .

أما التطوران فأولهما إعلان حكومة “إسرائيل” الحرب السياسية على المجتمع الدولي، وثانيهما حاجة أوباما إلى دعم خارجي قوي لتحقيق فوز للديمقراطيين في انتخابات النصف في الخريف القادم في مواجهة انتقام يهودي عنيف وحملة تشويه سمعة من جانب الحزب الجمهوري بعد الفوز الذي حققه أوباما في موضوع الرعاية الصحية .

أعرف أن القمة سوف تهتم من ذاتها بموقف أوباما من الاستيطان وستعبر عن اهتمامها بقرارات تثني فيها على باراك أوباما وتهنئه هو وأعضاء حكومته ومسؤولون في بروكسل على تصريحاتهم . وأظن أنها ستؤكد قرار اللجنة، المنشأة بقرار منها لمتابعة مبادرة السلام العربية، منح السلام فرصة أخرى مدتها أربعة أشهر، ولفرط رضا القمة عن أوباما فإنها قد تكافئه بمد المدة شهوراً أكثر .

أنا، مثل غيري، وهم كثيرون في بلادنا العربية، نكاد نكشف نوايا العديد من المسؤولين العرب والفئات التي تساند السلطة في عالمنا العربي، حين نعبر عن اقتناعنا بأن غاية المنى لدى هؤلاء هو أن يسعى أوباما لاسقاط ائتلاف بيبي نتنياهو وتنصيب تسيبي ليفني رئيسة لحكومة ائتلافية جديدة . نعرف أنه يوجد في القمة من يعتقد أنه لا توجد مشكلة على الإطلاق في استمرار نتنياهو في الحكم لأنه بشعبيته داخل “إسرائيل” وفي أوساط اليهودية العالمية قادر أكثر من أي زعيم “إسرائيلي” آخر على التوصل إلى اتفاق يفرضه على بقايا الثورة الفلسطينية ويقبله الزعماء العرب بعدهم . سيقبل الزعماء ما تقبل به البقايا، بقايا شعب وبقايا أرض وبقايا حقوق .

نعرف أن البيانات والقرارات التي سوف تصدرها قمة سرت في شأن هذين التطورين، يشتغل على صياغتها الآن محترفو الصياغة في الأمانة العامة ومندوبو بعض الدول العربية وبخاصة موظفو الخارجية الليبية لتصدر في شكل لائق، والشكل اللائق حسب تقاليد القمة، هو أن تزخر القرارات والبيانات بفقرات إنشائية يجد الصحافيون والمترجمون المحترفون صعوبة في ترجمتها إلى لغة دولية .

نعرف، عن تجربة، أن هذه القرارات والبيانات تبدو بعد ترجمتها كما كانت في النص الأصلي، ناقصة الجدوى والحجة لأن المفردات التي صيغت بها لم يكن القصد من اختيارها إقناع أحد في الخارج أو في الداخل . المقصود بها دائماً تبرئة ساحة ممثلي الحكومات العربية وموظفي الجامعة المتهمين بأنهم مقصرون في حماية الحقوق العربية .

***
من لا يعرف قيمة قرارات القمة العربية وجدواها، ادعوه إلى قراءة البيان الصادر عن قمة الدوحة في مارس/آذار 2009 عن رأي القادة العرب في مراوغة “إسرائيل” في موضوع الاستيطان . جاء في القرار أن هؤلاء القادة يؤكدون “إدانتهم بأشد العبارات استمرار الاستيطان . . وإدانتهم لهدم منازل العرب في القدس الشريف” . دليلنا على نقص جدواه واعتبارنا إياه بياناً إنشائياً قليل القيمة، هو أن البيان الذي تستعد لإصداره بعد ساعات قمة سرت سوف يتضمن الفقرات ذاتها واللغة نفسها وإن بمفردات مختلفة . مر عام على قمة الدوحة وأعوام عديدة على قمة بيروت، وهي القمة التي تعرف الآن بقمة المبادرة السعودية قبل أن تتحول الى مبادرة عربية، ومرت عقود على قمة بغداد الغاضبة على حكومة مصر، ومر عام على قمة الدوحة ومن قبلها دمشق والخرطوم وما زالت “إسرائيل” تستوطن في الأراضي الفلسطينية وما زالت البيوت العربية في القدس وضواحيها تهدم .

نعرف أيضا أنه بعد ساعات سوف يقف الأمين العام لجامعة الدول العربية والى جانبه مسؤول ليبي كبير ليعلنا أمام الإعلاميين موقف القادة والعرب من التطورين الأهم وغيرهما من الأمور .
وكالعادة لن يكون ما يعلنانه مرضياً لبقية القادة العرب .

نعرف مثلاً أن اليمن أعربت في أعقاب قمة سابقة عن عدم رضاها لأن الأمين العام وممثل رئيس المؤتمر لم يهتما بالقدر الكافي بقرار مؤتمر القمة الإشادة بمبادرة اليمن “تفعيل العمل العربي المشترك وتكليفه مجلس الوزراء العرب ببحثها” . أشك في أن تعود اليمن وتعرض في قمة سرت مبادرة جديدة بعد أن أصبحت هي نفسها في حاجة لمن يتقدم بمبادرة تساعد شعب اليمن بكل أطرافه وفئاته على تجاوز محنة تسبب فيها نظام حكم شجع على الفساد وأضاف الى فقر اليمن وأزماته الكثير، حتى صارت اليمن ساحة لحرب أمريكية رابعة في العالم الإسلامي تنضم بها إلى الساحات العراقية والأفغانية والباكستانية ولتنتظر حرباً خامسة في إيران .

***
أتصور أيضا أن ليبيا باعتبارها الدولة المضيفة وصاحبة الحق في لعب دور أساسي في صنع وصياغة قرارات وبيانات القمة لن ترضى بأقل من خمسة أو ستة بيانات وقرارت تؤكد دعم القمة لمواقف ليبيا وسياساتها سواء اختلف عليها العرب أم اتفقوا . في القمة السابقة وكانت ليبيا مجرد عضو مشارك صدر قرار يشيد باتفاق المصالحة الذي توصلت إليه الجماهيرية مع إيطاليا وحصلت بمقتضاه على تعويضات عن مرحلة الاستعمار الإيطالي لليبيا . وصدر قرار أو أكثر عن إفريقيا بمناسبة تولي ليبيا رئاسة الاتحاد الإفريقي والنية في عقد قمم عربية إفريقية مشتركة . وكان لليبيا قرار يحث بريطانيا على الإفراج عن المواطن الليبي المحكوم عليه بالسجن في بريطانيا بتهمة تفجير طائرة أمريكية فوق اسكتلندا . بررت ليبيا رغبتها في استصدار قرار عربي بأن الرجل تدهورت بسرعة حالته الصحية وأن أطباءه قدروا له ثلاثة أشهر يموت خلالها أو في نهايتها . لا أظن أن أحداً في القمة التي ستعقد في ليبيا مستعد أن يرفع صوته محتجاً على أن مندوب ليبيا في قمة الدوحة خدع القمة فالرجل ما زال حياً يرزق . ليبيا الآن رئيسة القمة، ومشاريع القرارات التي ستتقدم بها ستكون لها الأولوية على غيرها بما فيها القرارات التي أعدت في عواصم عربية أخرى بمناسبة التطورين الجديدين في المسألة الفلسطينية . لن تنفض قمة سرت دون أن يصدر عن قادة الأمة العربية بيان يدين سويسرا سواء بالنسبة لموضوع المآذن أو بالنسبة للخلاف “الخطير” حول قضية تتعلق بسلوكيات أحد أفراد الأسرة الليبية الحاكمة أثناء إقامته في سويسرا .

ولن تقبل الأمانة العامة للجامعة أن ينفرط عقد الزعماء العرب قبل أن يصدر عنهم بيان يذكر بعشرات الوثائق التي صدرت عن القمة لتعزيز المصالحة والتضامن العربي، وآخرها وثيقة صادرة عن قمة الدوحة وقبلها وثيقة العهد والوفاق والتضامن الصادرة عن قمة تونس في 2004 .

وكالعادة، لن يمل المسؤولون عن الجامعة العربية من تكرار عبارات معينة مثل “انتهاج أسلوب المصارحة والشفافية والحوار والتشاور في حل الخلافات العربية” ومثل “بلورة رؤية استراتيجية موحدة للتعامل مع التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية” وسوف يصدر عن القمة في الغالب بيان أو قرار يحث الدول الاعضاء، أي تحث نفسها، على “تفعيل آليات فض المنازعات” . . ولن تنفض القمة قبل أن تعلن للعالم للمرة السادسة أو السابعة “تمسكها الدائم بمبادرة السلام كخيار استراتيجي . . وفقاً للإطار الذي يقوم على أن مبادرة السلام المطروحة اليوم لن تبقى على الطاولة طويلاً . . واستمرار تمسك العرب بها مرتبط بقبول “إسرائيل” لها . . وتفعيلها مرتبط ببدء تنفيذ “إسرائيل” التزاماتها” .

***
بعد القمة يعود كل حاكم، أو من قام بتمثيله، إلى بلده واثقاً من أن مبادرة السلام العربية ستبقى على الطاولة طويلاً، وأن العرب مستمرون في التمسك بها قبلتها “إسرائيل” أم لم تقبلها، وملتزمون بتفعيلها في السر وبالتطبيع المتدرج سواء نفذت “إسرائيل” التزاماتها أم توسعت في عمليات الاستيطان وتهويد الأماكن الإسلامية وتهديد سلامة، وربما بقاء، المسجد الأقصى .

من هكذا قمم وبيانات لا خير يرجى لأمن الأمة العربية ورفاهتها ولا لأمن ورفاهة بقية أمم الشرق الأوسط .
"الخليج"